لا شك أن العالم بات يتحرك على إيقاع توترات عسكرية متصاعدة، من الحشود الأمريكية حول إيران إلى سباق التموضع في القرن الأفريقي، إلى اختلال النظام الاقتصادى الدولى، بعد قرارات الرسوم الجمركي الأمريكية، تزامنا مع اختلال الأدوات الأممية لضعف التمويل، واتباع سياسة ازدواجية المعايير، وخروج منظمات أممية - ذات ثقل - من مشهد القيادة والإدارة للعالم تدريجيا، في وقت تتشابك المصالح الأمنية مع معارك المعادن والطاقة والنفوذ الجيوسياسي في كل مناطق هذا الكوكب الحيوية، حيث هناك إعادة لرسم التحالفات في الشرق الأوسط، واستغلال جديد لمقدرات أفريقيا في وقت تتداخل فيه ملفات التطبيع، مع الرغبات الجامحة في النفوذ الإقليمي، وسباق الردع النووي..
بل الأخطر، أن أوروبا باتت تقف أمام تحولات استراتيجية، بين تفكك النظام التجاري الذي قادته الولايات المتحدة، وفقدان الثقة في الحماية الأمنية الأمريكية، وتحذيرات من عودة منطق القوة في العلاقات الدولية، لتكون نتيجة هذا كله عالم يتجه نحو إعادة توزيع القوة، حيث تختلط السياسة بالأمن والاقتصاد في مشهد مفتوح على احتمالات كبرى.
وهنا ندق ناقوس الخطر، أن ما يحدث الآن ضحيته الأولى هو النظام الدولي الذى يمرّ بمرحلة تحوّل عميق يتراجع فيها نفوذ القانون والمؤسسات لصالح منطق القوة وموازين الردع، وسط تنافس متصاعد بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.
وأخيرا، نستطيع القول، إن الخوف كل الخوف أن يدخل النظام الدولى في حالة من “الفوضى المنظمة” التي تُقاس فيها المكانة الدولية بحجم القوة، وهو ما يتطلب من الجميع اليقظة والانتباه، وفى اعتقادى هذا الانتباه وتلك اليقظة تبدأ من إدراك الشرق الأوسط بخفايا ما يحدث وأن تتحالف قواها الإقليمية لمواجهة خطر الحرب المحتملة جراء هذا التصعيد الخطير، والطموح الإسرائيلى الجارف نحو السيطرة، والتعويل الآخر، أن تخرج أوروبا من حالة التردد واستعادة دورها كقوة توازن، إذا أرادت البقاء في النظام العالمى الذى يشكل مجلس إداراته الآن وفقا معايير جديدة..