د. أيمن فؤاد: المماليك أعادوا لمصر مكانتها قبلةً للعالم الإسلامى بعد سقوط الخلافة العباسية
أستاذ تاريخ إسلامى: رغم الطاعون والمجاعات المماليك خلدوا أسماءهم بعمران ما زال قائمًا
أستاذ تاريخ: المماليك خلّدوا أسماءهم بآثار لا تُحصى بعدما صعدوا من العبودية إلى الحكم
د. محمد عفيفي: ازدهار التجارة العالمية فى عصر المماليك صنع طفرة معمارية ضخمة فى مصر
لم تكن القاهرة مجرد مسرح تعاقبت عليه سلطات غير مصرية، بل كانت فاعلًا فى صناعة السلطة نفسها، بعض الحكام مروا بها كولاةٍ أو محتلين، وبعضهم جعل منها عاصمة لدولة عابرة، بينما تعامل معها المماليك باعتبارها وطنًا بديلًا ومصدر شرعيتهم الوحيد، من هنا يمكن فهم لماذا بدا أثرهم فى القاهرة أعمق وأكثر تجذرًا من غيرهم.
لم يكن المماليك غزاةً جاءوا إلى مصر ثم رحلوا، ولا ولاةً ينظرون إلى القاهرة باعتبارها محطة عابرة فى طريق السلطة، بل كانوا استثناءً فى تاريخ الحكام الذين مرّوا على هذه البلاد، جاءوا عبيدًا مقطوعى الجذور، بلا وطن يستقبلهم إذا سقطوا من فوق عروشهم، فوجدوا فى القاهرة ما هو أكثر من عاصمة سياسية: وجدوا وطنًا بديلًا، ومصعدًا اجتماعيًا، وبوابة للحرية والمجد.
آثار مملوكية
من العبودية إلى السلطة.. القاهرة بوابة الصعود
دخل المماليك مصر بلا جذور ولا نسب سياسى يحميهم، فوجدوا فى القاهرة مساحة للتحرر الاجتماعى والصعود السياسي، المدينة التى استقبلتهم كجنود تحوّلت إلى مصنع للنخب الحاكمة، هنا تشكّلت طبقتهم العسكرية، وهنا صُنعت شرعيتهم أمام المجتمع والعلماء والجيش، فارتبط مصيرهم بمصير العاصمة ارتباط وجود لا إدارة مؤقتة.
القاهرة وطن لا ولاية
على عكس قوى أخرى نظرت إلى مصر كولاية تابعة لعاصمة بعيدة أو كمجال نفوذ مؤقت، جعل المماليك من القاهرة مركز دولتهم الوحيد، لم تكن لهم عاصمة بديلة ولا ظهير إمبراطورى يستندون إليه، لذلك صار ازدهار القاهرة جزءًا من ازدهار حكمهم، وتراجعها تهديدًا مباشرًا لوجودهم السياسي، هذا الارتباط العميق حوّل علاقتهم بالمدينة إلى علاقة شراكة فى المصير.
آثار
العمارة كبديل عن النسب والسلالة
فى غياب الشرعية الوراثية، استخدم المماليك العمارة بوصفها لغة سياسية المساجد، المدارس، الأسبلة، البيمارستانات، والخوانق لم تكن مجرد خدمات عامة، بل سجلات حجرية لتثبيت الاسم والهيبة فى ذاكرة المدينة، تحوّلت الأوقاف إلى تعاقد طويل الأمد بين الحاكم والمدينة، يضمن حضورًا دائمًا بعد الغياب ويصنع شرعية مرئية فى قلب القاهرة.
المدينة كساحة تداول للسلطة
لم تُحسم صراعات المماليك فى عاصمة خارجية أو بلاط بعيد، بل داخل القاهرة نفسها. كانت القلعة والشوارع والأسواق مسرحًا لتغيّر موازين القوى. ومع كل انتقال للسلطة، كانت المدينة تُعاد هندستها رمزيًا وعمرانيًا لتخدم التوازن الجديد. هكذا أصبحت القاهرة ذاكرة سياسية حيّة، لا مجرد خلفية للأحداث.
آثار دالة على دولة
أكد خبراء وباحثون فى التاريخ العمرانى أن علاقة القوى الحاكمة والمحتلة بالقاهرة اختلفت عبر العصور، ما انعكس على طبيعة الأثر الذى تركته كل حقبة فى هوية المدينة ونسيجها التاريخي، بين تأسيس وبناء، واستخدام وظيفي، وتأثير إدارى وثقافي، وصولًا إلى فترات نقل الآثار إلى الخارج.
الفاطميون.. تأسيس القاهرة وبناء رمز الدولة
أسّس الفاطميون مدينة القاهرة ومنحوها أثرًا تأسيسيًا بالغ العمق، بوصفها عاصمة لدولة سلالية ذات مشروع سياسى ودينى واضح. ورغم سقوط الدولة الفاطمية لاحقًا، ظل أثر التأسيس حاضرًا فى بنية المدينة ورمزيتها التاريخية، بينما انقطع المشروع السياسى المباشر المرتبط بها، وبقيت القاهرة كيانًا عمرانيًا قائمًا بذاته.
الأيوبيون.. القاهرة قاعدة حرب وإدارة فى صراع إقليمي
نظر الأيوبيون إلى القاهرة باعتبارها قاعدة حرب وإدارة ضمن صراع إقليمى واسع، فجاء حضورهم فيها وظيفيًا واستراتيجيًا أكثر منه مشروعًا طويل المدى لإعادة تشكيل المدينة اجتماعيًا وعمرانيًا. وانعكس ذلك على سياسات العمران وإدارة المدينة خلال تلك الحقبة، التى ركزت على متطلبات السلطة والدفاع أكثر من إعادة صياغة هوية القاهرة المدنية.
العثمانيون.. ولاية تابعة أم عاصمة سابقة؟
مع دخول الدولة العثمانية مصر مطلع القرن السادس عشر، تغيرت مكانة القاهرة من عاصمة لدولة مستقلة إلى ولاية تابعة لعاصمة بعيدة هي إسطنبول. لم تعد المدينة مركز صناعة القرار الإمبراطوري، بل جزءًا من منظومة حكم أوسع تُدار من خارجها، وهو ما انعكس على طبيعة العلاقة بين السلطة والمدينة.
لم يتعامل العثمانيون مع القاهرة بوصفها مشروع هوية جديدة، كما فعل الفاطميون، ولا باعتبارها وطنًا بديلًا ومصدر شرعية وجودية كما كان حال المماليك، بل كإقليم مهم اقتصاديًا واستراتيجيًا داخل إطار إمبراطوري ممتد. صحيح أن القاهرة احتفظت بثقلها الديني والتجاري، واستمرت بعض النخب المحلية — خاصة بقايا الطبقة المملوكية — في لعب أدوار مؤثرة داخل الإدارة العثمانية، إلا أن مركز الثقل السياسي انتقل فعليًا إلى العاصمة العثمانية.
وعمرانيًا، لم تشهد القاهرة في العصر العثماني طفرة تأسيسية كبرى تضاهي ما عرفته في العصر المملوكي، بل اتجه البناء إلى نمط أقرب إلى البساطة النسبية والتأثر بالعمارة العثمانية المركزية، مع حضور محدود للمشروعات الضخمة ذات الطابع الرمزي. وبذلك ظل الإرث المملوكي هو الأكثر حضورًا في المشهد البصري للقاهرة التاريخية، بينما جاء الأثر العثماني أقرب إلى إدارة واستمرار منه إلى إعادة تأسيس وصياغة شاملة للمدينة.
الفرنسيون.. صدمة معرفية وتأثير ثقافى قصير المدى
ودخل الفرنسيون القاهرة فى تجربة قصيرة أحدثت صدمة معرفية وثقافية للنخب، وأسهمت فى نقل معارف علمية جديدة إلى مصر، إلا أن قصر المدة الزمنية للحملة حال دون إحداث تحول عمرانى أو اجتماعى عميق فى بنية المدينة. وبقى أثرهم الأكبر فى الوعى والفكر والتوثيق العلمي، أكثر منه فى الحجر والعمران.
وفى هذا السياق، شهدت فترة الحملة الفرنسية خروج عدد من القطع الأثرية والدراسات والرسومات التوثيقية إلى أوروبا، التى أصبحت لاحقًا أساسًا لعرض آثار مصر فى متاحف غربية، ما يُعد أحد أوائل مظاهر نقل التراث المصرى إلى الخارج فى العصر الحديث.
الإنجليز.. إدارة وسيطرة سياسية ونقل آثار إلى الخارج
وتعامل الإنجليز مع القاهرة بوصفها مركز إدارة وسيطرة سياسية، لا مشروع مدينة يُعاد تشكيل هويتها التاريخية أو العمرانية. فجاء أثرهم مؤسسيًا فى مفاصل الدولة الحديثة أكثر منه حضاريًا متجذرًا فى النسيج التاريخى للمدينة.
وشهدت فترة الاحتلال البريطانى خروج عدد كبير من القطع الأثرية المصرية إلى أوروبا، واستقرارها فى متاحف كبرى، فى مقدمتها المتحف البريطاني، إلى جانب وجود مسلات وتماثيل مصرية فى لندن وباريس وعدة عواصم أوروبية، وهو ما يُعد دليلًا على نقل جانب من التراث المصرى إلى الخارج خلال فترات الهيمنة الأجنبية.
الفارق الجوهري: حين تصبح المدينة وطنًا للحاكم
ما يجمع هذه القوى أنها امتلكت، بدرجات متفاوتة، مراكز قرار خارج القاهرة أو مشاريع سياسية عابرة زمنياً أو أولويات حرب وإدارة. وحدهم المماليك جعلوا القاهرة وطنهم السياسى الوحيد، ومصدر شرعيتهم، ومسرح صراعاتهم الداخلية. لذلك صبّوا ثقلهم فى عمرانها ومؤسساتها وذاكرتها الرمزية، فبقى أثرهم الأعمق والأكثر حضورًا فى هوية المدينة.
أكد الدكتور محمد عفيفي، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر فى تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن دولتى المماليك البحرية والشراكسة حكمتا مصر لفترة طويلة، وهو ما أتاح لهما ترك إرث معمارى وأثرى كبير لا يزال حاضرًا بقوة حتى اليوم
من العبودية إلى الحكم.. دافع قوى لترك بصمة تاريخية
وأوضح عفيفى أن المماليك كانوا فى الأصل عبيدًا ثم وصلوا إلى سدة الحكم، ما دفعهم إلى تشييد عدد كبير من المساجد والسبل والمنشآت الخيرية، تقرّبًا إلى الناس وإلى الله، وسعيًا لترك بصمة واضحة فى التاريخ، وهو ما يفسر كثرة الآثار التى تعود إلى عصرهم مقارنة بغيرهم.
ازدهار التجارة العالمية وراء الطفرة العمرانية فى عصر المماليك
وأشار إلى أن الدولة المملوكية كانت تمثل مركزًا للتجارة العالمية فى ذلك الوقت، وهو ما انعكس على القوة الاقتصادية للدولة، وجعل عصر المماليك من أزهى عصور مصر، وساهم بشكل مباشر فى ازدهار الحركة العمرانية وبناء المنشآت الدينية والخدمية.
آثار الفاطميين بين التغيير والهدم فى العصور اللاحقة
وفى سياق آخر، أوضح أستاذ التاريخ أن الدولة الفاطمية خلفت هى الأخرى آثارًا مهمة، إلا أن جزءًا منها تعرض للتغيير أو أُقيمت فوقه آثار جديدة فى عصور لاحقة، بينما هُدم بعضها خلال عهد الدولة الأيوبية، ما أدى إلى تراجع حجم الآثار الفاطمية مقارنة بآثار المماليك.
أما الدكتور أيمن فؤاد، أستاذ التاريخ الإسلامى بجامعة الأزهر، فقد أكد فى تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع" أن صعود دولة المماليك جاء فى لحظة مفصلية من تاريخ العالم الإسلامي، عقب سقوط الدولة العباسية ومقتل الخليفة المستعصم على يد المغول، مشيرًا إلى أن نجاح المماليك فى إيقاف المدّ المغولى منحهم مكانة سياسية ودينية كبيرة فى المنطقة.
استضافة الخلافة العباسية منحت المماليك شرعية دينية
وأوضح أن المماليك حكموا مصر والشام، واستضافوا الخلافة العباسية فى القاهرة بعد سقوط بغداد، ما منحهم شرعية دينية وسياسية، وجعل مصر قبلة للناس ومركزًا للعالم الإسلامى فى تلك المرحلة التاريخية.
المدارس المملوكية أهم من المساجد.. وأربعة مذاهب تحت سقف واحد
وأشار أستاذ التاريخ الإسلامى إلى أن أغلب المنشآت التى أقامها المماليك لم تكن مساجد فقط، بل كانت مدارس علمية كبرى، تضم إيوانات تعليمية وليس أروقة مفتوحة، على غرار مدرسة ومسجد السلطان حسن، حيث كان يُدرَّس فيها المذاهب الفقهية الأربعة إلى جانب العقيدة الأشعرية.
امتداد القاهرة التاريخية من باب الوزير إلى الأزبكية
ولفت إلى أن العمران المملوكى أسهم فى امتداد القاهرة التاريخية جنوبًا لتشمل مناطق باب الوزير والسيوفية والقطائع ومسجد أحمد بن طولون وبركة الفيل، إلى جانب معالم بارزة مثل سبيل قايتباى ومدرسة السلطان حسن، كما امتد العمران شمالًا فى أواخر عهد السلطان قايتباى حتى مناطق الأزبكية، مؤكّدًا أن هذه الآثار لا تزال قائمة حتى اليوم.
الأزمات الكبرى لم تمنع ازدهار العمران وتخليد أسماء الحكّام
وأكد الدكتور أيمن فؤاد أن عصر المماليك شهد أزمات قاسية وضخمة، ورغم ذلك استمرت حركة البناء والعمران بوصفها وسيلة لتخليد أسماء الحكّام، مشيرا إلى أن من أبرز هذه الأزمات الطاعون الكبير المعروف بـ«الموت الأسود»، وأزمات متتالية وقعت عام 806 هـ، إضافة إلى أزمات نهاية القرن السابع الهجري، والتى وثّقها المؤرخ المقريزى فى كتابه «إغاثة الأمة بكشف الغمة».
القاهرة لم تكن مجرد عاصمة حكمها غرباء، بل مدينة تصنع حكّامها أحيانًا. فى التجربة المملوكية تحديدًا، تلاقت حاجة الحكّام إلى وطن وشرعية مع قدرة المدينة على منح المكانة والاعتراف. لذلك صُنعت علاقة تبادلية نادرة: مدينة تصنع حكّامها، وحكّام يعيدون صنع مدينتهم. ومن هنا جاء عمق الأثر واستمراره.