أرشيف الثقافة.. ما قاله العقاد عن وظيفة الأدب ودوره

الأحد، 15 فبراير 2026 02:00 ص
أرشيف الثقافة.. ما قاله العقاد عن وظيفة الأدب ودوره عباس محمود العقاد

أحمد إبراهيم الشريف

حين نقرأ مشروع عباس محمود العقاد من داخله، تتضح فكرة مركزية لا تخطئها العين، الأدب عنده ليس زينة أسلوب، ولا "ترفًا" فى الصياغة، بل أداة وعى تصنع الإنسان الحر، وتعيد ترتيب علاقة الفرد بنفسه وبالمجتمع وبالتاريخ، هذه الفكرة لا تظهر فى جملة عابرة، بل تتوزع على كتبه النقدية والفكرية واللغوية والسياسية، وتتماسك فى نسق واحد، الكلمة فعل، والمعنى مسؤولية، والكتابة مشاركة فى تشكيل المجال العام.

أول مدخل موثق لهذه الفكرة يظهر فى سياق مدرسة الديوان نفسها، فالشهادة الفكرية التى تؤرخ لهذا التيار تؤكد أن كتاب "الديوان فى الأدب والنقد" (1921) لم يكن انقلابًا شكليًا على القافية وحسب، بل دعوة إلى "التعبير الحر عن ذات الشاعر" بوصفه تأسيسًا لفكرة الحرية الإنسانية، أى إن تجديد الأدب عند العقاد ليس تمرينًا بلاغيًا، بل مشروع تحرر للذات من القوالب الجاهزة، بهذا المعنى، يصبح الأدب عنده تدريبًا على الاستقلال الداخلي، لا مجرد تحسين للصوت الإيقاعي.

ومن هنا نفهم لماذا اتسع اشتغال العقاد من الشعر إلى الفكر السياسى والثقافي، فى كتابه "ساعات بين الكتب" لا يقدم القراءة كهواية ناعمة، بل يقدم الكتاب ككائن حى يدخل فى تكوين الوعي، والنص التقديمى للكتاب يلفت إلى أن الكتب عنده ليست "ورقًا" فقط، بل عوالم حية تصنع المعرفة والخبرة، هذا التصور ينسف فكرة الأدب بوصفه ترفًا، لأن الترف يستهلك، بينما الوعى ينتج ويحول ويقود إلى موقف.

المدخل الثالث يأتى من كتاب "اللغة الشاعرة"، قد يبدو العنوان لغويًا صرفًا، لكنه فى العمق كتاب عن القيمة الحضارية للغة، العقاد يصف العربية بأنها "لغة شاعرة"، غير أن المقصود لا يقف عند الموسيقى اللفظية، بل يمتد إلى قدرتها على حمل الفكر والدلالة الدقيقة والتجربة الوجدانية فى آنٍ واحد، وحين يؤكد فى "فاتحة عريقة" أن المعركة على اللغة "تسدد إلى القلب" ولا تقف عند الفم واللسان، فإنه ينقل النقاش من مستوى الزخرف إلى مستوى المصير الثقافي، اللغة هنا وعاء وعى جماعي، والتفريط فيها تفريط فى أدوات التفكير نفسها.

ويتأكد هذا البعد العملى للأدب حين نصل إلى منطقة الحرية السياسية فى كتابات العقاد، خطه الفكرى المناهض للاستبداد، كما يظهر فى "الديمقراطية فى الإسلام" وسائر كتبه السياسية، ليس منفصلًا عن مشروعه الأدبي، بل هو امتداده الطبيعي، فالذى يكتب أدبًا يؤمن بالفرد والحرية والاختيار، لا يمكنه أن يقبل سياسيًا بثقافة القهر والطاعة العمياء، هنا تتداخل الكتابة النقدية مع الموقف المدني: الأدب يربى حس المساءلة، والسياسة العادلة تحتاج هذا الحس لكى تقوم، الأدب إذن ليس ترفًا، لأنه يشكل البنية الأخلاقية للمجتمع الديمقراطي.

ولعل أقوى ما يثبت هذا المنحى أن العقاد لم يتعامل مع "الكاتب" بوصفه صانع جمل جميلة، بل بوصفه صاحب مسؤولية معرفية، لذلك خاض معارك نقدية حادة، وكتب فى قضايا الفكر واللغة والتراث والحداثة، ووسع أثر الأدب خارج الصالون إلى ساحة الجدل العام، قد نختلف مع بعض أحكامه أو حدته أحيانًا، لكن يصعب إنكار أن منطقه العام كان: إن لم يغير الأدب طريقة رؤيتنا للعالم، فهو كتابة ناقصة الوظيفة.

فى هذا الإطار، يمكن قراءة "الأدب وظيفة وعي" على ثلاثة مستويات مترابطة:

أولًا: مستوى الفرد

الأدب يحرر الإنسان من اللغة المكرورة ومن التفكير المستعار، يمنحه مفردات أدق لفهم خوفه، رغبته، شكه، وإيمانه، وكلما اتسعت اللغة الداخلية للفرد، اتسعت حريته فى الاختيار.

ثانيًا: مستوى المجتمع

الأدب الجيد يرفع الذائقة، لكنه أيضًا يرفع معيار النقاش العام، يدرب الناس على الفهم قبل الحكم، وعلى السؤال قبل التصفيق، وعلى التعقيد بدل الشعارات المختزلة.

ثالثًا: مستوى الدولة/الحضارة

حين يدافع مفكر مثل العقاد عن اللغة والحرية والوعى النقدى معًا، فإنه يبنى شروط القوة الناعمة الحقيقية: مجتمع قادر على إنتاج معنى، لا مجرد استهلاك خطاب.

ولذلك، فإن العبارة التى نناقشها ليست شعارًا إنشائيًا، بل خلاصة تجربة فكرية كاملة: إذا تحول الأدب إلى "ترف لغوي"، فقد وظيفته الأخلاقية والمعرفية، وإذا استعاد دوره كوعي، صار شريكًا فى بناء الإنسان والتاريخ. هذا هو الدرس الأرشيفى الذى يبقى صالحًا الآن: الأمم لا تتقدم بكثرة الكلمات، بل بنوعية الوعى الذى تصنعه الكلمات.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة