د.إيمان يسرى

عرابيزي

الجمعة، 13 فبراير 2026 02:55 ص


مع بداية انتشار الهواتف المحمولة في أواخر التسعينيات وانتشار الرسائل النصية التي يتم إرسالها عبر هذه الهواتف والأجهزة الذكية، ثم ظهور البريد الإلكتروني، وزيادة انتشار مواقع التواصل الاجتماعي؛ لم تكن الحروف الأبجدية العربية متاحة حينها في تلك الأجهزة. وكانت التقنيات المبكرة باهظة الثمن وغير متاحة للجميع، على عكس الحال اليوم، كما أن الرسائل النصية العربية أطول وأكثر تكلفة من الرسائل النصية اللاتينية. بالإضافة إلى ذلك، فإن معظم التقنيات الحديثة اخترعها غربيون، لغتهم الأم هي اللغة الإنجليزية، بمعنى آخر، يتحدثون ويكتبون اللغة الإنجليزية، التي تكتب بالأبجدية اللاتينية. وبالتالي، ازدهرت الأحرف اللاتينية على الإنترنت أكثر من أي أبجدية أخرى.

وبما أن غالبية المستخدمين لتلك المنصات من فئة الشباب، فقد لجأ بعضهم إلى استخدام الحروف الأبجدية اللاتينية (حروف الأبجدية الإنجليزية الموجودة على تلك الهواتف المحمولة) للكتابة والتعبير وإيصال الرسائل والمعاني التي يرغب بها عبر تلك الأجهزة الذكية، بهدف التواصل مع بعضهم البعض باستخدام هذه الهواتف والمنصات. وقد لاقت هذه الطريقة انتشارا كبيرا وشعبية كبيرة بين الشباب، وأطلقوا عليها "الفرانكو" (Franco)، وكانت مثل لغة كودية بين الشباب وبعضهم البعض، بحيث لم يتمكن الأهالي حينها من قراءة أو فهم تلك الطريقة أو ترجمة معانيها. ولكن الغريب في الأمر أنه حتى بعد إضافة اللغة العربية بكامل أبجديتها إلى جميع الأجهزة الإلكترونية والهواتف الذكية، يستمر الشباب العربي في استخدام "الفرانكو" ويعتمدون عليه في التواصل بينهم عبر الدردشات والمحادثات والألعاب وإرسال الرسائل النصية والإلكترونية، بل، مع الأسف، قد ازداد الأمر سوء، ويستخدم الطلاب والتلاميذ "الفرانكو" في الكتابة العلمية أثناء مراحل دراستهم المختلفة. ويعود ذلك إلى تعود الشباب على استخدام "الفرانكو" في المحادثات اليومية والدردشة مع أصدقائهم في الألعاب الإلكترونية وغيرها من التطبيقات التي يقضي عليها الشباب وقت كبير جدا على مدار اليوم الواحد.

ويقوم "الفرانكو" على كتابة ما ينطقه لسانك بالعامية المصرية باستخدام أرقام وحروف الأبجدية اللاتينية. وكان لابد من إضافة الأرقام إلى طريقة كتابة "الفرانكو" لتضاهي بعض حروف اللغة العربية غير الموجودة في اللغة الإنجليزية، أو لتختزلها في رقم بدلا من كتابها بحرفين متتالين، مثل حرف "خ" يكتب باستخدام رقم "5"، بدلا من كتابته باستخدام حرفين “kh”، وهكذا. مما يجعلها طريقة سهلة وغير مقيدة بقواعد الصرف والنحو الخاصة باللغة العربية أو بضوابط الكتابة الخاصة باللغة الإنجليزية. كما أنها طريقة مختصرة للتواصل، وتوصل المعنى في مساحة قليلة، خاصة في الرسائل المدفوعة، بما يجعلها أقل تكلفة. ويطلق أيضا على "الفرانكو" عدة مسميات، منها: "عرابيزي أو أرابيزي" (Arabizi)، و"أرابيش أو عربيش" (Arabish)، وهما مصطلحان يجمعان بين كلمتين، هما: عربي+ إنجليزي، ومعنى كلامهما يشير إلى "أبجدية الدردشة العربية".

