الناقد أحمد حسن عوض يكتب الشعر كائن متطور

السبت، 14 فبراير 2026 02:39 م
الناقد أحمد حسن عوض يكتب الشعر كائن متطور أحمد حسن عوض

إن المتامل الحصيف  لفن الشعر باعتباره جنسا أدبيا ذا طبيعة خاصة لا يمكن أن يغض الطرف عن أن الشعر كان - ومايزال-  عبر العصور كائنا حيا يسعى إلى تجديد ماهيته وإثراء وظائفه وتطوير  أدواته  باستمرار عبر ممارسات الشعراء الكبار المتميزين الحاضرين في تاريخ الأدب الممتد منذ فجر البشرية البعيد، حيث شعراء الملاحم وشعراء المسرح الإغريقي ومن قبلهم شعراء مصر القديمة، وحتى لحظتنا الراهنة بكل أطيافها المتجاورة أو المتداخلة أحيانا، المتحاورة أوالمتصارعة في أحيان أخرى. لكن يظل اليقين الراسخ أن الشعر الأصيل لا يني يطور نفسه ويكتسب كل يوم أراضي جديدة ويسعى إلى الخوض في غمار  مساحات لم تكن مطروقة من قبل، ليس فقط على مستوى الرؤية وتصور دور الشاعر في العالم ووظيفته بل على مستوى التقنيات الفنية وطرائق الكتابة ونبرات الحوار مع العالم  وأنماط التفاعل مع  الأجناس الأدبية والفنون المختلفة ووسائل الصياغات الأسلوببة والتصويرية والموسيقية وفي هذا الإطار تحول الشعر- في عصرنا الحديث-  من فن يعبر عن تجارب الشعراء وانفعالهم بعالمهم المحيط أو تشوفهم إلى عالمهم المفتقد  والمأمول إلى فن يسعى إلى تجذير حضوره ملتفتا  إلى ذاته، واعيا  قيمته، متسائلا حول جدواه وتأثيره المبتغى.

ومن ثم فلا عجب أن نرى في منجز كثير من الشعراء قصائد تعبر عن رأبهم في الشعر وماهيته وطبيعة لغته ودوره في الحياة أو بمعنى أكثر انضباطا- نرى الشعر يتحدث عن الشعر بالألف واللام ولاشك أن هذا الالتفات إلى جوهر الشعر هو ثمرة تأمل فردي خاص  يعقده الشاعر الأصيل الذي لا يطمئن إلى منجزه الشعري المتحقق بالفعل؛ فيسعى إلى تطويره من الداخل ليمنحه فضيلة التجدد والنماء والبقاء على قيد الشعر ، وثمرة التحصيل النظري للشاعر المتابع للكتابات النقدية الجادة حول الشعر  تنظيرا وتطبيقا، وثمرة المثاقفة الحيوية مع  المبدعين المعاصرين عبر الاطلاع على قصائدهم بشكل خاص أو  منجزاتهم الأدبية بشكل عام في إطار  فاعلية "المحاكاة التنافسية" التي تحث كثيرا من الشعراء على دفع قصائدهم باتجاه التجدد والتطور  والتفوق على الشعراء المجايلين المتنافسين على صدارة المشهد الشعري الراهن.وثمرة الاطلاع الدءوب على الٱداب والفنون ومتابعة المنجزات الحضارية الحديثة ومستجدات الفكر والمعرفة قدر المستطاع.

وأخيرا ثمرة الإنصات  إلى رؤى أصحاب الخبرة الراسخين في تذوق الشعر من  النقاد والمبدعين والمثقفين   وتعليقاتهم  الثرية حول  تجارب الشاعر وطبيعة الشعر لديه ومدى توفيقه في تمرير رؤاه، وابتكار لغة تخصه،  وأسلوب يميزه، وعالم  يغدو الشاعر   مجسدا  له، حاملا ملامحه التي تؤهله -بكثير من الدأب المتراكم والإصرار المتواصل- إلى اكتساب شرعية الوجود في عالم الشعر المتسع مترامى الأطراف؛ ليظل الشعر كائنا متطورا يكتسب كل يوم مساحات شاسعة هي بالضرورة خلاصة  الحوار الداخلي الذي يعقده الشاعر مع منجزه الشعري، وخلاصة الحوار الخارجي الذي يعقده مع تجارب الٱخرين مناقشا وقارئا  لإبداعاتهم وكتاباتهم المتعددة شعرا وأدبا وفلسفة وفنا ونقدا.

فالشعر -كما يتمنى له جميع محبيه العالمين بأسراره المدركين لطبيعته الحيوية المتجددةـ  يظل جماله مرتهنا بانفتاحه الثقافي على كل ما تفيض به لحظتنا الراهنة من معارف وفنون وٱداب،  ومرتبطا بحواره الواعي مع العصر الحاضر وما ينبغي أن يقوم به الشاعر  بوعي جمالي جدلي تجاه مستجدات العالم الحديث التي تسعى إلى تشكيل الوجدان العام  بعيدا عن إبداعات الشعراء وقدراتهم الخلاقة على الرؤية العميقة التي تدفع محبي الشعر  إلى رؤية ما لا تراه الجموع الغارقة في مشاهدة المظاهر الحضارية السطحية دون النفاذ إلى ما وراء تلك التأثيرات من تغيرات تحتاج إلى من يدق الأجراس.
وهذا بكل تأكيد ما يقدر أن يفعله الشعر ، إذا ظل كائنا متطورا ذا بصيرة عصرية تتسم بالاتساع بقدر ما تتسم بالعمق.


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة