يمثل كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس (ت 179هـ/795م) وكتاب السيرة النبوية كما وصلت عبر رواية ابن هشام (ت 218هـ/833–834م) عن ابن إسحاق نقطتين مبكرتين وحاسمتين فى تاريخ التأليف الإسلامي، الأول فى بناء الفقه والحديث، والثانى فى تثبيت السردية المبكرة لحياة النبى محمد ﷺ، وتأتى أهمية هذين العملين من كونهما ليسا مجرد نصين كلاسيكيين، بل إطارين مرجعيين أثرا فى مناهج العلماء والمدارس الفقهية والكتابة التاريخية لقرون طويلة.
فيما يخص "الموطأ"، تتفق المراجع الموسوعية الحديثة على مكانته بوصفه من أقدم ما بقى من مدونات الفقه الإسلامي، بل تصفه "بريتانيكا" بأنه أقدم مصنَّف باقٍ فى القانون الإسلامي. وتنبع خصوصيته من جمعه بين الحديث النبوى وآثار الصحابة والتابعين وعمل أهل المدينة، وهو ما منح الكتاب طبيعة مركبة: ليس مجرد كتاب رواية، ولا مجرد متن فقهى تجريدي، بل نص تأسيسى يربط النص بالممارسة.
كما أن "الموطأ" لم يصلنا فى نسخة واحدة جامدة، بل عبر روايات/نقول متعددة (recensions)، أشهرها فى التداول المغربى والأندلسى رواية يحيى الليثي، ما يكشف مبكرًا عن حيوية النقل العلمى فى القرون الأولى، وعن أن "الكتاب المؤسس" فى التراث الإسلامى كان يُتلقّى بالسماع والرواية والتدقيق، لا بالطباعة الموحّدة المعروفة حديثًا.
أما على مستوى السيرة النبوية، فالمعتمد عند كثير من الدارسين أن أصل السيرة الكبرى كان عند ابن إسحاق (ت 150هـ)، لكن النص الذى استقر وذاع وجرى تداوله الواسع هو ما حرره ابن هشام. وتشير "بريتانيكا" بوضوح إلى أن أشهر المصادر السيرية المبكرة هو عمل ابن هشام، وأن مادة ابن إسحاق الأصلية وصلت فى صورة تجميع روايات وأخبار عن وقائع السيرة، ثم خضعت لعملية تهذيب وانتقاء فى النسخة التى اشتهرت لاحقًا. وهذا يفسر لماذا يقال فى الدراسات: "سيرة ابن إسحاق برواية ابن هشام".
وتتأكد هذه النقطة كذلك فى الأدبيات الأكاديمية المقارنة التى تتعامل مع نص ابن هشام بوصفه تحريرًا/رواية للنص الأقدم، لا مجرد نسخ حرفى له. ومن هنا تأتى القيمة المنهجية للنص: فهو شاهد على تكوّن الكتابة التاريخية الإسلامية فى طورها المبكر، وعلى آليات النقد والاختيار لدى المصنفين الأوائل.
الفارق الجوهرى بين الكتابين أن "الموطأ" ينتمى إلى مشروع تقعيد المعيار العملى فى الدين (عبادات، معاملات، أحكام)، بينما تنتمى "السيرة" إلى مشروع حفظ الذاكرة المؤسسة للجماعة المسلمة (السيرة، المغازي، السياق الاجتماعى والسياسي). لكنهما يلتقيان فى نقطة مركزية: كلاهما كُتب فى زمن قريب نسبيًا من القرون الأولى، وكلاهما شكّل لاحقًا مادةً خامًا للمدارس الكبرى فى الفقه والحديث والتاريخ.
وخلاصة القول: إذا أردنا تعريف "النواة المبكرة" للتراث الإسلامى المكتوب، فإن "الموطأ" و"سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق" يظلان فى القلب من هذه النواة؛ الأول كمرجع تشريعي-حديثى مبكر، والثانى كمرجع سردي-تاريخى مبكر. وبدونهما يصعب فهم كيف انتقل الإسلام من طور المشافهة إلى طور التدوين المنهجى الذى أسّس لما بعده.