ومع التطور السريع وزيادة الاعتماد على "الفرانكو" في التواصل الافتراضي، فقد ظهرت بعض التطبيقات والمواقع المجانية التي تترجم وتحول إي نص من اللغة العربية إلى الفرانكو والعكس بالعكس؛ بشكل لحظي؛ على الرغم أن الفرانكو ليس لغة، ولكنها طريقة غير رسمية، ووسيلة قد يستخدمها البعض ليواكب الأجيال الحالية، ويتمكن من التقرب إليهم بطريقتهم في التواصل. بينما يهاجم البعض الأخر "الفرانكو" لأنها طريقة تشوه اللغة العربية ومفرداتها ومعانيها وتركيباتها العميقة وتختزلها في أرقام وحروف مشوهة، لا هي متمسكة بحروف اللغة العربية ولا منصاعة لقواعد اللغة الإنجليزية. إضافة إلى أن اعتياد الأطفال على "الفرانكو" في سن مبكرة من خلال تعرضهم للألعاب الإلكترونية، قد يضر بهويتهم العربية وباكتسابهم للغتهم الأصلية، ويؤثر سلبا على مهاراتهم وقدراتهم الكتابية على اللغة العربية والإنجليزية على حد سواء. حيث أدمن الشباب والأطفال طريقة "الفرانكو" نتيجة كثرة استخدامها، مما أدى إلى اختلاط التعبيرات بين اللغة العربية والفرانكو واللغة الإنجليزية، وتسبب في ضعف شديد لدى الشباب والأطفال في المهارات اللغوية لكلتا اللغتين العربية والإنجليزية؛ خاصة مع إهمال الآباء والأمهات من الجيل الجديد تعليم أولادهم اللغة العربية، كتابتا وتحدثا.

وقد اكتسبت طريقة "الفرانكو" أهمية تتجاوز كونها مجرد نظام كتابة، لأن اللغة انعكاس لهوية مجموعة معينة من الناس، وتمثل عاداتهم وسلوكياتهم. كما أن لكل لغة قواعدها في الكتابة والتحدث، من خلال استخدام حروف أبجدية معينة، بنظام وترتيب وتسلسل محدد وخاص بها. في بداية اختراع الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر الشخصية، التي لا تدعم الحروف العربية، ربما كان من الضروري استخدام "الفرانكو"، كي تتواصل مجموعة معينة من الناس، وبعد ذلك، عندما تطورت الأجهزة الذكية وأصبحت تحتوي على كافة لغات العالم، لم يعد هناك داعٍ للاحتفاظ بطريقة "الفرانكو"، ولكن لا يزال الشباب العربي يستخدم طريقة "الفرانكو" للتعبير عن أنفسهم، فربما تجعلهم يشعرون بالسيطرة في عالمهم الخاص. حيث بدأ استخدام طريقة "الفرانكو" على أنه قيود تقنية، لعدم توافر اللغة العربية في الهواتف المحمولة لصعوبة حوسبتها، ثم تحول إلى ظاهرة اجتماعية لغوية، وتتطور لغويا بإضافة بعض المصطلحات والصياغات الجديدة، مثلها كمثل لغات العالم. بينما في رأيي الشخصي، إن استخدام حروف لغة أخرى للتعبير عن لغتك، دون داعي، يُعد أمر غير لائق، لأنه يظهر أنك لا تملك أي ولاء أو انتماء للغتك الأم (اللغة الأصلية). لذلك يجب على الآباء والأمهات أن يهتموا بلغة أطفالهم كما يهتمون بمأكلهم وملبسهم وتعليمهم، ويجب أن يتأكدوا من أن أطفالهم يستمعون ويفهمون ويكتبون ويتحدثون لغتهم الأم (اللغة العربية) بشكل صحيح، لإن إدمان كتابة "الفرانكو" يعد الخطوة الأولى في فقدان الأجيال لهويتها الحقيقية.

صديقي القارئ، حاول أن تجد معي إجابات لتلك الأسئلة التي لا تنفك أن تتبادر إلى ذهني، هل إذا ظهرت تلك التقنيات الحديثة في حينها باللغة العربية من الأساس، فهل كانت ظهرت طريقة "الفرانكو"؟ وعلى الرغم من الطفرة في مجال الترجمة، خاصة بعد ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي، التي تترجم أي لغة في العالم إلى لغة تريدها لحظيا، فلماذا تظل طريقة "الفرانكو" باقية بين الشباب؟ وإذا كانت طريقة "الفرانكو" تستخدم بهذه القوة بين الشباب، قوة تصل إلى درجة الإدمان! فلماذا لا يتم تدشينها رسميا، لتصبح لغة رسمية للشباب وتتعلمها الأجيال الحديثة؟




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة