اكتشف علماء الآثار، ميناءً نهرياً قديماً نادراً تحت مدينة طرابزون اليونانية التاريخية ،على ساحل البحر الأسود التركي، وهي مدينة تأسست في القرن الثامن قبل الميلاد، وفقا لما نشره موقع " greekreporter".
هذا الهيكل، المدفون على عمق ثمانية أمتار تقريبًا تحت المدينة الحديثة، متصل بجدول كوزجونديري، وهو الآن معترف به كواحد من ثلاثة موانئ نهرية معروفة فقط تم تحديدها في جميع أنحاء العالم.
وقال الباحثون إن هذا الاكتشاف يُلقي ضوءاً جديداً على التاريخ التجاري العريق لمدينة طرابزون، التي بدأت كمركز تجاري أسسه مستوطنون من ميليتوس، وبينما يعود تاريخ الرصيف المتبقي إلى أوائل العصر الروماني، فإن الهوية البحرية للمدينة تعود إلى تأسيسها اليوناني.
نظام ميناء داخلي نادر
بخلاف الموانئ البحرية التقليدية المبنية مباشرة على طول السواحل المفتوحة، كانت الموانئ النهرية بمثابة نقاط نقل مُنظَّمة بين الممرات المائية الداخلية والطرق البحرية، كانت هذه الأنظمة نادرة في العالم القديم، وتطلّبت هندسة متقدمة لربط القوافل البرية بالسفن.
وتشير التحليلات المعمارية إلى أن تاريخ بناء الرصيف يعود إلى ما بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي، خلال العصر الروماني المبكر، وتؤكد أساليب البناء الحجرية هذا التسلسل الزمني، ومع ذلك، تُظهر الطبقات الأثرية أن الميناء ظل نشطًا لقرون بعد بنائه الأولي.
وقال الباحثون إن الميناء ربما يكون قد توسع انطلاقاً من تقاليد تجارية يونانية سابقة. ففي عام 401 قبل الميلاد، وصف المؤرخ والجندي اليوناني زينوفون وصوله إلى طرابزون أثناء انسحاب جيش العشرة آلاف في كتابه "أناباسيس" . ويؤكد سرده أن المدينة كانت بالفعل مركزاً بحرياً يونانياً مزدهراً قبل قرون من الحكم الروماني.
ميناء شكلته أربع حضارات
تشير الأدلة الأثرية إلى أن الميناء كان يعمل بشكل مستمر من العصر الروماني مروراً بالعصرين البيزنطي والعثماني، وحتى السنوات الأولى للجمهورية التركية.
تشكل الأعمال الحجرية الرومانية جوهر جدار الرصيف، وتشير الخزفيات البيزنطية والترميمات الإنشائية إلى استخدام لاحق، وتوحي التعديلات العثمانية بأن المكان قد تم تكييفه للتخزين والمناولة التجارية للبضائع.
في أوائل العصر الجمهوري، بُنيت أجزاء من الميناء مع ازدياد التوسع العمراني، وفي نهاية المطاف، اختفى هذا الهيكل تحت وطأة التطور العمراني الحديث، ويصف الباحثون الموقع بأنه مورد تجاري عريق أعيد تشكيله عبر الإمبراطوريات المتعاقبة، وليس مجرد منشأة عابرة.
الكشف عن جدار رصيف ضخم ومجمع تجاري
تكثفت أعمال التنقيب في عام 2024 بعد أن كشفت الحفريات الأولية أن الجدار يمتد إلى عمق أكبر مما كان متوقعاً، وقد اكتشف علماء الآثار جدار رصيف يبلغ طوله حوالي 135 متراً (443 قدماً) وسمكه حوالي مترين (6.5 قدم).
يضم الجدار آثار بوابتين كبيرتين، إحداهما ذات تصميم مقوس، بينما تبدو الأخرى أقدم، ويعتقد الخبراء أن هاتين البوابتين كانتا تتحكمان في حركة البضائع بين السفن الراسية ومناطق التخزين أو الأسواق المجاورة.
تُفسَّر الجدران العمودية الإضافية الموجودة في المستويات السفلية على أنها أساسات محتملة لمستودعات أو متاجر تجارية، ويشير تصميمها إلى أن الميناء كان جزءًا من منطقة تجارية منظمة وليس مجرد موقع رسو بسيط.
القطع الأثرية تكشف وجود شبكات تجارية في البحر الأسود
تؤكد القطع الأثرية التي عُثر عليها خلال الحفريات على الروابط الدولية لمدينة طرابزون، ومن أبرز هذه الاكتشافات مصباح زيتي مصنوع في شبه جزيرة القرم، عُثر عليه بالقرب من الجزء الأمامي من رصيف الميناء.
وقال علماء الآثار إن هذه القطعة الأثرية تُقدم دليلاً ملموساً على التجارة بين طرابزون وشبه جزيرة القرم، التي كانت شريكاً تجارياً هاماً في شبكات التبادل التجاري على البحر الأسود.
كما تم اكتشاف شظايا فخارية وأوانٍ خزفية وسلع تجارية يومية تعود إلى العصر البيزنطي، يعود تاريخ بعض هذه المواد إلى فترات ما قبل الميلاد، تُسهم هذه الاكتشافات في إثراء التاريخ التجاري الموثق للمدينة، وتجعله أقدم مما تشير إليه العديد من المصادر المكتوبة، ويشير الخبراء إلى أن القطع المستوردة غالباً ما تُقدم دليلاً أقوى على العلاقات التجارية من النصوص المتبقية.
أعمال ترميم دقيقة
تعرض جدار الرصيف لأضرار على مر القرون، لا سيما بسبب أعمال الترميم الحديثة القائمة على الأسمنت والتي حبست الرطوبة وأجهدت البناء القديم.
تقوم فرق الترميم بإزالة المواد غير المتوافقة واستبدالها بملاط جيري، ويتم استخدام حقن الجير الهيدروليكي لتثبيت الفراغات الداخلية. وبمجرد اكتمال أعمال التدعيم، سيقوم المختصون بترميم الفواصل وتركيب نظام تغطية واقٍ لمنع تسرب المياه.