أخفق نتنياهو فى المهمة الأولى التى حملها معه إلى واشنطن. تلك نتيجة جيدة نسبيا كبداية؛ غير أنها لا تكفى للاطمئنان الكامل، ولا لأن ينام الطرف الآخر على سجادة يدوية ناعمة من التى يجيد حياكتها، مراهنا على مهارة تاجر البازار فى أن يبيعها للأمريكيين بأعلى سعر، وفى الوقت المناسب تماما.
قد لا تكون الحرب وشيكة، أو اتُّخذ قرارها حتى الآن؛ إلا أن نُذرها تلوح فى الأجواء من بعيد، ولعلها أقرب مما قد يظن البعض. الخبر الإيجابى أن طبولها لن تُقرع من تل أبيب، والسيئ أن هامش طهران فيها ليس بلا نهاية على الإطلاق.
قدّم رئيس الحكومة الإسرائيلية زيارته أسبوعا؛ لاستدراك ما اعتبره مقدمة لتبريد الجبهة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية. والمؤكد أنه حشد فيضا من الأوراق والصور والتقديرات الاستخباراتية؛ لإقناع ترامب بخلاف ما يمضى إليه عبر الجولة التفاوضية الجديدة.
وحصيلة الرحلة القصيرة أتت على غير هواه، وإن تحصل فيها على ترضية شكلانية، أهمها تصويب سيد البيت الأبيض على الرئيس إسحاق هيرتزوج لتلكؤه فى أمر العفو عن الضيف فى قضايا الفساد الثلاثة، ثم توقيع الأخير على ميثاق مجلس السلام، فى فاصل كوميدى يخرجه من حال مجرم الحرب نظريا، إلى رتبة الشراكة فى البحث عن مخرج من الكارثة؛ كأنه لم يكن المتسبب الأول فيها وصانعها الوحيد تقريبا.
يقع العجوز فى تناقض صارخ؛ لكنه لا يلتفت إليه انطلاقا من أن أحدا لا يسائله فى الحقائق المجردة، ولا ما يتضارب من كلامه مع بعضه. وإذ يزعم أن هجمته السابقة على إيران فى يونيو الماضى قد حققت أهدافها كاملة؛ فلا يبرر دفوعه الراغبة فى عملية جديدة، وقد تراجع المشروع النووى كثيرا للوراء، ودُمّرت أغلب القدرات الصاروخية ومنصات الإطلاق.
أما فى حال أنه كان يُضخّم المسألة دعائيا؛ فالسؤال البديهى يكون عن سر الافتراض بأن تكرار المحاولة قد يحقق نتائج أفضل من سابقتها، مع معرفته اليقينية بأن الردود الإيرانية لن تقل عن الجولة الأولى، وقد تتسع بما يؤذى الدولة العبرية فى المقام الأول، فضلا على مخاطر امتداد الصراع بما يقود لمعركة أكبر، ويربك حسابات الإقليم وتوازناته القائمة، وأغلبها وثيقة الصلة بالمصالح الأمريكية وانتشار أصولها فى أنحاء المنطقة.
ولأن نتنياهو ليس ساذجا ولا هاويا؛ فالغالب أنه كان على علم كامل المآلات قبل حزم حقائبه وركوب الطائرة. ما يجعل الإخفاق المشار إليه سببا للبحث فى الخفى من أغراض الزيارة، بدل الارتياح إلى وهم أنه تلقى صفعة غير متوقعة من حليفه الأهم.
أى أن ورقة إيران كانت مجرد رميّة يتطلع منها إلى أشياء أخرى، فى مقدمتها تبكير الزيارة بعدما تقاطع موعدها الأصلى مع الاجتماع الأول لمجلس السلام، وتنشيط ملف العفو، والبحث عن أثر معنوى ودعائى يُعيد توجيهه فى مسار الاستعداد للانتخابات.
فيبدو لقاعدته الانتخابية فى صورة «سيد الأمن» الذى لا يتوقف عن العمل حتى اللحظة الأخيرة، على أن يستكشف حدود مسموحاته لدى البيت الأبيض؛ ليخلُص إلى الهامش الذى يمكنه التسرب منه لاختراع مأزق جديد، يضغط به على أعصاب بيئته، ويُعيد تزخيم حالة القبول الشعبى تحت عنوان الخطر الوجودى، ليضمن البقاء فى موقعه بغض النظر عن نتائج الحروب المفتوحة أو الماضية رغما عنه إلى محطة الختام.
تلوح صناديق الاقتراع من بعيد فى خريف العام الجارى، فيما يُدير لعبته بغرض المفاجئة والإرباك، ساعيا إلى تقديم الاستحقاق شهورا تكفل له التفوق على منافسيه، ولا تحرمه ما تبقى من فائض التعبئة والهواجس الأمنية المتولدة عن الطوفان وتداعياته.
لكن الساحة تبدو باردة نسبيا، وفى وضع غير مريح تماما؛ ما يُلجئه إلى العبث بأكوام الرماد بحثا عن جمرة متقدة، وهو بين احتمالات ثلاثة: غزة، الضفة الغربية، ولبنان. إيران ليست فى متناوله الآن؛ لكنه فى حاجة ماسّة إلى حدث أمنى. باختصار؛ كانت الرحلة للمساومة والمقايضة، ربما لم تخلُ من أمنيات بتحريك الجمود الراهن مع طهران؛ لكنه كان يضع العنوان الأضخم على الطاولة، ليحصل على ربح أقل، يراه كافيا فى المرحلة الحالية للنجاة بالهروب إلى الأمام.
والنتيجة النهائية جاءت مزعجة له فى جانب ومطمئنة فى الآخر. توقيعه على الانضمام لمجلس السلام كان إشعارا بسحب ورقة غزة من يده، وتأميمها حصرا لحساب الرؤية الأمريكية وما تقرره بشأن خطة ترامب والانتقال المتدرج بين مراحلها.
وتلقّى بالتزامن رسالة عن رفض البيت الأبيض لأية تغييرات جوهرية فى الضفة الغربية، ما يعنى عدم الترحيب بالقرارات الأخيرة للمجلس الوزارى الأمنى، وتجميد مفاعليه لجهة الضم عمليا أو بإجراءات إدارية. وبهذا؛ لا تتبقى له إلا الساحة اللبنانية، إذا أراد أن يوحى لجمهوره باستكمال حروبه متعددة الجبهات، وأن يذهب بهم إلى الانتخابات تحت ستار كثيف من الخوف والحسابات الأمنية المعلقة.
أما الاطمئنان؛ فيعود إلى قرار ترامب خلال الزيارة بتحريك حاملة الطائرات الثانية «جيرالد فورد» إلى المنطقة، لتجاور سابقتها «أبراهام لينكولن»، مع مجموعتيهما الضاربتين. ستستغرق أسبوعا للوصول، وستبقى حتى منتصف مايو المقبل أو آخره، حسب المُعلن حتى الآن.
والإفادة هنا أن رسائله لاستعجال الصدام لم تلق تجاوبا، لكنها حركت هاجسا نفسيا لدى الرئيس الأمريكى، ودفعته إلى تكثيف الضغوط وإضافة ثِقَل مضاعف إلى «دبلوماسية البوارج» التى يمارسها مع الإيرانيين. وكان قد قال سابقا إن الاتفاق ممكن فى غضون شهرين، وبالإحالة إلى الوقائع الجديدة يبدو أنه فتح النافذة قليلا؛ لكنه ضرب مهلة نهائية تنتهى فى غضون ثلاثة أشهر من اليوم.
قيل إن نتنياهو عرض عليه، فى لقائهما المغلق الذى استمر ثلاث ساعات، معلومات وتقديرات استخباراتية تكشف عن مراوغة نظام الجمهورية الإسلامية. كما زوّده بصور تتعرض له بالإهانة والتجريح على هامش الاحتفال بذكرى الثورة. وهو لا يحتاج فى هذا لأخذ العلم من الموساد، إذ لا شك فى أن أجهزته الأمنية والمعلوماتية أتاحت له فى تقاريرها اليومية ما حمله الضيف ويزيد عنه.
غير أن التأثير الناعم ربما تحقق من جهة المديح وتغذية شعور العظمة لدى ترامب، عندما قال له إن طهران لا تتوقع رئيسا قويا وحاسما من بعده، وتخوض المفاوضات بمدد من المماطلة وطول النفس؛ لتغطى بها سنواته الثلاث الباقية فى السلطة، فكان قراره باستجلاب أضخم حاملة طائرات فى العالم؛ لإسكات الحليف الذى يستعيض بالوسوسة عن التمرد الصريح، وإرعاب الخصوم وتضييق خياراتهم فى الوقت ذاته.
لدى الولايات المتحدة حضور عسكرى فى ثمانى دول إقليمية على الأقل، وأصولها فى المنطقة وما حولها كافية للتحرش والتهديد، وربما لعملية نوعية محدودة زمنيا وفى أهدافها الميدانية. وتلك الحقيقة كافية للجزم بأن حلول حاملة الطائرات الأولى كان للضغط والترويض، ويمكن افتراض أن هدف الثانية لا يتخطى سابقتها؛ لكن التسليم بتلك القراءة كخلاصة نهائية سيكون أسوأ خطأ يرتكبه الصقور فى إيران.
ليس لأن الولايات المتحدة تريد الحرب من البداية؛ إنما لأنها تتعامل مع ساعة الصفر كإشارة ستتلقاها من طهران نفسها، وليس من أية جهة أخرى. وإذا كان الحشد العسكرى الكثيف من أجل السياسة؛ فإنه لن يرحل من دون اتفاق أو حرب.
والقيد الناعم عليها من مواقف الدول الكبرى فى المنطقة، صالح مؤقتا حتى اشتعال الصاعق. لا تريد المنطقة مواجهة تعصف بالاستقرار، أو تهدد مصالحها الحيوية. وقد كثفت جهودها للوساطة وإعادة ترتيب الطاولة.
تغييب الاتفاق طويلا سيتسبب فى إحراج كبير للإدارة الأمريكية، وإما أن تبتلع الإهانة بما تُضفيه من شعور بالندية والبأس على الطرف الآخر، أو تُفعّل عصاها الغليظة سعيا إلى تليين الموقف، وبحسب ما هددت طهران فإنها لن توفر هدفا لغريمها على طول المنطقة، وعندها سيكون ردها عدوانا على الجوار الآمن، ودخول القواعد الأمريكية فى المشهد دفاعا عن الجغرافيا التى تحتضنها، بأكثر من كونها تكاملا مع بقية الموارد المنتشرة فى مياه المنطقة والارتكازات القريبة من خارجها.
فكأن كل الافتراضات الأولية عن ميدان القتال معلقة على الرصاصة الأولى، ولا ضمانة فيها سوى عدم الذهاب إلى محطة الاشتباك من الأساس.
ترامب راغب فى إنجاز صفقة، هكذا يقول ويؤكد يوما بعد آخر؛ لكنه فى ثنايا رسائله الإيجابية يلوّح بالخيارات الخشنة، ولا يتورّع عن الوصول بالتهديدات إلى حدود إسقاط النظام. أخطر نتنياهو يوم الخميس بأن المفاوضات مستمرة، ثم قال فى تصريح له يوم الجمعة إن التغيير الشامل فى إيران قد يكون أفضل الحلول، ويزيد بالإشارة إلى بدائل جاهزة لتولى الحكم دون إفادة عن هويتها.
والفكرة عموما ليست سهلة، وطهران ليست مثل كاراكاس، ولا المرشد يمكن أن يُؤخذ من بين رجاله كما أُخذ نيكولاس مادورو؛ غير أن التضارب وتمييع المواقف مقصودان من جانب البيت الأبيض، سواء برؤية سابقة التجهيز، أم بأثر المزاجية وتبدلات الرئيس وانفعالاته، وقد صار يراهن على تلك النقطة ويُمعن فيها، وذاكرة المفاوضات السابقة غير بعيدة على الإطلاق، عندما أمهل خامنئى شهرين خاض فيهما خمس جولات تفاوض، ثم أعطى الضوء الأخضر لنتنياهو كى يضرب ضربته الكبرى قبل الجولة السادسة.
الخشية اليوم من أن يُعيد الزمن نفسه. فى فبراير من العام الماضى احتضن المكتب البيضاوى لقاء شبيها، وأحبط ترامب مساعى نتنياهو لتوجيه ضربة استباقية لإيران، ثم أرسل رسالته المعروفة للمرشد بمُهلة الشهرين، وفى أول يوم بعدهما وقعت الواقعة.
والمخطط الزمنى الجديد غائم ولا يُمكن القبض فيه على موعد واضح؛ بين القول بالتوصل إلى صفقة فى غضون شهر، أو إرسال حاملة طائرات ثانية فى مُهلة من ثلاثة أشهر. فى كل الأحوال، لدى طهران نافذة أوسع من المرّة الماضية؛ غير أنها ليست أبدية ولا مضمونة من أثر التقلبات ومحاولات الصهاينة للإرباك واللعب من وراء ستار.
الشهر موعد جيد لزعيم الليكود، وحتى الأشهر الثلاثة تنتهى قبل المدى الذى يراه مناسبا للدعوة إلى انتخابات مُبكّرة. إن تحقق الاتفاق يُمكنه أن ينتفع بمغانمه الكاملة، أو يُخرج نفسه منه باعتبار أنه غير مُلزَم بشروطه، طالما لا تستجيب لشواغله عن باقة الأهداف التى تتجاوز النووى إلى البرنامج الصاروخى والأدوار الإقليمية.
وإلى أن تسفر اللقاءات عن خُلاصة واضحة، لا يُؤمَن أن يلعب بأذرعه الأمنية فى الساحة الإيرانية، أو يُنفذ عمليات جزئية تُربك القيادة هُناك، وتُحمَل على كونها خداعا من جانب الأمريكيين، أو تزيد تشدد الصقور وتُقدّم رأيهم على أفكار الحمائم الساعين إلى إنقاذ النظام باتفاق مرحلى.
الولايات المتحدة ليست فى وارد الدخول فى مواجهة غير مضمونة، ولا محسوبة العواقب؛ غير أن كُلفة الرجوع من غير نتيجة أمرّ عليها وعلى الرئيس، والأغلبية الجمهورية الضئيلة قبل موعد الانتخابات النصفية. الحدث الأمنى الذى يحتاجه الائتلاف المتطرف فى تل أبيب لا تكفيه لبنان؛ إذ الحزب فى حال رخاوة، لا يشكّل تهديدًا عليها، وغير جاهز للرد على أى تصعيد.
ما يجعل الإيغال هناك استنزافا من جانب واحد، ولا يُقدّم لنتنياهو ما يتطلّع إليه. وكذلك غزة، رغم غموض الموقف ومناكفات حماس؛ إلا أن القرار سيكون أمريكيا فى كل الأحوال، والثابت الوحيد فيه أنه لا عودة للحرب، ولا إلغاء لمسار التسوية بمُوجب خطة البنود العشرين.
المخرج المثالى فى صفقة تمنح ترامب ما يبتغيه مرحليا من إيران، وتسحب الورقة من ملف نتنياهو. فيما يستعد لصخب داخلى لا يُعرَف مداه؛ اتصالاً بتجميد جبهة غزة، وانكشافه أمام حلفائه التوراتيين مع موقف الإدارة الأمريكية الرافض لمستجدات الضفة.
ما يجعل العقلانية شرطا واجبا لا لانتشال إيران من مأزقها فحسب؛ بل لإسناد مسار التهدئة على بقية الجبهات، حتى الحزب التابع لها فى لبنان. إذ بمفرده لا قيمة له، ولا جدوى من مطاردة جثته الهامدة، وما يُخشَى منه فى حالته أن يكون جبهة مُضافة إلى جبهات المحور، أو طُعمًا لاصطياد الرأس، وحال إلغاء الاحتمالين، تتداعى بقية الأوراق الصالحة للاستثمار فى سردية الحرب والأولويات الأمنية لدى حكومة الاحتلال.
السباحة فى المياه المفتوحة خطر على أمهر السباحين. يمكن أن تتوصل واشنطن لصفقة بشأن النووى الإيرانى، مع تطمينات أو بشائر إيجابية بشأن بقية العناوين العالقة بين البلدين. القبول المُطلق بالثلاثة مستحيل، ورفضها معًا يشطب خيار الدبلوماسية ويدق طبول الحرب.
من المقرر أن يلتقى الأمريكيون مع الإيرانيين فى جنيف، الثلاثاء، بوساطة عُمانية كالعادة، وبالتزامن مع لقاء شبيه بشأن الأزمة الأوكرانية. والتجاور بين الحدثين تُستَشَف منه الرغبة فى الحسم؛ إنما على وجه لا يخلو من سلبيّة ظاهرة. إذ بقدر ما يستعير جديته مع طهران للتأثير على موسكو؛ فمن الاحتمالات المؤسفة أنه ينطوى على شعور مُضمَر باليأس، ينسحب من الأخيرة على الأولى، وإن كان عاجزا عن الخشونة مع الروس، فليس عاجزًا مع سواهم.
تحتاج الجمهورية الإسلامية إلى تقديم تنازل ملموس، ثم العمل على ترتيب الساحة الداخلية وترميم شقوقها، لا قِبَل لها بالمواجهة من نقطة الضعف الكامل، ولا بادعاء الصلابة بعدما تكشّفت هشاشتها.
البقاء من عدمه رهين بتصوّرها عن نفسها، وخياراتها ما بعد أى اتفاق مُحتَمَل. التهديد من داخل الجغرافيا أضعاف ما هو خارجها، ونتنياهو يراهن على الاثنين معًا، فيما على النظام أن يهرب بالمهلة المتاحة مع البعيد، لضبط الاختلالات العارمة فى القريب.
بالحرب أو من دونها قد يتداعى النظام على نفسه، وبالصلابة الذاتية يتحقق الصمود الحقيقى، وبه وحده يُمكن أن تكون الصفقة المقبلة أفضل من الحالية. أخفق نتنياهو فى استعجال الضربة، وفاز بأجل زمنى، وتمام إخفاقه فى أن يصل إلى الموعد ولا يجد غنيمته المأمولة.