أصبحت السوشيال ميديا ساحة مفتوحة للبحث المحموم عن الشهرة والنجاح، بأي وسيلة كانت، مشروعة أو غير مشروعة، في سباق لا ينتهي نحو أعلى نسبة مشاهدة، لم يعد السؤال ماذا نقدم؟ وهل يتوافق مع قيم المجتمع المصري؟ بل أصبح الأهم كيف نتصدر المشهد ولو للحظات؟
المؤسف أن بعض الممارسات تجاوزت حدود السعي للانتشار إلى ساحات التشهير والانتقام العلني، يرى الناس مقطع فيديو أو صورة مثيرة للجدل، فيسارعون إلى مشاركتها دون التحقق من صحتها، غير عابئين بما قد تسببه من أذى أو فضيحة للشخص المعني أو لأسرته، وقد شاهدنا مؤخرًا واقعة مؤلمة لشاب في محافظة بنها، أُجبر تحت التهديد على ارتداء ملابس نسائية والوقوف في وسط الشارع، في مشهد مهين أعاد للأذهان مشهد مشوهًا لأحد الأعمال الدرامية القديمة.
أصبح البعض يفكر في الانتقام العلني بصورة قاسية، مستلهمًا مشاهد درامية تُستخدم أحيانًا لمزيد من الإهانة والتشهير. لكن لا يجوز أن نحكم على الناس بشكل عشوائي أو نتصرف بدافع الغضب؛ فهناك قانون يضمن العدالة للجميع، وينظر إلى الوقائع بموضوعية، لا من زاوية واحدة فقط.
والأشد قسوة أن الواقعة لم تُقابل بالرفض أو التدخل من الناس التي تقف وترى، بل اكتفى البعض بالمشاهدة والتصوير، أين الشهامة والمروءة التي عُرف بها المصريون؟ كيف تحولت الهواتف المحمولة من وسيلة للتواصل إلى أداة لتوثيق الإذلال ونشره على الملاء؟
حتى من تداولوا الفيديو على صفحات التواصل الاجتماعي، فعلوا ذلك دون أدنى محاولة لإخفاء ملامح الشاب أو حماية هويته، رغم سهولة إخفاء الوجه أو وضع أي علامة تمنع التعرف عليه، ناسين قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة»، فإذا كنا قادرين على إيقاف انتشار الفضيحة عند حدودنا، فلماذا نصرّ على أن نكون حلقة في سلسلة التشهير المؤسفة تلك؟
"أصبحنا نعيش في عالم تحكمه عدسات الهواتف، عالمٍ قد يتخلى فيه البعض عن إنقاذ ضحية، في سبيل لقطة «حصرية» تضمن لهم مزيدًا من التفاعل والإعجابات، مشهد مخيف يضعنا أمام سؤال مؤلم: ماذا لو كان من يُصوَّر ابنًا أو أختًا أو قريبًا لأحدنا؟ هل كان سيقبل أن تُنشر تلك اللحظات القاسية على الملأ؟"
ورغم قتامة المشهد، يبقى هناك بصيص أمل في سرعة تحرك أجهزة الأمن تجاه مثل هذه الوقائع فور تداولها، حتى في غياب بلاغ رسمي، وهي جهود تستحق التقدير، لأنها تسعى للحد من فوضى القوة الغاشمة التى يتعامل بها البعض على من حولهم من الناس، الاستخدام غير المسؤول لوسائل التواصل الاجتماعي، التي تُغلِّب المشاهدة على القيم، والانتشار على الإنسانية.
وقد توجهت لجنة تضامن من القليوبية عقب خروج الشاب لمتابعة حالته والاطمئنان عليه، في رسالة تؤكد أن التعاطف والدعم هما السبيل الصحيح. فلا يجوز معاقبة أي شخص خارج إطار القانون؛ فهناك قانون نعيش جميعًا تحت مظلته، وإلا تحول العالم إلى غابة يأكل فيها القوي الضعيف.