ماذا كان يباع في سوق الوراقين؟

الأحد، 15 فبراير 2026 06:00 ص
ماذا كان يباع في سوق الوراقين؟ سوق الوراقين

محمد عبد الرحمن

واحد من بين أقدم الأسواق التاريخية في الوطن العربي، والتي كانت تشكل في الماضي مركزًا كبيرًا للثقافة، كان سوق الوراقين لبيع وتداول الكتب والوثائق ونسخها، ارتبط تاريخياً بمدينة بغداد العباسية (خاصة بمنطقة شارع المتنبي والسراي حالياً) كعاصمة للثقافة والمعرفة.

كان الوراقون هم "حراس المعرفة" الذين يجمعون بين الوراقة (صناعة الورق)، نسخ الكتب، وتجليدها، وكانت حوانيتهم ملتقى للأدباء والعلماء.

وقد ذكر لنا الجغرافي المؤرخ اليعقوبي (ت 284هـ) أنه شاهد في جانب واحد من بغداد “أكثر من مئة حانوت للوراقين”، وذكرت كتب الحوليات أنه في شوال سنة 740 “وقع بدمشق حريقٌ كبير، واحترق سوق الوراقين. وسبقت الإشارة إلى الجانب الشرقي من قرطبة وما كان فيه من عشرات النسوة الوراقات، اللاتي يرجّح أنهن كن يعملن في حوانيت أعِدت للوراقة.

وبحسب دراسة تحت عنوان " دور سوق الوراقين في الحياة العامة في بغداد الجانب الفكري أنموذجا" ساهم سوق الوراقيت في ازدهار الحركة الفكرية والعلمية في الدولة، وقد تجلّى هذا الازدهار بشكل خاص في عصر الدولة العباسية، حيث بلغت الدولة ذروة تقدمها في مجالات العلم والمعرفة، وانتشرت فيها المكتبات والمدارس.

وليس خافيًا أن النواة الأولى لهذا التطور الفكري كانت في المسجد، ومنه انتقلت إلى السوق حيث ازدهرت وانتشرت. فقد خرج من السوق العديد من العلماء، كما كان ملتقى اجتماعيًا، ومنبرًا للتبادل الثقافي، ومدرسة فكرية أسهمت في دفع الحركة العلمية العربية الإسلامية قدمًا خلال العصور الوسطى على نطاق واسع.

وتؤكد الدراسة سالفة الذكر، أن سوق الوراقين في العصر العباسي تجاوز دوره الاقتصادي ليصبح "أكاديمية مفتوحة". فلم تكن الحوانيت لبيع الورق فقط، بل كانت دكاكين الوراقين بمثابة صالونات أدبية تجمع كبار العلماء والأدباء والشعراء. هناك، كانت تُعقد المناظرات وتُلقى القصائد، مما جعل السوق "نبضاً فكرياً" يغذي المجتمع بكل جديد في العلم والأدب.

وتروي الدراسة كيف أحدث إدخال صناعة الورق (الكاغد) في عهد الخليفة هارون الرشيد انقلاباً في طرق التوثيق. فبعدما كان الاعتماد على "الرق" (الجلود) المكلف والصعب، فتح الورق الباب أمام حركة تأليف ضخمة. وبأمر من الرشيد، أصبح الورق هو المادة الرسمية للدولة، مما سهل نسخ الكتب وتداولها بين عامة الناس، وليس النخبة فقط، مما أدى إلى انخفاض أسعار الكتب وانتشار المكتبات العامة والخاصة.

لم يكن "الوراق" مجرد بائع، بل كان يلعب دور الناشر والمصحح والمجلد والمؤلف أحياناً. ويشير البحث إلى أن مهنة الوراقة جذبت المثقفين؛ فكثير من الوراقين كانوا علماء في النحو والحديث. ولعل أشهر مثال على ارتباط العلم بالسوق هو الأديب "الجاحظ"، الذي كان يكتري حوانيت الوراقين ويبيت فيها ليلاً ليتمكن من قراءة أكبر قدر من الكتب التي لا يملك ثمنها.

مع توسع بغداد، نقل الخليفة أبو جعفر المنصور الأسواق إلى منطقة "الكرخ"، وهناك ازدهر سوق الوراقين بشكل غير مسبوق، حيث ضم مئات الحوانيت التي تخصصت في نسخ أندر المخطوطات وتوزيعها. هذا السوق كان حلقة الوصل بين الثقافات، حيث تُرجمت فيه علوم اليونان والفرس والهند لتُنشر باللغة العربية إلى العالم أجمع.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب


الموضوعات المتعلقة


الرجوع الى أعلى الصفحة