تقدم رواية "الشركة.. الفراغ المعلق" نموذجًا سرديًا فريدًا داخل المشهد الروائى العربى المعاصر، حيث تتجاوز حدود الواقعية التقليدية لتدخل منطقة مركبة تمزج بين الرمز الفلسفى والواقعية السحرية وسرديات السلطة الحديثة، النص لا يتعامل مع الشركة بوصفها مكان عمل، إنما يعيد تشكيلها ككونٍ مغلق، منظومة كونية مكتملة القوانين، أشبه بميتافيزيقا إدارية تحكم الوجود الإنسانى فى صيغته المؤسسية.
منذ الصفحات الأولى، يتأسس وعى القارئ على إدراك أن الفضاء السردى ليس مجرد مؤسسة اقتصادية، إنما تمثيل شامل للعالم المعاصر فى أكثر صوره تجريدًا. الشركة هنا تتحول إلى استعارة كبرى للحضارة الحديثة، حيث يتماهى الإنسان مع الوظيفة، ويتحوّل المعنى إلى بيانات، وتُختزل الحياة إلى مؤشرات أداء. هذه الاستعارة المركزية تمنح الرواية عمقها الفلسفي، وتجعلها تنتمى إلى تقاليد الرواية الوجودية التى تشتغل على سؤال المعنى داخل أنظمة السيطرة.
البنية الرمزية للنص تعد من أكثر عناصره ثراءً. كل قسم داخل الشركة يحمل وظيفة سردية تتجاوز دوره الظاهري. المبيعات تمثل وهم المعنى المصنوع، الحسابات تجسد منطق القياس البارد، العمليات تعكس جسد النظام الذى يستهلك ذاته، الموارد البشرية تظهر كأداة لإعادة إنتاج السلطة، بينما التدقيق يتحول إلى عين المراقبة الكلية. هذا التوزيع الرمزى يمنح الرواية بنية شبه أسطورية، حيث يبدو العالم السردى كأنه نظام طبقى مغلق يعيد إنتاج نفسه باستمرار.
تشتغل الرواية كذلك على مفهوم "الوشوشة" بوصفه استعارة نفسية وأخلاقية فى آنٍ واحد. الوشوشة ليست مجرد صوت داخلي، إنما آلية سلطوية خفية، تعمل على تحويل القيم الإنسانية إلى أدوات إنتاجية. عبر هذا المفهوم، ينجح النص فى تقديم تحليل عميق لطبيعة الشر المؤسسي، ذلك الشر الذى لا يظهر فى صورة عنف مباشر، إنما يتجسد فى البيروقراطية، وفى اللغة الإدارية، وفى تحويل البشر إلى أرقام.
السرد يعتمد على بنية ميتاسردية واضحة، حيث تتحول الملفات التى تكتبها رابعة إلى نص داخل النص، وإلى ذاكرة مضادة للنظام. هذه التقنية تمنح الرواية بعدًا تأمليًا، وتجعل القارئ شريكًا فى عملية الكشف التدريجى للحقيقة. الميتاسرد هنا يؤدى وظيفة مزدوجة: يخلق مسافة نقدية بين القارئ والعالم السردي، ويحوّل الرواية إلى وثيقة مقاومة ضد النسيان المؤسسي.
من الناحية الجمالية، يتسم الأسلوب بكثافة شعرية عالية، مع اعتماد واضح على الإيقاع الداخلى والتكرار الرمزي. اللغة تتراوح بين البساطة الظاهرية والعمق الدلالي، ما يسمح للنص بالعمل على مستويين متوازيين: مستوى الحكاية المباشرة، ومستوى التأويل الفلسفي. هذه الازدواجية تمنح الرواية طاقة قرائية ممتدة، حيث يظل المعنى مفتوحًا على احتمالات متعددة.
أما على مستوى الرؤية الفكرية، فإن الرواية تقدّم تصورًا معاصرًا للسلطة بوصفها شبكة علاقات لا مركزية، تتغلغل فى تفاصيل الحياة اليومية. السلطة هنا لا تمارس القمع عبر العنف، إنما عبر إعادة تعريف الواقع نفسه. الإنسان لا يُجبر على الطاعة، إنما يُعاد تشكيل وعيه بحيث تصبح الطاعة شرطًا للبقاء. هذا التصور يضع النص فى حوار ضمنى مع نظريات فوكو حول المراقبة والانضباط، كما يقترب من رؤية كافكا لعالم بيروقراطى بلا مركز واضح.
أحمد عبد الجواد
الشخصيات لا تبنى بوصفها أفرادًا نفسيين تقليديين، إنما ككيانات رمزية تعكس حالات وجودية. نور تمثل الوعى المتردد بين التمرد والانخراط، سليم يجسد العقلانية الباردة للنظام، عدنان يعكس مأساة الإنسان الذى يضحّى بإنسانيته من أجل السلطة، رابعة تظهر كذاكرة أخلاقية مقاومة. هذا البناء الرمزى للشخصيات يجعل الرواية أقرب إلى دراما أفكار منها إلى سرد واقعى تقليدي.
النهاية المفتوحة للنص تُعدّ من أكثر عناصره دلالة. توقف النظام لا يعنى انهياره، وظهور المبعوثين لا يحمل إجابة جاهزة، والملف الفارغ الذى يُقدَّم لنور يرمز إلى لحظة اختيار وجودي. هنا تتحول الرواية من حكاية عن القمع إلى تأمل فى الحرية، حيث يصبح السؤال المركزى ليس كيف يسقط النظام، إنما كيف يُعاد بناء المعنى بعد سقوطه.
فى المحصلة، يمكن قراءة "الشركة.. الفراغ المعلّق" كعمل روائى ينجح فى تحويل تجربة العمل المؤسسى إلى ملحمة وجودية معاصرة. النص يقدّم نقدًا عميقًا للحداثة الإدارية، ويكشف آليات الاغتراب داخل المجتمعات البيروقراطية، مع الحفاظ على بعد إنسانى وشعرى يمنحه تفرّدًا واضحًا داخل الرواية العربية الراهنة. إنها رواية لا تكتفى بسرد حكاية عن السلطة، إنما تطرح سؤالًا أكثر جذرية: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على إنسانيته داخل نظامٍ مصمّم لإلغائها؟