دراما المتحدة.. تنوير وإبداع وتطوير مستمر

زين العابدين خيرى يكتب: دراما المتحدة فى رمضان 2026.. وثائق سرية ومغامرات بعيدا عن المناطق الآمنة عبر لاثية التوثيق السياسى والأمنى.. واستراتيجية إعادة التموضع للنجوم

السبت، 14 فبراير 2026 03:00 م
زين العابدين خيرى يكتب: دراما المتحدة فى رمضان 2026.. وثائق سرية ومغامرات بعيدا عن المناطق الآمنة عبر  لاثية التوثيق السياسى والأمنى.. واستراتيجية إعادة التموضع للنجوم زين العابدين خيرى يكتب عن دراما المتحدة

تعكس القائمة النهائية لمسلسلات الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية فى رمضان 2026 محاولة واضحة لإعادة هندسة سوق الدراما عبر توزيع دقيق للأدوار، تظهر الخريطة البرامجية توجها لتقسيم «كعكة» الموسم بين إنتاجات الشركة المباشرة التى تركز على الملفات السياسية والوطنية، وبين الاستحواذ على حقوق عرض أعمال بعض شركات الإنتاج الخاصة التى تستهدف الجمهور الباحث عن الترفيه الاجتماعى والتشويق.

هذه الاستراتيجية تشير إلى رغبة فى الهيمنة على شرائح المشاهدين كافة، بدءا من المهتمين بالشأن العام، مرورا بالطبقة الوسطى المستهلكة للدراما الاجتماعية، وصولا إلى الجيل الجديد المرتبط بمنصات التواصل الاجتماعى.

 

أولا: ثلاثية التوثيق السياسى والأمنى.. الدراما كوثيقة تاريخية

تواصل الشركة المتحدة، عبر أذرعها الإنتاجية، مشروعها الاستراتيجى فى استخدام القوة الناعمة لتوثيق اللحظة التاريخية وصياغة السردية الوطنية، وتتميز أعمال هذا العام بانتقالها من مرحلة «رد الفعل» وتوثيق ما مضى، إلى مرحلة «الاشتباك» مع الراهن الإقليمى والمحلى.


يأتى مسلسل «صحاب الأرض» فى طليعة هذه الأعمال، إذ يمثل حالة فنية خاصة تتجاوز حدود الدراما التقليدية لتصبح وثيقة سياسية وإنسانية داعمة للقضية الفلسطينية، العمل الذى صاغ السيناريو الخاص به الكاتب عمار صبرى ويخرجه بيتر ميمى، يختار بذكاء الابتعاد عن الخطابة السياسية المباشرة، ليركز على الجانب الإنسانى العميق. وتتجلى القيمة الفنية للعمل فى اختياره لزاوية نظر مزدوجة؛ الأولى عبر شخصية «سلمى شوقى» «النجمة منة شلبى»، الطبيبة المصرية التى تعمل تحت القصف فى غزة، والثانية عبر شخصية الرجل الفلسطينى «النجم إياد نصار» الذى يجسد غريزة البقاء والتمسك بالأرض، هذا التناول يمنح العمل مصداقية عالية، خاصة مع الاستناد إلى أصول إياد نصار الفلسطينية الأردنية التى تمنحه مساحة للتعبير بصدق عن الوجع الداخلى، ويُحسب للشركة المتحدة هنا توظيف الدراما كأداة لفضح الانتهاكات وتوثيق الدور المصرى فى إفشال مخططات التهجير.


وبالتوازى، يستكمل أمير كرارة مسيرته فى «دراما الوعى» عبر مسلسل «رجال الظل: عملية رأس الأفعى»، يمثل هذا العمل تطورا نوعيا فى معالجة ملفات الأمن القومى، حيث ينتقل النص الذى كتبه هانى سرحان ويخرجه محمد بكير من ساحات المعارك المفتوحة إلى «حرب العقول» والغرف المغلقة، وتكمن نقطة الثقل الدرامى فى هذا الجزء فى «تشخيص العدو»، حيث يلعب الفنان شريف منير دور القيادى الإخوانى «محمود عزت»، هذا الخيار يضع العمل فى منطقة التوثيق التاريخى الدقيق للصراع ضد قوى الظل التى تهدد أمن الوطن، مع عودة لافتة للفنانة الكبيرة ماجدة زكى التى تضفى بعدا اجتماعيا يوازن حدة الصراع الأمنى.

وفى سياق التوثيق التاريخى المغلف بالترفيه، يأتى الجزء الثانى من مسلسل «النص» بعنوان «النص التانى»، بطولة أحمد أمين، ونجوم الجزء الأول أسماء أبواليزيد، صدقى صخر، حمزة العيلى، سامية الطرابلسى، ميشيل ميلاد، وتعد الفنانة بسمة أحدث المنضمين إلى أبطال الجزء الثانى من العمل، ويختار صناع العمل «تأليف ورشة تضم عبد الرحمن جاويش وشريف عبد الفتاح ووجيه صبرى، وإخراج حسام على» حقبة الحرب العالمية الثانية مسرحا للأحداث، مستخدمين الكوميديا كأداة ذكية لتمرير قصص المقاومة الشعبية وألعاب الجاسوسية المزدوجة، هذا المزج بين التاريخ والكوميديا يضمن وصول الرسائل الوطنية لشريحة واسعة من الجمهور قد تنفر من الأعمال التوثيقية الجادة.

 

ثانيا: تفكيك «الأنا» الفنية.. استراتيجية إعادة التموضع للنجوم

يفرض الموسم الرمضانى الحالى تحديات فنية دفعت كبار النجوم، بدعم من شركات الإنتاج، إلى مغادرة مناطقهم الآمنة وخوض مغامرات تمثيلية تعيد تشكيل صورتهم الذهنية لدى الجمهور.

يخوض النجم ياسر جلال تجربة شديدة الخصوصية فى مسلسل «كلهم بيحبوا مودى» «إنتاج مها سليم، تأليف أيمن سلامة، إخراج أحمد شفيق، وبطولة ميرفت أمين، أيتن عامر، مصطفى أبو سريع، هدى الإتربى، وجورى بكر»، يغادر جلال بجرأة مساحة «البطل الشعبى الأسطورى» أو التراجيديا التاريخية التى ميزت أعماله الأخيرة وآخرها «جودر»، ليقدم كوميديا اجتماعية حول رجل أعمال ثرى يواجه الإفلاس وانهيار عالمه المترف، هذا التحول نحو «اللايت كوميدى» يعكس رغبة الفنان والشركة المنتجة فى توسيع القاعدة الجماهيرية وتقديم محتوى ترفيهى ذكى يناقش قضايا الثروة والسلطة من منظور ساخر.

وعلى نفس الدرب، يتجه النجم مصطفى شعبان نحو منطقة درامية جديدة فى مسيرته عبر مسلسل «درش» «إنتاج سينرجى، تأليف محمود حجاج، إخراج أحمد خالد أمين وبطولة سهر الصايغ، رياض الخولى، سلوى خطاب، جيهان خليل، أحمد فؤاد سليم، محمد على رزق وغيرهم».

يبتعد شعبان تماما عن تيمة «الرجل المزواج» أو «البطل الشعبى» التقليدى، ليغوص فى دراما نفسية مركبة حول شخصية «عامل عطارة» يكتشف أنه عاش حياة مزدوجة، هذا الطرح يضع شعبان أمام اختبارات أدائية معقدة تتطلب التعبير عن التناقضات الداخلية والغموض، مما يؤشر لمرحلة نضج فنى جديدة للنجم الجماهيرى.

وتكتمل منظومة التجديد بعودة يوسف الشريف بعد غياب أربع سنوات عبر مسلسل «فن الحرب» «إنتاج أروما، تأليف عمرو سمير عاطف، إخراج محمود عبد التواب»، يختار الشريف التخلى عن الخيال العلمى المستقبلى الذى ميز «كوفيد 25» و«النهاية»، لصالح دراما اجتماعية بوليسية مشوقة، تدور القصة حول فنان يتحول للانتقام بعد تورط والده فى قضايا فساد، فى حبكة تعتمد على «لعبة العقول» والإثارة النفسية، وهو ما يضمن استقطاب الشريحة الشبابية التى تفضل هذا النمط من السرد السريع.
وفى مقابل التجديد يأتى أحمد العوضى ليلعب على المضمون بالاستمرار فى تقديم تيمة «البطل الشعبى» فى مسلسله «على كلاى» «تأليف محمود حمدان، إخراج محمد عبد السلام، وبطولة درة، يارا السكرى، محمد ثروت، عصام السقا، انتصار وغيرهم». ويدمج العوضى هنا بين الشعبية والرياضة، مجسدا شخصية ملاكم فى حى حلوان يدير دار أيتام. هذا المزج الذى ربما يمنح الشخصية أبعادا إنسانية واجتماعية تخرجها من حيز «البلطجة» أو الصراع الجسدى المجرد، لتقدم نموذجا للبطل الشعبى الإيجابى.

 

ثالثا: سوسيولوجيا العصر الرقمى وتمكين الهامش

فى محاولة لرصد تحولات المجتمع المصري، تستمر الأعمال الدرامية هذا العام فى إفساح المجال لمناقشة قضايا العالم الرقمى وصعود فئات اجتماعية جديدة.

يمثل مسلسل «بيبو» «إنتاج ميديا هب» ذروة الاعتراف المؤسسى بسطوة «التريند» وثقافة المهرجانات، إذ يُسند دور البطولة المطلقة لصانع المحتوى «كزبرة»، ويكمن ذكاء الخطوة فى توفير حاضنة فنية رصينة للتجربة، تتمثل فى نص لتامر محسن وإخراج أحمد شفيق، ومشاركة نجوم بحجم هالة صدقى وسيد رجب. يناقش العمل رحلة صعود شاب بسيط يصطدم بالواقع، فى معالجة درامية تسعى لاحتواء جمهور المنصات الرقمية وتقديم محتوى يلامس طموحاتهم بلغة تشبههم.

وفى زاوية مقابلة، تشرح ريهام حجاج العالم السرى للمؤثرين «الإنفلونسرز» فى مسلسل «توابع» «إنتاج Appel، تأليف محمد ناير وإخراج يحيى إسماعيل وبطولة أسماء أبو اليزيد، أنوشكا، محمد علاء، هانى عادل، وغيرهم». يركز العمل المكون من 15 حلقة على الثمن النفسى للشهرة الرقمية، والصراع المرير بين الصورة البراقة المصدرة للجمهور والواقع الهش الذى تعيشه البطلة، هذا التناول النقدى لظاهرة «السوشيال ميديا» يعكس وعيا بضرورة مناقشة أثر التكنولوجيا على الصحة النفسية للمجتمع.
كما يحضر «طموح الهامش» بقوة فى مسلسل «فخر الدلتا» «قصة عبد الرحمن جاويش، إخراج هادى بسيونى وبطولة كمال أبورية، انتصار، أحمد عصام السيد، خالد زكى وغيرهم». يتتبع العمل رحلة شاب «يجسده الإنفلونسر أحمد رمزى» من إحدى قرى الدلتا إلى القاهرة لتحقيق حلمه فى مجال الإعلانات، يطرح المسلسل إشكالية المركزية والبحث عن التحقق الذاتى، معتمدا على طاقم شبابى يعكس روح المغامرة والطموح.

 

رابعا: تشريح القلق الأسرى والمظالم الصامتة «الدراما النفسية»

تتجه الدراما الاجتماعية هذا الموسم نحو مناطق أكثر عمقا وتعقيدا فى العلاقات الإنسانية، متجاوزة الخلافات السطحية لتلامس الأزمات الوجودية وتفكك الروابط المقدسة.

يفتح النجم ماجد الكدوانى ملف «العدالة العائلية» فى مسلسل «كان ياما كان» «إنتاج ماجيك بينز، تأليف شيرين دياب، إخراج كريم العدل وبطولة يسرا اللوزى وعارفة عبد الرسول ونهى عابدين وغيرهم». يضع العمل المشاهد أمام مأزق أخلاقى لطبيب أطفال مرموق يجد نفسه عاجزا عن حماية ابنته من تبعات صراعاته القانونية والشخصية. يتميز النص بالغوص فى الجانب الهش للأب، طارحا تساؤلات مؤلمة حول جدوى النجاح المهنى فى ظل الانهيار الأسرى.

ويتقاطع هذا الطرح مع مسلسل «أب ولكن» «تأليف وإخراج ياسمين أحمد كامل ويشارك فى البطولة هاجر أحمد وإسلام جمال وبسمة داود وغيرهم»، حيث يواجه محمد فراج اختبارات «الأبوة المستحيلة»، تدور الأحداث حول أزمة أسرية تقلب موازين حياة البطل، وتضعه أمام قرارات مصيرية تتعلق بمسؤوليته كأب. كلا العملين يؤكدان على اهتمام الدراما هذا العام بإعادة تعريف دور الأب وتشريح الضغوط الواقعة عليه.

وعلى جانب آخر، يسلط الضوء على «الألم الصامت» للمرأة فى مواجهة المجتمع، حيث تقدم ريهام عبدالغفور فى «حكاية نرجس» «إنتاج محمد مشيش، تأليف عمار صبرى وإخراج سامح علاء وبطولة حمزة العيلى، تامر نبيل، سماح أنور، دنيا ماهر وغيرهم» معالجة هادئة وعميقة لقضية تأخر الإنجاب وتأثيرها المدمر على الاستقرار النفسى والزوجى.

بينما ترصد جومانا مراد فى «اللون الأزرق» مع الأبطال أحمد رزق، نجلاء بدر، أحمد بدير، كمال أبو رية «إنتاج الباتروس، تأليف مريم نعوم وإخراج سعد هنداوى» معاناة الأمومة فى ظل «التوحد» والغربة، حيث تواجه البطلة ضغوط الحياة مع طفل مصاب بالتوحد بعد عودة الأسرة من الخارج، تتميز كتابات مريم نعوم دائما بالقدرة على التقاط التفاصيل الإنسانية الدقيقة، وهو ما يعد بتقديم دراما مؤثرة.

كما تعود هند صبرى للتعاون مع المخرج حسين المنباوى فى مسلسل «منّاعة» «إنتاج المتحدة ستوديوز، تأليف عمرو الدالى، وبطولة رياض الخولى، أحمد خالد صالح، خالد سليم، مها نصار، كريم قاسم، وآخرين»، يستعيد العمل أجواء السبعينيات والثمانينيات فى حى الباطنية، مقدما دراما شعبية تستند إلى قصص حقيقية. الرهان هنا ينصب على الحنين وعلى الكيمياء الفنية بين البطلة والمخرج التى أثمرت سابقا عن نجاحات كبرى.

 

خامسا: جماليات التكثيف والمبارزات التمثيلية

تعتمد الخريطة الرمضانية تقنية «التكثيف الدرامى» عبر التوسع فى إنتاج مسلسلات الـ15 حلقة، والاعتماد على البطولات الثنائية والمبارزات الأدائية لضمان إيقاع مشدود.


يبرز مسلسل «فرصة أخيرة» «إنتاج المتحدة ستوديوز، تأليف محمود عزت، إخراج أحمد عادل سلامة» كنموذج مثالى لهذا الاتجاه. يجمع العمل القصير «15 حلقة» بين ممثلين كبيرين هما محمود حميدة وطارق لطفى فى مواجهة أخلاقية وإنسانية، تدور القصة حول قاضٍ نزيه يواجه اختبارا قاسيا يهدد مبادئه، ما يضع الممثلين فى حلبة تمثيل تعتمد على الأداء النفسى العميق بعيدا عن الاستعراض.
وتشكل ثنائية عصام عمر وباسم سمرة فى مسلسل «عين سحرية» «تأليف هشام هلال، إخراج السدير مسعود» رهانا ذكيا على التباين فى المدارس الأدائية. يجمع العمل بين تلقائية عصام عمر وخبرة باسم سمرة فى إطار من الغموض والتشويق، حيث يتورط فنى كاميرات فى جريمة تدفعه للتحالف مع محامٍ.

وختاما، يعيد مسلسل «أولاد الراعى» «إنتاج فنون مصر، وتأليف ريمون مقار، مينا بباوى، وخالد شكرى، ومحمود شكرى، وطه زغلول، إخراج محمود كامل» الاعتبار للدراما الملحمية الكلاسيكية، جامعا ماجد المصرى وخالد الصاوى وأحمد عيد فى صراع الإخوة الأعداء. يناقش العمل تحولات السلطة والمال وتأثيرها على الروابط الدموية، معتمدا على طاقم تمثيلى ثقيل الوزن قادر على حمل عبء الصراعات النفسية المركبة.

يقدم موسم رمضان 2026 وجبة درامية دسمة ومتكاملة العناصر، تحاول من خلالها «الشركة المتحدة» تقديم تنوع شديد لغرضاء كافة الأذواق. فهى تنتج «الوثيقة السياسية» لترسيخ الوعى، وتشارك «القطاع الخاص» لتقديم الترفيه والدراما الاجتماعية، وتفتح الباب لـ«الشباب» فى محاولة لتوثيق واقعه، وتشريح أزماته، وملامسة أحلامه.

p.12
دراما المتحدة



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة