شحاتة زكريا

هل نحتاج إلى قرارات جديدة أم إلى طريقة تفكير جديدة؟

الأحد، 15 فبراير 2026 09:25 ص


في كل مرة يحدث فيها تعديل وزاري يعود السؤال القديم في ثوب جديد: هل المشكلة كانت في الأشخاص أم في السياسات؟ هل نحتاج إلى وجوه جديدة أم إلى أفكار جديدة؟ أم أن السؤال الأهم والأعمق هو: هل نحتاج إلى قرارات جديدة أم إلى طريقة تفكير جديدة؟

التعديلات الوزارية لحظة سياسية طبيعية في عمر أي دولة. هي رسالة بأن هناك مراجعة وتقييما وأن الدولة لا تقف جامدة أمام التحديات.. لكنها في الوقت نفسه تفتح بابا واسعا للنقاش العام: ماذا ننتظر من المرحلة المقبلة؟ تغيير في السرعة أم تغيير في الاتجاه؟ تحسين في الأداء أم إعادة تعريف للأولويات؟
المشكلة أن النقاش غالبا ما ينحصر في الأسماء: من جاء؟ من رحل؟ من بقي؟ وكأن السياسة مباراة تغييرات فنية يكفي فيها تبديل اللاعبين لينقلب الأداء رأسا على عقب. الواقع أكثر تعقيدا من ذلك بكثير. الأشخاص مهمون بلا شك لكنهم يعملون داخل إطار أوسع: طريقة تفكير، ومنهج إدارة، وثقافة مؤسسية وأسلوب في اتخاذ القرار .. هنا تحديدا يظهر جوهر السؤال: هل أزمتنا إن وجدت  أزمة قرارات أم أزمة عقل إداري؟ لأن القرارات مهما كانت جريئة أو متحفظة هي في النهاية نتاج طريقة تفكير معينة. إذا كانت طريقة التفكير تقليدية فحتى أكثر القرارات جدة ستخرج بروح قديمة. وإذا كانت طريقة التفكير مبتكرة وواقعية فقد تصنع من الأدوات المحدودة نتائج مختلفة تماما .. كثيرون ينتظرون من أي تعديل وزاري صدمة إيجابية: قرارات سريعة إجراءات حاسمة وعود كبيرة. وهذا مفهوم في لحظة يشعر فيها الناس بثقل التحديات الاقتصادية والاجتماعية وضغط الحياة اليومية. لكن الخطورة أن نختزل الإصلاح في قائمة قرارات عاجلة دون أن نلتفت إلى البنية الذهنية التي ستنتج القرارات التالية والتي بعدها والتي بعدها أيضا.. الدولة الحديثة لا تدار فقط برد الفعل بل بالفعل الاستباقي. لا تدار بمنطق إطفاء الحرائق فقط بل بمنطق منع اشتعالها من الأساس. وهذا لا يتحقق بتغيير قرار هنا أو هناك بل بتغيير طريقة التفكير التي ترى المشكلة قبل أن تتفاقم وتتعامل مع المواطن باعتباره شريكا في الحل لا مجرد متلق للنتائج.

طريقة التفكير الجديدة تعني أولا الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق إدارة المستقبل . الفرق بينهما كبير. إدارة الأزمة ضرورية لكنها تظل حركة في مساحة ضيقة يفرضها ضغط اللحظة. أما إدارة المستقبل فهي تحتاج إلى رؤية وإلى شجاعة في ترتيب الأولويات وإلى قدرة على قول لا لما هو سهل وشعبي ونعم لما هو صعب لكنه ضروري.

تعني أيضا الانتقال من ثقافة الإنجاز الورقي إلى ثقافة الأثر الحقيقي. ليس المهم كم قرار صدر ولا كم اجتماع عقد ولا كم تصريح أُدلي به. المهم: ماذا تغير في حياة الناس؟ ماذا تحسن في الخدمات؟ ماذا أصبح أسهل؟ وماذا أصبح أكثر عدلا وكفاءة؟ السياسة تقاس بنتائجها على الأرض لا بعدد عناوينها في الأخبار .. في لحظات التغيير الوزاري ترتفع سقوف التوقعات وهذا طبيعي. لكن الأخطر من خيبة التوقعات هو تكرار نفس الدائرة: تغيير أشخاص ثم انتظار معجزة ثم اكتشاف أن المشكلات أعقد من أن تحل بالمسكنات. لذلك ربما يكون السؤال الأصدق اليوم: هل نريد قرارات جديدة داخل نفس العقل القديم أم نريد عقلا جديدا ينتج قرارات مختلفة من الأساس؟

طريقة التفكير الجديدة تعني كذلك إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. أن يكون هناك إيمان حقيقي بأن الشفافية ليست عبئا  بل حماية. وأن الشرح ليس ضعفا بل قوة. وأن الاعتراف بالمشكلة هو أول خطوة جادة لحلها لا تهديدا للهيبة ولا انتقاصا من الإنجاز ..كما تعني الانتقال من منطق القطاع الواحد إلى منطق الرؤية المتكاملة . الاقتصاد ليس أرقاما فقط والتعليم ليس فصولا فقط والصحة ليست مستشفيات فقط. كل ملف متداخل مع الآخر وكل قرار في مجال يؤثر في مجالات أخرى. طريقة التفكير التي ترى الصورة كاملة هي وحدها القادرة على صنع سياسات متماسكة لا تتصادم مع نفسها .. الناس لا تنتظر معجزات لكنها تنتظر منطقا واضحا، واتجاها مفهوما، وإحساسا بأن هناك خطة لا مجرد إدارة يوم بيوم. تنتظر أن ترى أن التغيير ليس مجرد تدوير للكراسي بل مراجعة حقيقية لكيفية العمل وكيفية تحديد الأولويات وكيفية قياس النجاح والفشل.

في النهاية القرارات مهمة نعم. وقد تكون بعض القرارات الجريئة نقطة تحول حقيقية. لكن الأهم من القرار هو العقل الذي يصنعه والمنهج الذي يراجعه والجرأة التي تصححه إذا اتضح أنه كان خطأ. الدول لا تتقدم لأنها اتخذت قرارات أكثر بل لأنها فكرت بطريقة أفضل .. ربما يكون التعديل الوزاري فرصة مناسبة لطرح هذا السؤال بصوت عال: ماذا نريد من المرحلة المقبلة؟ مجرد قرارات جديدة؟ أم طريقة تفكير جديدة تعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والواقع بين السياسة وحياة الناس بين الحلم والإمكان؟

الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد إن كنا ندور في نفس الدائرة أم نبدأ فعلا في رسم طريق مختلف. لأن القرارات قد تتغير لكن إن لم تتغير طريقة التفكير فسنظل نكرر الأسئلة نفسها.. بعد كل تعديل وبعد كل مرحلة وبعد كل موجة أمل جديدة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة