في الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي، بدا واضحا أن لا صوت يعلو فوق القضايا الإنسانية والأزمات السياسية والتحولات التي يعيشها البشر في عالم يتغير بوتيرة متسارعة. في ظل تغييرات جيوسياسية واقتصادية وتكنولوجية عميقة، يعود الإنسان ليسأل عن موقعه وعلاقته بما حوله، وعن معنى الحب والحرية في واقع شديد التأزم. من هنا جاء اختيار إدارة البرليناله للفيلم الأفغاني «لا رجال صالحون» (No Good Men) للمخرجة شهربانو سادات معبرا بدقة عن روح هذه الدورة.. كما أن الفيلم يعيد رسم الصورة النمطية المتداولة عن أفغانستان حيث لا نعرف عنها سوى إنها بلد الحرب.
عادة ما تميل المهرجانات الكبرى مثل برلين وكان وفينيسيا إلى افتتاح دوراتها بأفلام تحمل توقيع أسماء لامعة أو مخضرمةً في السينما العالمية، وهو ما ينتظره النقاد والمتابعون كل عام. لكن اختيار فيلم أفغاني لمخرجة شابة شكل خروجا واضحا عن هذه القاعدة، وكأنه إعلان بأن الرهان هذا العام هو على الفكرة والإنسان، لا على البريق الإعلامي.
«لا رجال صالحون» هو التجربة الثالثة لشهربانو سادات 35 عاما والمولودة في إيران قبل أن تنتقل إلى بلدة في وسط أفغانستان. تدور أحداث الفيلم في كابول عام 2021، قبيل عودة طالبان إلى السلطة.
ورغم أن الحركة لم تكن قد سيطرت رسميا بعد، فإن التهديد كان حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية، من مقابلات صحافية متوترة مع عناصر من طالبان، إلى إطلاق نار وانفجارات تذكر بأن الاستقرار هش وقابل للانهيار في أي لحظة.
في قلب هذا الواقع تقف «نارو»، امرأة في أوائل الثلاثينات تعمل مصورة تلفزيونية في قناة كابول تي في. تؤدي سادات الدور بنفسها بعدما انسحبت الممثلة التي كان مقررا أن تجسده بسبب مشاهد وصفت بالمثيرة للجدل. نارو هي المصورة الوحيدة في المؤسسة، ويجري حصرها في برامج «قضايا المرأة»، حيث تستقبل القناة اتصالات من نساء يعانين العنف وسوء المعاملة، بينما يقدم طبيب نصائح سطحية تكشف حجم التواطؤ المجتمعي مع معاناتهن. هذه المقاطع تقترب من الحس الوثائقي، وتعزز الإحساس بواقعية العالم الذي تتحرك فيه البطلة.
تتضح ملامح شخصية نارو سريعا: امرأة سبقت واقعها الاجتماعي بخطوات. تركت زوجا خائنا، وتعيل طفلها الصغير وحدها، وتحاول إثبات ذاتها مهنيا في بيئة يهيمن عليها الرجال. تتبدل حياتها عندما تلوح فرصة للعمل في الميدان إلى جانب مراسل تلفزيوني مرموق يدعى قدرت. يبدأ التعاون بينهما متوترا، لكن مع مرور الوقت تنشأ بينهما مودة صامتة، خاصة بعدما تنجح نارو في إعداد تقرير ميداني بمناسبة عيد الحب يدفع نساء أفغانيات إلى الحديث عن مشاعرهن علنا، في خطوة جريئة داخل مجتمع محافظ.
العلاقة بين نارو وقدرت تتشكل ببطء، عبر نظرات خجولة وإيماءات رقيقة. غير أن هذه المودة تواجه عوائق متعددة: قدرت يكبرها بعشرين عاما وهو متزوج، وزوج نارو الذي لم يكتمل طلاقها منه يتصرف بغيرة وعدائية، بل يحاول أن يخطف طفلهما ليجبرها على العودة إليه فيما يزداد نفوذ طالبان تتقدم نحو العاصمة. هنا يتحول السؤال الذي طرحته النساء في الشارع، «هل يوجد رجال صالحون؟»، إلى سؤال أوسع عن إمكانية الحب والبقاء في زمن يضيق فيه الأفق، ويصارع الكل من أجل البقاء .
الفيلم لا يستخدم الواقع السياسي كخلفية صامتة، بل يدمجه في تفاصيل الحياة اليومية. في أحد المشاهد المهمة التى تحمل الكثير من الدلالات ، تجلس نارو في قاعة مطعم مخصصة للرجال، رافضة القسم المعزول للنساء. تبدو وحيدة في مساحة واسعة، فيما تترك الكاميرا فراغا بصريا حولها يعكس عزلتها الاجتماعية. المشهد بسيط في ظاهره، لكنه مكثف الدلالة على صراعها مع منظومة ذكورية متجذرة.
كما تكشف مشاهد عملها داخل المؤسسة الإعلامية التوتر بين حضورها المهني وحدود تقبل المجتمع لهذا الحضور. وجودها خلف الكاميرا ليس مجرد وظيفة، بل فعل مقاومة يومي في بيئة لا ترى في المرأة سوى دور هامشي، هناك، على سبيل المثال، قائد من طالبان يبدو ودودا خلال مقابلة صحافية، لكنه لا يلبث أن يفقد لطفه حين يدرك أن المصورة المشاركة في التصوير ليست أجنبية بل أفغانية، ثم ينزلق حجابها عرضا عن رأسها. إطلاق نار بخلفية إرهابية واضحة، ثم انفجار لاحقا. وفي خضم ذلك مجتمع، رغم الحرية النسبية في تلك المرحلة الانتقالية، ما زال عالقا في أنماط وبنى شديدة المحافظة ومعادية للنساء، يبدو أنه لا فكاك منها، ومع
اقتراب طالبان من المدينة، يتسارع الإيقاع البصري ويتبدل المزاج العام للفيلم من رومانسية مرتبكة إلى توتر وجودي واضح. لا يستعرض العمل الحدث سياسيا بتفاصيله بل يلتقط لحظة التحول من خلال ارتباك الشخصيات وشعورها بأن الأرض تنسحب من تحت أقدامها، وكيف أن قدرت ضحى بفرصة رحيله وهروبه لصالح نارو وابنها .
رغم بعض نقاط الضعف الفنية، والتي تتعلق بالإيقاع والانتقال السردي ما بين الخط الرومانسي والخط السياسي لم يكن دائمًا سلسًا، كما أن هناك الكثير من المشاهد الحوارية الطويلة والتى لا تضيف تطورًا دراميًا للأحداث وهو ما يخلق شعورًا بالترهل في منتصف العمل. ومن المفارقات أيضا أن البناء الدرامي يعتمد على فكرة محورية جذابة – إعادة النظر في صورة الرجل داخل مجتمع أبوي سلطوى -لكنه لا يطور هذه الفكرة دائمًا، بل يكررها بصيغ مختلفة .
رغم ذلك ينجح الفيلم في تقديم صورة أكثر تعقيدا عن المجتمع الأفغاني، بعيدا عن الصورة المعتادة من مشاهد التفجيرات وسطوة طالبان.
تقدم سادات أفغانستان بوصفها مكانا يعيش فيه أناس يحلمون ويحبون ويمزحون، حتى في ظل الخوف. وقد وصفت فيلمها بأنه «أول كوميديا رومانسية في أفغانستان»، وهو توصيف بدا للوهلة الأولى مخاطرة تسويقية، لكنه يعكس رغبتها في كسر الصورة النمطية التي تحصر البلاد في دراما الحرب.
خلال سنوات الإعداد الطويلة، وجدت سادات نفسها عالقة في ألمانيا بسبب جائحة كورونا، ثم شاهدة على سقوط كابول وإجلائها إلى أوروبا خوفا على حياتها. تلك التجربة بين الداخل والخارج شكلت رؤيتها الفنية، ودفعها إلى تكريم نساء ورجال وجدوا فسحة للفرح والتواصل رغم العنف والاضطراب.

شهربانو سادات

طاقم العمل

فيلم لا رجال صالحون