قديماً، كان للشر سقفٌ معلوم، وللجريمة جغرافيا محدودة وأسوارٌ يمكن رصدها بالعين المجردة، كانت الجرائم تُولد على الأرض، وتُحاصر على الأرض، وتنتهي خلف القضبان في مشهدٍ تقليدي مألوف.
أما اليوم، فقد ناطح سقفُ الشر سحاب "الافتراض"، واتسع الخرقُ على الرقاع الإلكترونية؛ فلم يعد المجرم بحاجةٍ إلى قناعٍ يخفي وجهه، بل صار يكفيه "كيبورد" يستتر خلفه، وشاشةٌ يسكبُ من خلالها سمومه في عروق المجتمع.
لقد اختلف الأمر يا عزيزي، وبات السقفُ عالياً لا يحده أفق، والشرُّ زاحفاً لا تمده مادة، بل تحركه نقراتٌ عابرة للقارات، تغتالُ السكينة دون أن تترك أثراً من دماء.
بات الخارجون عن القانون يستخدمون لوحة المفاتيح كأنها "زنادٌ" يصوبونه عن بُعد، فتسللت الجرائم إلى منازلنا الآمنة، وهتكت أستار غرفنا المغلقة التي كنا نظنها قلاعاً حصينة.
لم يعد الخطر يطرق الأبواب، بل صار ينبعث من ثقوب "الواي فاي"، ويتسلل إلى عقول صغارنا على هيئة ألعابٍ إلكترونية، ترتدي مسوح الرحمة في ظاهرها، وتخبئ العذاب في باطنها.
إنها "الفخاخ الرقمية" التي تُزين للبراعم الانتحار، وتزرع في نفوسهم بذور التمرد والعنف، في مفارقةٍ بشعة تجعل من "وسائل التواصل" أدواتٍ لقطع الأرحام، ومن "التكنولوجيا" وسيلة لهدم الإنسان قبل العمران.
إن الأمر جدُّ خطير، ويستلزم وقفةً حاسمة لا تحتمل التراخي أمام هذا التغول الإلكتروني الذي بات ينهش في جسد حياتنا الاجتماعية بشكلٍ مخيف.
نحن أمام "تسونامي" رقمي يُدمر الهوية قبل الخصوصية، ويحطم القيم قبل الحواسيب، إن سقف الشر حين يعلو بلا رادع، يتحول إلى مقصلةٍ معلقة فوق رقاب الجميع، والندمُ حينها لن يعيد بيتاً تصدع، ولا طفلاً ضاع في دهاليز "الدارك ويب".
احذروا قبل أن يرتفع السقفُ أكثر، وتغرق السفينةُ بمن فيها، ففي معركة "الوعي ضد الشاشة" لا مجال للحياد، فإما أن نلجم هذا الجماح الإلكتروني، أو ننتظر وقتاً يضيع فيه الندم، ويصبح الحزنُ هو العملة الوحيدة المتاحة في فضاءٍ لا يرحم.