في دولة بحجم وتاريخ مصر، لا يمكن للنهضة أن تُبنى بالاقتصاد وحده، فالتنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان، من وعيه وثقافته وانتمائه. فالدولة القوية هي تلك التي تملك مواطنًا واعيًا قادرًا على مواجهة التحديات، وفهم أبعادها النفسية والاجتماعية، وليس فقط أرقامًا في الحسابات والاستثمارات.
التحليل النفسي والاجتماعي يوضح أن المجتمعات التي تفقد نماذج النجاح الواقعية، وتُستبدل فيها قيم العمل والاجتهاد بثقافة الشهرة السريعة والمال السهل، تصبح أكثر هشاشة أمام الانحرافات السلوكية، من تعاطي المخدرات إلى التفكك الأسري والسلوك الاستهلاكي المفرط. هذه ليست مجرد ظواهر اجتماعية، بل مؤشرات على خلل في منظومة تشكيل الوعي، وهو ما يشكل ثغرة حقيقية في بنية الأمن الداخلي لأي دولة.
هنا يبرز الدور الحيوي للإعلام والثقافة والسياحة، والرياضة كأدوات للقوة الناعمة. الإعلام المسؤول قادر على تقديم نماذج نجاح حقيقية تعزز الاجتهاد والعمل وتكرس قيم الانتماء. الثقافة والفنون تعيد تشكيل الوعي الجمعي وتمنح المجتمع أدوات للتفكير النقدي والتحليل، بينما السياحة، المرتبطة بالهوية الوطنية، تعيد للفخر بالتراث المصري صوابه وتأثيره في النفس الجمعية. هذه الأدوات مجتمعة تصنع جيلًا متطلعًا، واعيًا، يمتلك القدرة على مقاومة الانحرافات المجتمعية.
التجربة العملية تشير إلى ضرورة توازي الإصلاح الثقافي والإعلامي مع ضبط المجال العام بالقانون. تشريعات صارمة لحماية النشء من المخدرات والاستغلال، وتنظيم المحتوى الإعلامي الموجه للأطفال والمراهقين، وضبط السلوكيات الهدامة في الشارع، كلها عناصر لا تقل أهمية عن أي مشروع اقتصادي أو استثماري. الدولة القوية هي التي توازن بين القوة التشريعية والوعي الاجتماعي، لتعيد صياغة بيئة سليمة تسمح للأجيال بالنمو والتطور بشكل صحي.
لذلك نتأكد أن المعالجة الثقافية وحدها لا تكفي. فحين تتغلغل التشوهات داخل المجتمع، يصبح تطبيق القانون وضبط المجال العام ضرورة لحماية الفئات الأصغر سنًا من الانزلاق في مسارات يصعب تصحيحها لاحقًا. التوازن بين التوعية والضبط القانوني هو ما يضمن بيئة اجتماعية صحية تسمح للأجيال الجديدة بالنمو دون الوقوع فريسة لاقتصاد الانحراف أو الاستغلال.
إنتاج مواطن مصري قوي، واعٍ، ومتمسك بهويته، قادر على التحدي والمواجهة بعقلانية وأمل، وعلى المساهمة الفعلية في نهضة وطنه. تشخيص المشكلة بدقة، وفهم أبعادها النفسية والاجتماعية والثقافية، هو المدخل الأساسي لوضع حلول عملية مستدامة تحقق الأمن القومي على المدى الطويل؛ لأن علاج الأعراض دون معالجة الجذور لا يصنع مجتمعًا قويًا، بل يؤجل أزماته فقط.
فالاستثمار في وعي الإنسان هو الضمانة الأطول عمرًا لأي مشروع نهضة وطنية. الدول لا تسقط حين تضعف مواردها، بل حين يضعف وعي أبنائها وتضيع بوصلتهم. فالمجتمع الذي يعرف قيمته ويحمي عقول شبابه لا يُهزم، مهما اشتدت عليه الأزمات. معركتنا الأساسية تبدأ من العقل والوجدان، ومن يحصّن وعيه اليوم، يمتلك القدرة حتى يستطيع أن يحمي وطنه غدًا.