لم تكن علاقة الشيخ زكريا أحمد بأم كلثوم علاقة "ملحن ومطربة" فقط، بل كانت شراكة صنعت طورًا كاملًا في الأغنية العربية، ثم مرت بأزمة شهيرة، قبل أن تنتهي إلى مصالحة فنية أثمرت عملًا أصبح علامة في الوجدان العربي، وتبدو قيمة هذه العلاقة اليوم في أنها جمعت ثلاث قوى في لحظة واحدة: صوت أم كلثوم، ومقامات زكريا أحمد، وكلمات بيرم التونسي في عدد من المحطات الحاسمة.
بحسب المراجع التعريفية المتداولة عن سيرة الشيخ، ولد زكريا أحمد عام 1896، ورحل عام 1961، وهو ما يضع تجربته في قلب النصف الأول من القرن العشرين، أي في الفترة التي تشكلت فيها قواعد الأغنية المصرية الحديثة بين المسرح، والإذاعة، والأسطوانة، والسينما.
وتظهر الأدبيات الموسيقية أن الشيخ زكريا أحمد كان من أبرز من صاغوا لأم كلثوم منطقة تعبير خاصة، تجمع بين الروح الشرقية التقليدية والقدرة على الوصول إلى جمهور واسع، ومن الأعمال التي يستشهد بها كثيرًا في هذا السياق أغنية "غنّي لي شوي شوي" ضمن فيلم "سلامة" (1944)، بوصفها نموذجًا على حضورهما المشترك في السينما الغنائية أيضًا، لا في الحفلات فقط.
أحد أكثر فصول العلاقة شهرة هو الخلاف القضائي الطويل بين الشيخ وأم كلثوم حول الحقوق المالية / الإذاعية للألحان، وهو ما وثقته مواد صحفية اعتمدت على مستندات ووثائق جلسات، وتشير إلى أن النزاع امتد سنوات قبل أن تنجح المحكمة في إنهائه بالصلح في 25 يناير 1960.
الأهم فنيًا أن المصالحة لم تكن إجراءً قانونيًا فقط، بل تحولت إلى عودة صوتية ولحنية، ارتبطت في الوعي العام بأغنية "هو صحيح الهوى غلاب" (كلمات بيرم التونسي/ألحان زكريا أحمد) التي قُدمت بعد الصلح وصارت من أهم خواتيم التعاون بينهما.
لمن يريد توثيق العلاقة بعيدًا عن الرواية الشفهية، فالمراجع الأقرب للاعتماد تبدأ من إصدارات "موسوعة أعلام الموسيقى العربية" التي أُنجزت ضمن مشروع توثيق التراث الموسيقي العربي (مكتبة الإسكندرية/مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي بالتعاون مع دار الشروق)، ومنها جزء مخصص لزكريا أحمد، وآخر لأم كلثوم. هذه الإصدارات تقدم مادة أرشيفية وببليوجرافية منظمة، وتُعد مدخلًا بحثيًا جادًا.
كما يفيد كتاب "أبيات وألحان أم كلثوم ومن معها" لإبراهيم شكري في تتبع التطور الزمني والتحليل الموسيقي لأعمال أم كلثوم وعلاقتها بملحنيها، ومنهم زكريا أحمد، وهو مفيد خصوصًا لمن يريد قراءة البناء اللحني لا الاكتفاء بالتأريخ العام.
حكاية الشيخ زكريا أحمد مع أم كلثوم ليست مجرد "خلاف ثم صلح"، بل قصة عن معنى الملكية الفكرية في زمن مبكر، وعن قدرة الفن على ترميم ما تفسده النزاعات.
لقد اختلفا داخل المحكمة، لكنهما التقيا في أغنية بقيت بعد الجميع؛ وهذه وحدها كافية لتفسير لماذا تُقرأ العلاقة بينهما اليوم كفصل تأسيسي في تاريخ الأغنية العربية.