على مر العصور، ظل منصب "العمدة" في الريف ركيزة أساسية لا تهتز، وصمام أمان يربط بين نسيج القرية الاجتماعي وبين هيبة الدولة ومؤسساتها الرسمية.
لقب العمدة ليس مجرد منصب إداري
العمدة ليس مجرد موظف يشغل منصباً إدارياً، بل هو "كبير العائلة" الذي تمتد صلاحياته من فض المنازعات الثأرية والمشاحنات اليومية، وصولاً إلى كونه الذراع الأمنية الأولى والقادر على قراءة تفاصيل وخبايا الشارع القروي بدقة لا تتوفر لغيره.
وفي ظل التغيرات المتسارعة التي تشهدها الدولة، تطور دور العمدة ليصبح حلقة وصل عصرية، توازن بين "الجلسة العرفية" التي تحفظ الود، وبين تطبيق القانون الذي يحفظ الحقوق، مما يجعله بمثابة "قاضي صلح" مقيم يمنع تفاقم الأزمات قبل وصولها إلى ردهات المحاكم.
ويبرز الدور الأمني للعمدة كأحد أهم المهام المنوطة به، حيث يعمل بتنسيق كامل مع مراكز الشرطة ومديريات الأمن، ليكون بمثابة العين الساهرة التي ترصد أي غريب أو نشاط مشبوه داخل نطاق قريته.
من خلال "دوار العمدة"، الذي يعد برلماناً مصغراً ومفتوحاً للجميع، يستطيع العمدة وأعضاء "لجنة المصالحات" وأفراد "الخفر" تأمين المنشآت الحيوية وحل الأزمات التي قد تنشب بسبب نزاعات على الأراضي، وهي النزاعات التي تتسم بحساسية شديدة في القرى.
إن هيبة العمدة المستمدة من تاريخ أسرته وحكمته الشخصية تمنحه نفوذاً أدبياً يجعل كلمته بمثابة قانون غير مكتوب، يحترمه الصغير والكبير، مما يوفر على الدولة جهداً أمنياً وقضائياً كبيراً في التعامل مع آلاف القضايا الصغرى التي تنتهي بـ "فنجان قهوة" وكلمة شرف في مجلسه.
العمدة في الآونة الأخيرة إلى شريك أساسي في تنفيذ المبادرات القومية
وعلى الصعيد التنموي والخدمي، تحول العمدة في الآونة الأخيرة إلى شريك أساسي في تنفيذ المبادرات القومية، حيث يتولى مسؤولية حصر احتياجات الأهالي وتذليل العقبات أمام مشروعات البنية التحتية، فضلاً عن دوره المحوري في التوعية الصحية والاجتماعية.
إن منصب العمدة في جوهره هو "عقد اجتماعي" فريد بين السلطة والمواطن، يبرهن يوماً بعد يوم على أنه ضرورة لا غنى عنها؛ فمهما تقدمت التكنولوجيا، تظل "روح القرية" بحاجة إلى شخص يمتلك الحكمة والقدرة على "جبر الخواطر" وحسم المواقف تحت مظلة القانون، ليبقى العمدة هو الحارس الأمين على تقاليد الريف وهيبة الدولة في آن واحد.