المنطقة أقرب إلى بحيرة مغلقة، والجميع يصطادون، أو يحاولون الاصطياد من ماء واحد. المهارة ودقة الغزل ضروريان لضمان ألا تخرج الشباك بما لا تحب، أو من دون شىء على الإطلاق. لكن على الجانب الآخر، ثمة صياد متمرس يُعكر المياه، ثم يحصر المساحات ويجففها، لينتقل منها إلى ما بعدها، وقد أتى على كل مغنم أو حرم الآخرين من رزقهم المأمول.
نتنياهو ذاك الرجل للأسف، ولا طريق للمصادرة على طريقته الاحتيالية وغير القانونية، إلا بتكاتف المضارين معا، ولو باتفاق ضمنى مباشر، أو التسريع بالذهاب إلى تسوية تُجمد الصيد، وتنهى الموسم مبكرا، وعند مستوى الخسائر المتحققة حتى الآن، وليست قليلة على أى حال.
كان من مفاعيل الطوفان فى أكتوبر 2023 أنه قفز على الحدود، وسيّل كثيرا من الخرائط وأدخلها فى بعضها. ما سمح للاحتلال بأن يتوصل فى مرحلة من عمليته العسكرية إلى السيطرة على كامل قطاع غزة، وتسريع خطط الاستيطان وابتلاع الضفة الغربية، وذلك مع الرجوع إلى لبنان بعد ربع القرن من مغادرته، وزحزحة خطوط الفصل مع سوريا إلى ما وراء الجولان المحتل، والتمركز على مرتفعات جبل الشيخ الاستراتيجية. وأخيرا التمادى فى انفلاته وصولا إلى الهضبة الفارسية، وكسر جدار الردع والنار الذى كان عاليا بين تل أبيب وطهران.
تهاوت ميزة المبادأة منذ اللحظة الأولى، وانقلبت وبالا على أصحابها. وجردة الحساب النهائية تصب فى صالح الصهاينة بأضعاف ما تدعيه الممانعة أو تستميت فى إنكاره. ربما أقل من نصر كاسح للدولة العبرية، لكنه أكبر من هزيمة عارضة على طريق المحور الأصولى، رأسا وأطرافا، وأسوأ ما فيه أن خلاصاته الكاملة لم تتحدد بعد، وما تزال مفتوحة على كل الاحتمالات، إلا العودة إلى ما كان قائما من التوازنات، أو ابتكار بديل عنها أهون فى رداءته، ويقبل التثبيت والاستدامة على المدى الطويل.
لا أحد من خصوم الشيعية المسلحة وميليشياتها يجرؤ على الزعم بأن أحوال فلسطين والمنطقة كانت مثالية، إنما لا أحد منهم يمكن أن يستمرئ التبجح والشعبوية الوقحة، لدرجة الادعاء بأنها أفضل اليوم، أو ليست فى الحضيض بما لا يقاس على أية محنة سابقة، حتى من زمن النكبة الأولى واختراع إسرائيل من العدم.
فالنوايا غير خافية منذ البداية، والمخططات معروفة للجميع، بالمُعلن منها والمُضمر على السواء، غير أنها تلقت هدية مجانية من خارج أفق التوقعات، وحصلت على دفعة لم ترد على أحلامها فى أعلى حالاتها خيالا وتفاؤلا.
وما من دليل على ذلك من أنها لم تعد تطلب الأمان، بقدر ما تفرض شروط الترويع على الآخرين، ولا تفاصل فى هدنة مع المقاومة بل فى مراسم تشييعها، ولم يعد الحديث عن ضبط المعادلات والأسقف مع الجمهورية الإسلامية، إنما عن تأطيرها وتهذيب سلوكياتها، وإعادة ترسيم مجالها الحيوى وحدود القوة المسموح لها بامتلاكها، وفى القلب من ذلك التخيير بين نكهتين للموت، معجل أو مؤجل، وبيدها أم بأيدى المتربصين بها من الخارج.
واشنطن على موعد مع طهران. يلتقى وفدا التفاوض اليوم فى جنيف بوساطة عمانية، بعد أحد عشر يوما من جولتهما الأولى فى مسقط. وأقل من أسبوع على زيارة نتنياهو للبيت الأبيض ولقائه السابع بالرئيس ترامب فى غضون سنة واحدة.
القراءة من السطح تقطع بأنه أخفق فى المهمة التى ذهب لأجلها، أما الأعماق فتخفى الكثير كعادة أعالى البحار وبطونها الواسعة السحيقة. واستعجال الإفادة قد يودى بالمتعجل إلى مهاوى الاجتزاء والتبسيط، إذ يسهل القول إن زعيم الليكود حمل فى أوراقه قرارا بالحرب يبتغى توقيعه من امبراطور العالم، ولكن من قال إنه لم يكن يتوقع الرجوع به على حالته الأولى، أو أن باقة أهدافه تقزّمت استباقيا، لتنحصر فى هذا المطلب ولا شىء سواه.
علاقة البلدين مركبة للغاية، وازدادت تركيبا وتعقدا مع عودة الرئيس الجمهورى فى ولايته الثانية. وأقرب مثال للتشبيه أنهما يجريان على مضمار واحد، إنما بإيقاعين مختلفين. إذاعة واحدة على موجتين، أو إذاعتان على موجة واحدة: فى الأولى تسبق إحداهما الأخرى بالمحتوى نفسه، وفى الثانية تتداخل الإشارات بالتزامن حتى لا يتيسر فضها، أو فهم رسالة منهما بمعزل عن أختها. باختصار، إنه خلاف فى الأولويات وترتيبها، وفى الشكل لا المضمون، والمحصلة واحدة فى النهاية مهما تبدلت اللوائح أو تضاربت المواقيت.
مجرم الحرب ومهندس الإبادة الجماعية يوقع ميثاق مجلس السلام، المُكلف أصلا بمداواة ما جنته يداه على القطاع والغزيين. يتفاوض فى مآل إيران التى له سابقة عدوان عليها، ويعرض تفضيلاته بشأن غزة رغم وضوح خطة البنود العشرين، وتسلسل جدولها الزمنى بمنطق لا يجعل إسرائيل طرفا من الأساس بعد انتهاء مرحلتها الأولى.
أما النقطة الأبرز، فتمثلت فى الهجوم على رأس الدولة العبرية من منصة البيت الأبيض، لأنه يتلكأ فى اتخاذ قرار العفو عن رئيس الحكومة المُلاحق بقضايا فساد، رغم تكرار المطالبات الأمريكية وتعدد رسائل ترامب ووفوده المتدفقة على تل أبيب. لدرجة أن يُصرّح الأخير بأن على هيرتزوج وشعبه أن يشعروا بالخزى، للتأخر عن إبراء ذمة القائد الأفضل فى تاريخ الدولة العبرية. لتنقلب الأوضاع فى تل أبيب رأسا على عقب، ويغضب صاحب الصلاحية من الإهانة لشخصه والبلد، وتتهمه المعارضة بأنه يرهن الدولة وسيادتها، ويقول المحللون إنه ما ذهب أصلا إلا لإطلاق تلك القذيفة الحارقة من هناك.
تعطلت صفقة غزة لأكثر من ثلاثة أشهر فى شوط أول، كان يتعين تجاوزه فى ثلاثة أيام فحسب. وما تزال فى حُكم التجميد نسبيا بعد ثلاثة أسابيع من استعادة آخر الجثامين، وانتهاء صلاحية الذريعة التى ارتكنت إليها فى إطالة الحرب وإفساد الهُدَن، أو عدم دخولها من الأساس.
ويُسمح له الآن بالقبض على ورقة السلاح، رغم انتقال المهمة عمليا إلى سلطة المرحلة الانتقالية بهيكلها الثلاثى: لجنة الإدارة التكنوقراطية وجهازها الأمنى المرتقب، ثم المجلس التنفيذى بقيادة نيكولاى ملادينوف، وأخيرا مجلس السلام تحت إشراف ترامب مع الوسطاء والشركاء الدوليين. والأخير بإمكانه أن يُحجّم الاستثمار اليمينى فى ملف حماس ووضعها المستقبلى، لكنه يسمح لحليفه بالإبقاء عليه لأغراض دعائية وسياسية، حتى مع الجزم باتخاذ قرار نهائى بوقف الحرب، وإغلاق كل نافذة محتملة للعودة إليها من جديد.
كان عجوز الليكود الماكر قد استبق رحلته المتقدمة أسبوعا عن موعدها إلى واشنطن، بتمرير حزمة قرارات من المجلس الوزارى المصغر «الكابينت»، تمثل توطئة لتمكين الاستيطان فى الضفة الغربية وتسريع خطى الضم وفرض السيادة عمليا. أبدت الإدارة الأمريكية اعتراضا ناعما، وقال البيت الأبيض إن الرئيس لم يغير موقفه، ولا فى وارد الترحيب بأية خطوة تبتلع مزيدا من الأرض.
ذهب «بيبى» إليه وعاد، وفى اليوم نفسه من الأسبوع التالى، الأحد، أقرت الحكومة بكامل هيئتها ما أُعلن سابقا من مقترحات، وظلت رخاوة الولايات المتحدة على حالها، أو بدت أكثر فداحة فى الموقف الثانى/ الأعلى أثرا، عما كانت عليه مع الأول، وكان جزئيا وغير تنفيذى وقتها.
تتيح الحزمة المعلنة تقطيع أوصال الجغرافيا التى يُنتظر أن تكون قاعدة الدولة الفلسطينية المأمولة، وكُتلتها الأكبر بالنظر إلى أن الضفة تقترب من عشرين ضعف مساحة القطاع. ترفع السرية عن سجلات الأراضى «الطابو» بما يتيح للمستوطنين معرفة المُلاك الأصليين، لمفاوضتهم أو الضغط عليهم.
مع السماح بالشراء المباشر وليس بالالتفاف على حظر الصفقات الفردية من خلال شركات لها شخصية اعتبارية، مع إلغاء بروتوكول الخليل الموقع عام 1997 بموجب اتفاق أوسلو، وإيكال مهمة التراخيص وتصاريح البناء للمستوطنات، فضلا على تسجيل مساحات واسعة تحت صفة «أملاك دولة»، بما يتجاوز المنطقة «ج» الواقعة تحت سيطرة الاحتلال إداريا وأمنيا، مرورا بالمنطقة «ب» المتقاطعة مع السلطة الوطنية، ووصولا إلى «أ» التى يُفترض أن إسرائيل خارجها بالكامل، ولا ولاية لها عليها تنفيذيا أو عسكريا.
خطوة واسعة جدا إلى الأمام، ولا تقل فى خطورتها وتداعياتها عن التصريح بالضم الكامل. ذلك أنها تُمهِّد لتغيير الوضع القانونى وإعادة هندسة الديموغرافيا والانتشار، بالتسرب البطىء ومن دون تبعات ظاهرة أو مواجهات ساخنة فى فترة التغلغل والتمكين. كما لا تختلف فى أثرها عن إطالة أمد الجمود فى غزة، وفتح ثغرات للانفلات من قيود الاتفاق، أو تحريفه فى الممارسة العملية.
نعرف ما يريده الصهاينة، قبل التصعيد وبعده ومن فاتحة الأهمّ الأوّل، وعرفنا ما تتجّه إليه بكل اندفاع وقوة، والسؤال ليس عن غرض الدنىء أو رمادية المنحاز، إنما عن تقاعس المُضار وعدم استشعاره للحظة وأثقالها، بل والتمادى فى الإرجاء والتسويف واختراع المُنغّصات، كأنه فى سِعَة من الوقت، ولديه وفرة من آمال لا دليل عليها مُطلقًا.
دُمِّر القطاع بجناية حماس عليه، لأنها أعانت القاتل على الوصول إلى سويداء قلب القتيل. وتسريع مشاريع القضم والابتلاع فى الضفة تُرَدّ إلى السنوار وطوفانه أيضًا، والتلكؤ عن الوفاء بالالتزامات اليوم يُعسّر المهمة ولا يوفر هامشًا للمناورة وتعديل التوازنات كما يتوهّم الواهمون.
والواقع، أنه على الأرض تختلف الوقائع عما فى الإعلام، وبينما تُبدى الحركة ترحيبًا بالتخلّى عن سلطتها فى غزّة، وتُصرّح فى كل مناسبة بجاهزيتها لنقل الولاية إلى اللجنة الانتقالية، تُضمر من وراء ذلك غرضًا خفيَّا يتوخى الإبقاء على حضور مُخاتل فى المشهد، والتشدّد فى مسائل سبق أن وقعت عليها، وتعرف أنه لا سبيل للإفلات بها، وأهمها السلاح.
تعترض على الضابط السابق لدى السلطة سامى نسمان، وتسعى لإدخال آلاف من عناصرها ضمن قوات الأمن المُزمَع تشكيلها، وتتفاوض فى السر على قدراتها العسكرية، وتوجه قادتها لإطلاق مواقف مضادة علنًا، كما يتردد على ألسنة أسامة حمدان وغيره، وقال به خالد مشعل قبل أيام فى منتدى الجزيرة بالعاصمة القطرية، وفى المقابل، تتشدد الولايات المتحدة فى النزع، وتُعلّق تمام الخطة عمليا على وفاء الفصائل بالتزاماتها، ويتعطل تشكيل قوّة الاستقرار الدولية، لأنه لا أحد يريد أن يصطدم مع بقايا الميليشيات فى القطاع، ولا أن يكون عُرضة لتجاوزات الاحتلال المدعوم من واشنطن، والمُعتاد على أن يكون فوق المُساءلة والحساب.
الحال نفسها تكاد تتطابق فى لبنان، مع إصرار حزب الله على الاحتفاظ بسلاحه المُعطّل، لحدّ التهديد بالحرب الأهلية، ولا فرق بين أن يكون طموحه فى توجيه فائض القوّة، أو ما تبقّى منه، للعب فى توازنات الساحة السياسية، أو أنه يتخذ مواقفه عالية السقف بإملاء من الخارج، تحت قيد الولائية العقائدية للمرشد الإيرانى، وفى إطار توظيف الأخير للأذرع والساحات الرديفة فى ماراثون المفاوضات مع الأمريكيين، وجولات عض الأصابع والضغط بكل الأوراق للتطويع وتليين المواقف، وصولاً إلى تخفيض حجم التنازلات المطلوبة.
وإذا كانت طهران تُدير لعبة شبيهة، فإنها تملك ما لا يملكه تابعوها، وأقل تضررا منهم فى الميدان وعلى مستوى الشروط الضامنة للبقاء وإعادة ضبط البوصلة. الجمهورية الإسلامية بلد كبير، مُزعج بقوّته، وأكثر إزعاجا فى ضعفه. لا بديل عن التحاور والاتفاق معه، ولا مأمن فى أى اشتباك عسكرى لا يُعرَف مداه مسبقًا، ولا يتوافر له أفق سياسى قادر على احتواء التداعيات، وإعادة نمذجة النظام القائم على صيغة أكثر مُطاوعَة، أو انتداب بديل صالح للإمساك بمقاليد الأمور، وقادر على لَجم التناقضات والنفاذ من غابة الصراعات العرقية والمذهبية المُتشابكة، لا سيما فى سياق أزمة اقتصادية تُلامس حدود الاختناق، وتُبشّر بالتداعى من الداخل، ولو فى مدى غير قريب.
حشد ترامب بوارجه، واستدعى حاملة طائرات ثانية ستصل فى غضون أيام أو أسابيع قليلة. ينهج الرجل تكنيك «دبلوماسية الأساطيل»، ضمن فلسفته المُعلنة وسابقة الاختبار عن السلام من خلال القوة. يعرف الملالى وجنرالات حرسهم الثورى أنهم مُضطرّون للاختيار، لكنهم يضبطون ساعاتهم على ميقات آخر، وبوصلتهم على قبلة مُغايرة. والغرض تقليص حزام الضغوط من ثلاثة شروط إلى شرط واحد، ثم التفاوض فى الأخير، وإطالة الأمد بما يمنحهم نصرا معنويًّا، يُمكن أن يُحمَل على تحديد الجدول الزمنى أوّلاً، ثم تُبرَّر التنازلات فيه لاحقا بمنطق فرض الإرادة والاعتصام بالصبر الاستراتيجى.
الأرمادا البحرية لا تعنى أن الولايات المتحدة راغبة فى الحرب، أو ذاهبة إليها حتمًا. غير أن الاطمئنان المُطلَق لا يقوم على ساقين صلبتين. إذ عندما تُكشّر القوّة الأولى عالميًّا عن أنيابها بتلك الحِدّة، فلا بديل عن أن تلتهم وجبتها المُقرّرة، أو أن تتقهقر الفريسة وتقدّم لها قربانا بديلا.. أى أن ترامب لن يتراجع من دون حصيلة مُرضية من الجمهورية الإسلامية، يُمكن أن تضيق لدرجة الاختزال فى الملف النووى، لكنها لن تؤول إلى صفقة شبيهة باتفاق 2015 الذى غادره الرئيس الحالى فى ولايته الأولى، ولا إلى ما هو أسوأ منها بالطبع.
الاجتماع الثانى، اليوم، سيُبشّر بما بعده جزئيًّا. وغالب الظن أنه لن يُفرز نجاحا ملموسا، ولن يدفع طرفيه إلى التصريح بالإخفاق، لتستمر المحاولات مع لقاء ثالث. هذا ما تريده إيران، ويمكن أن يقبله الأمريكيون بحدود.
سبق لسيد البيت الأبيض الإشارة إلى إمكانية إنجاز اتفاق فى غضون شهر، ثم ألمح إلى احتمالية التمديد بالإشارة الضمنية إلى مهلة حاملة الطائرات «جيرالد فورد» حتى منتصف مايو المقبل أو آخرها، بما يُطيل الحيّز الزمنى من شهر إلى ثلاثة. وبعيدًا من التفاوت فى حسبة الوقت، فإما الخروج بصفقة مُعتبرة أو اللجوء إلى تكسير العظام.
تردّد أن واشنطن عرضت تسوية تتضمن تعليق التخصيب بين ثلاث وخمس سنوات، ثم السماح به بعدها عند مستويات منخفضة، ونقل ما يزيد على 400 كيلو جرام من اليورانيوم عالى التخصيب خارج إيران. تحدث ساسة وبرلمانيون من الجمهورية الإسلامية بذلك، ونفاه مسؤول أمريكى من كل وجه، حتى مُجرد وضع تلك الصيغة على الطاولة من الأساس.
نتنياهو يقذف ذروة أعلى، داعيا إلى تفكيك البنية التحتية للمشروع بكامله، لا هذا مُمكن ولا ذاك، والحل الوسيط بين الأمرين اتفاق أفضل قليلاً من السابق لواشنطن، وأردأ قليلاً لطهران، وسحابة من الغموض لا تتكثف ولا تزول، ما يُبقى الاحتمالات السيئة على كل الجبهات.
