"وصلتُ متأخرة
إلى حفلة العالم"
بهذا المقطع البسيط، من ديوان "ورق ملون"، تفتح رنا التونسى باب الكتابة على مصراعيه، ككائن يصل دائمًا بعد فوات الأوان، محمّلًا بشعور عميق بأن العالم كان قد اكتمل دون أن ينتظره. هذه الجملة تأتى كمفتاح دلالى لقراءة الديوان كله؛ إذ تختصر علاقة الذات بالعالم، وبالزمن، وبالآخرين، وباللغة نفسها. إنها كتابة من هامش الحفلة، حيث الموسيقى ما تزال تُعزف، لكن الرقص لم يعد ممكنًا.
ديوان "ورق ملون" الصادر عن منشورات المتوسط لا يقترح الشعر بوصفه احتفالًا، ولكن بوصفه محاولة خجولة لترميم ما لا نستطع ترميمه. منذ الصفحات الأولى، نشعر أننا أمام صوت يضع ألمه بهدوء على الطاولة، كما تُوضع الأشياء التى يُخشى عليها من الكسر.
هنا، لا تسعى الشاعرة إلى بطولة شعرية، ولا إلى صياغة موقف أخلاقى أو فكرى صارم، لكنها تكتب من منطقة رخوة، حيث تتجاور الطفولة مع الخوف، والوحدة مع الرغبة، والضوء مع الظل، والحب مع الألم، واللغة مع عجزها الصريح عن إنقاذ الذات.
العنوان نفسه، "ورق ملون"، يشى بمفارقة مركزية فى الديوان. فالورق، رمز الهشاشة والكتابة، حين يُوصف بالملون، يوهمنا بالبهجة، أو باللعب، أو بشيء من الزينة. لكن ما إن نتقدم فى القراءة حتى ندرك أن هذا اللون ليس إلا قناعًا خفيفًا، محاولة لتلطيف عالم قاسٍ، أو لتجميل كسور لا يمكن إخفاؤها.
الألوان هنا لا تحجب الألم، بل تجعله أكثر وضوحًا، كأن الشاعرة تقول إننا حين نرى الجرح بوضوح، يُصبح أقل فتكًا.
تكتب رنا التونسى من ذات متشظية، لكنها لا تقع فى فخ النواح أو الخطابية. القصائد قصيرة، مقتصدة، أشبه بشظايا وميضية، كل واحدة منها تحمل توترًا داخليًا مكثفًا. الأنا فى هذا الديوان ليست مركزًا متعاليًا، لكنها نقطة هشّة تتلقى الصدمات، التى لا تأتى كعرض للضعف، بقدر ما هى طريقة فى الحضور داخل عالم لا يمنح الطمأنينة.
ورق ملون
فى "ورق ملون" لا تكتب الشاعرة عن الألم بوصفه استثناء، وإنما بوصفه جزءًا من التركيب اليومى للحياة. الحافلة، المرآة، الحديقة المتخيلة، السينما، الحيوانات، الأم، الطفولة، الألوان، الظلال، كلها عناصر مألوفة، لكنها مشحونة بقلق خفي.
العالم فى الديوان ليس عدوًا صريحًا، لكنه أيضًا ليس بيتًا آمنًا؛ هو فضاء نتحرك فيه بحذر، نلوّح للنسيان من نافذة الحافلة، ونفكر دائمًا: لمن سنردّ الأعطاب؟
لا تبحث رنا التونسى فى قصائدها عن إجابات، ولا عن خلاصات كبرى. ديوانها يراكم الأسئلة، ويقيم فى المسافة بينها. الشعر هنا مشاركة فى المأزق. لذلك يبدو "ورق ملون" ديوانًا عن لغة تعرف حدودها، وعن ذات لا تطلب أكثر من أن تُرى بوضوح.
"أمتلئ بالكسور
ما يقلقنى هو أنى أرتجف."
بهذا المقطع يدخل الديوان إلى جوهره الأكثر صفاءً: الذات لا تُعرَّف هنا بما تمتلكه من ثبات، وإنما بما تعانيه من اهتزاز. الارتجاف ليس علامة ضعف عابر، لكنه حالة إدراك حاد للعالم حين يفقد توازنه.
رنا التونسى لا تكتب "أنا" متماسكة تسرد سيرتها، هى تكتب "أنا" تتشكل لحظة بلحظة عبر الكسور. لذلك يبدو الكسر فى هذا الديوان طاقةً معرفية؛ فالكسر هو ما يسمح للرؤية بأن تكون أدق، وللشعور بأن يكون أكثر صدقًا.
الأنا فى "ورق ملون" لا تبحث عن بطولة شعرية، ولا عن مركز ثابت تتكئ عليه. إنها ذات تعرف نفسها بوصفها ناقصة، متأخرة، واقفة على حافة المشاركة فى العالم. هذا الوعى بالتأخر يتحول إلى حساسية خاصة تجاه التفاصيل الصغيرة، كل تفصيلة يومية تصبح مرآة داخلية، وكل حركة عابرة تتحول إلى علامة على تصدع أعمق. هنا، يُبنى الصوت الشعرى على ما لا يُمكن اللحاق به.
سامح قاسم
وسط هذا المسار، تتبدى علاقة الأنا بذاتها، علاقة مراقبة متوترة. الشاعرة تقف خارج حياتها، تنظر إليها، وتفكر لمن ستردّ الأعطاب. كأن الذات تنقسم إلى اثنتين: واحدة تعيش، وأخرى تراقب العيش بعين قلقة. هذا الانقسام ينسج شعرية هادئة، تترك المعنى يتشكل عبر الصور.
تقول:
"فى المرآة / أرى نفسى ناقصة مرتين".
النقص هنا مضاعف: نقص فى الصورة، ونقص فى الإحساس بالانتماء إلى تلك الصورة. المرآة تكشف فجوة بين ما نراه وما نحن عليه.
هذا التوتر بين الداخل والخارج يجعل الأنا فى الديوان كائنًا دائم الشك فى موقعه. لا توجد هوية مكتملة، فقط محاولات تعريف مؤقتة: طفل بلا صور، مصورة عائلة تصوّر الغياب، امرأة تصل متأخرة إلى حفلة العالم. الذات لا تتجلى كجوهر ثابت، لكنها تبدو كسلسلة من الأدوار الهشة التى تتغير مع السياق. حتى الجسد، الذى غالبًا ما يكون فى الشعر ملاذًا أخيرًا، يتحول هنا إلى مساحة تدريب قاسٍ على العزلة.
ومع ذلك، لا تنزلق هذه الأنا إلى العدمية أو الإنكار الكامل للمعنى. على العكس، هناك إصرار خفى على البقاء فى اللغة، حتى وهى تعترف بعجزها. الشاعرة تشكر الكلمات التى جاءت وتلك التى ظلت ناقصة، كأن النقص نفسه جزء من جسد الكتابة.
"الخرائط لا تشير فى أى اتجاه للضائعين."
بهذا التكثيف، تضع رنا التونسى العالم فى موقعه الحقيقى داخل الديوان: متاهة مفتوحة، تتحرك فيها الذات بلا ضمانات. العالم هنا لا يعادى الذات الشاعرة صراحة، لكنه لا يمدّ لها يدًا أيضًا. إنّه عالم يواصل سيره الطبيعي، فيما تظل الذات تحاول فهم قواعد لعبة لم تُشرح لها قط. الضياع، فى هذا السياق، ليس خللًا فرديًا، لكنه حالة عامة؛ والخرائط، ورموز العقل، تفشل أمام هشاشة التجربة الإنسانية.
هنا، يتحول الخارج إلى مرآة للداخل. الحافلة، الشارع، السينما، البيوت، الحيوانات، كلها عناصر مألوفة، لكنها لا تؤدى وظيفة الطمأنينة. على العكس، إنها تكرّس الإحساس بأن العالم أكبر من قدرتنا على احتوائه، وأسرع من أن نلحق به. تقول الشاعرة إنها وصلت متأخرة، لكنها تشير إلى شيء أعمق: أن العالم نفسه غير مصمم أساسًا لانتظار أحد. لذلك يبدو الوجود فيه شبيهًا بحضور عابر فى مشهد لا يتوقف من أجلنا.
وسط هذا العالم، تتعامل الذات الشاعرة مع الأشياء كما لو كانت كائنات حية: الشجرة التى أخطأت الطريق إلى النهر، الظل الذى كان يلعب معها، الحيوان غير المرئى الذى يعانقها ولا يبادلها العواء. هذه الاستعارة الكونية تهدف إلى تعويض غياب العلاقة الإنسانية الآمنة. حين يخيب الرجاء فى عالم البشر، تتجه القصيدة إلى الطبيعة، إلى الحيوان، إلى الخيال، بحثًا عن شكل آخر من التواصل، حتى لو كان من طرف واحد.
تبرز فى الديوان صورة العالم بوصفه عرضًا صاخبًا لا يهدأ، عرضًا لا يخلو من العبث والتهديد معًا. تقول الشاعرة:
"السيرك فى محفظتي
الحيوانات لا تتوقف عن الشجار فى رأسي."
هنا، لا يعود السيرك مكانًا للفرجة، لكنه يحضر كاستعارة للعقل المعاصر، المزدحم، المتنازع، المرهق بالفوضى. العالم الخارجى يتسلل إلى الداخل، يستوطن الرأس، ويتحول إلى صراع دائم بين أصوات متناقضة. لا توجد لحظة هدوء كاملة، ولا استراحة حقيقية من هذا التشويش.
ومع ذلك، لا ينغلق الديوان على اليأس المطلق. فالعالم، رغم قسوته، يظل قابلًا للمقاربة، إن لم يكن للفهم. هناك محاولة مستمرة للتعايش مع الخوف، لا للقضاء عليه، ولمصافحته بدل الفرار منه. العالم ليس جحيماً صرفًا، إنه مساحة اختبار أخلاقى وعاطفي، تُختبر فيها القدرة على الاستمرار، لا على الانتصار.
تقول الشاعرة فى لحظة تماس مباشر بين الذات والعالم، حيث لا تعود المواجهة ممكنة إلا عبر فعل بسيط، إنساني، يتجاوز المنطق كله:
"يفتحون جميعا أياديهم للحاق بخوفي
ومصافحته مثل جار قديم."
هكذا تُغلق رنا التونسى نظرتها إلى العالم لا على مصالحة نهائية، ولكن على قبول هشّ. العالم سيظل مخيفًا، والضياع سيظل قائمًا، لكن العلاقة معه يمكن أن تتحول من صراع إلى تعارف قَلِق.
فى "ورق ملون"، لا يُطلب من الذات أن تنتصر على العالم، فقط أن تجد طريقة أقل إيذاءً للعيش داخله.
فى الديوان أيضا، تتضح المسافة التى قطعتها الشاعرة منذ السطر الأول: من ذات تصل متأخرة إلى حفلة العالم، إلى ذات تقبل موقعها خارج الأُطر، خارج السرديات الكبرى، وخارج وهم الانسجام. لم تعد القصيدة محاولة للالتحاق، ولا احتجاجًا على الإقصاء، وإنما طريقة للعيش فى الهامش دون خجل. هنا، تتحول الهشاشة إلى موقف، لا إلى عيب، ويغدو الكسر شكلًا من أشكال الانتماء.
"ورق ملون" لا يغلق أبوابه على معنى واحد، ولا يفرض قراءة نهائية. لكنه يترك القارئ فى المنطقة نفسها التى تقف فيها الشاعرة: منطقة التردد، والخوف، والاقتراب الحذر من العالم. لا يعِد بالطمأنينة، لكنه يمنح شيئًا أكثر ندرة: الصدق. صدق أن الحياة لن تُفهم أبدًا، وأن اللغة لا تستطيع احتواء التجربة كاملة، وأن الحب، والخوف، والحنين، والرغبة فى الهروب، كلها مشاعر متداخلة لا يمكن فرزها أخلاقيًا أو شعريًا.
قصائد الديوان لا تأتى كاعتراف فحسب، بل تمرينًا جماليًا وأخلاقيًا على قبول النقص، وعلى العيش دون خرائط، وعلى النظر إلى الذات والعالم بعين أقل قسوة.