شهد العالم في الأيام الماضية صراعا اقتصاديا ضخما، بين التنين والفيل، أو في معنى أوضح بين الهند والصين صاحبة القوى الاقتصادية التكنولوجية الأكبر في العالم، إلا أن الهند أصبحت من أسرع الاقتصادات الكبرى نموًا، حيث تعتمد بشكل أكبر على قطاع الخدمات الرقمية، وجاء ذلك نتيجة للاستثمارات في التعليم ورأس المال البشري، ما أضاف إلى الابتكار الاقتصادي منذ تسعينيات القرن الماضي، وقد أتاح ازدهار تكنولوجيا المعلومات، والمعرفة الرقمية والخدمات المالية فرص عمل جديدة في بلاد الهند.
ويعتبر قطاع التكنولوجيا هو قصة النجاح الأبرز في الهند وقد حصلت نيو ديلهى في السنوات القليلة الماضية على صادرات تجارية ونمو رقمي غير مسبوق شهده العالم.
وفى الوقت نفسه أو في المقابل على حد السواء، لا تزال الصين تتمتع بالقوة الصناعية في العالم، ونجح القطاع الصناعي في جني الإعلانات الصينية بشكل رئيسي لخلق لفرص العمل، وقد أدى ذلك إلى تنويع الأسواق وتجاوز تحديات الرسوم الجمركية.
ورغم قوة نموذج التصنيع الصيني في الحجم وفرص العمل، فإنه ينطوي على مخاطر، فهو عرضة للتعريفات الأمريكية، ويعتمد بشكل مفرط على الاستثمار مما يؤدي إلى اختلالات في رأس المال، أدت إلى بطء التكيف مع التحولات نحو قطاع الخدمات الرقمية في السنوات الأخيرة مقارنة بهيمنة الرقمنة في الهند على كل الأصعدة، حيث يوفر القطاع الرقمى في الهند فرص عمل جماعية، أقل من قطاع التصنيع، إلا أنه يتميز بالمرونة في عصر معلوماتى قائم على المعرفة، حيث تتمتع الهند بذكاء رقمي وذكاء صناعي معا مقارنة بالصين التي تعتمد على الصناعة فقط دون وضع الرقمنة في اعتبارات النمو الاقتصادى.
أصبحت الهند في الآونة الأخيرة صاحبة مواقع متقدمة من اقتصاد المعرفة، وقد نما قطاع الخدمات في الهند بثبات بنسبة تتراوح بين 7 و9% سنوياً، حتى في ظل التباطؤ الاقتصادي العالمي، بينما يتأثر قطاع الصناعات التحويلية بالطلب والاستثمار. ويُشكل الاستهلاك المحلي (حوالي 60% من الناتج المحلي الإجمالي) ركيزة أساسية للنموذج الاقتصادي الهندي، حيث يُخفف من حدة الصدمات الخارجية كالرسوم الجمركية أو حالات الركود، على عكس حساسية الصين للصادرات. وخلال الاضطرابات العالمية الأخيرة، أثبت النمو الذي تقوده الخدمات في الهند استقراراً أكبر، مع انخفاضات أقل حدة في التوظيف أو الإنتاج في القطاعات التي تتطلب مهارات عالية.
بالنظر إلى المستقبل، فإن هيمنة الهند على قطاع المعرفي تضعها في موقعٍ ممتاز لتحقيق النمو في ظل الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والطلب العالمي على الحلول التقنية. ويمكن للإصلاحات المستدامة أن تعزز هذه الميزة، بينما تسعى الصين إلى إعادة التوازن في اقتصادها. ويُبرز النموذجان نقاط قوة متكاملة يحتضن قطاع التصنيع في الصين مقابل قوة قطاع الخدمات الرقمية في الهند.