صادرت الولايات المُتّحدة جبهة الشام من إسرائيل، تأكد الاستخلاص بسابقة الوقائع، وعبّر عنه وزير الخارجية ماركو روبيو خلال مشاركته فى مؤتمر ميونيخ للأمن، بالإشارة إلى ارتياح بلاده للمسار الحالى فى سوريا.
ما جرى مع الأكراد لم يخلُ من إشارة لتطويع خُطط الدولة العبرية وترشيدها، ويُحتَمَل التكرار فى السويداء مع الدروز بصفقة، أو بإبقاء الأمور على حالها. لبنان مُعلّق فى الفراغ، والضفة الغربية، وغزّة كحبل مشدود بين الصهاينة والفصائل.
غاية نتنياهو أن يذهب للانتخابات تحت دخان الحرب وغبار الميدان. لهذا يواصل انتهاك الاتفاق فى غزة، ولا يتوقف عن طلعاته الجوية وتجاوزاته فى سماء لبنان، مُتطلّعًا إلى حدث أمنى يأتيه من خارج الأفق كما حدث مع الطوفان، أو يتيسّر له اختراعه بموافقة أمريكية، سواء مع إيران أو أية ساحة بديلة. ينتظر العفو ليغسل ثوبه وسُمعته، ويشتغل على ترويض الساحة السياسية بإرباك الخصوم والحلفاء، والضغط على أعصاب الناخبين، ليظل رجل الأمن فى عيونهم، وخيارهم الأول فى أقرب استحقاق.
المثالية أن تبرُد الساحات كلها بالتزامن، والحدّ الأدنى أن تحافظ إيران على وتيرة منضبطة فى المفاوضات، وقادرة على الإمساك باللحظة المناسبة لإنجاز صفقة، لا تُظهرها ضعيفة بما يكفى لارتداد الأثر كاملاً إلى صدرها أمام الغاضبين، ولا تتمادى فى إظهار قوتها بما يستفز الأمريكيين، أو يستحث الصهاينة على المبادرة بضربة ثانية.. أن ينضوى الحزب تحت سقف الدولة، وأن يتسارع مسار الإنقاذ فى غزّة بكامل ملامحه المُتّفق عليها، وبما يُمكّن اللجنة الوطنية وشرطتها، وينشر قوّة الاستقرار، ليضع الاحتلال أمام استحقاق الانسحاب وإرخاء قبضته الأمنية، والوقوف أمام جدار يعزله عن القطاع، ولا ينقبه الحماسيون من تحت الأرض أو وراء الظهور.
أراد الطوفان منذ البداية أن يخلط الأوراق، فكان الخلط عبئًا على المُغامرين دون وعى أو جاهزية. رأيت مقطعا لأحد المُحليين السياسيين فى قناة عربية، يحمل الجنسية الموريتانية وله هوى إخوانى، يتفاخر فيه بأن السنوار كان يعرف بأن إيران لا ترحب بعملية الغلاف، ولن تجاريه فيها، لكنه أراد أن يحرجها ويستدرجها إلى الاشتباك.
ابتلعت الأولى الطُعم جزئيًّا بإيعازها إلى حسن نصر الله بالدخول، فقبض نتنياهو على طرف الخيط واقتفاه وصولاً إلى المعقل الحصين فى طهران. صارت الساحات جبهة واحدة، أو وحّدها العدو بعدما تخلّى أصحاب شعار «وحدة الساحات» عنه فى الميدان.
وكما فى الحرب، لا تختلف السياسة، ذلك أن الشبكة ما زالت مُحكمة النسج والتداخل، والصهاينة ينتقلون من طبقة إلى ما بعدها. الحل ليس فى إبقاء العوار، وحراسة الضعف بإيمان وسذاجة. أحيانا يكون الرجوع للوراء قليلاً، أعقل ما يُقدّمه المرء لنفسه، والآخرين، وللقضايا التى تاجر بها وتربح منها، وأورثها هزائمه وسوء تقديره للأمور والتوازنات أيضًا.