لا تتوقف الأيام عن توليد المفارقات، احتفلت إيران الرسمية أمس بالذكرى السابعة والخمسين للثورة الإسلامية، فيما كان نتنياهو يحمل أوراقه تحت إبطه للقاء الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، قاصدًا إقناعه بالتصعيد تجاه عدوّهما المشترك، أو على الأقل بألا يترك له فسحة لالتقاط الأنفاس، وفرز الملفات المُتعالقة عن بعضها. رائحة النصر القديم تُستَعَاد فى سياق جديد تُخيم عليه سحائب الهزيمة، أو الاضطرار إلى تجرُّع كأس السم للمرة الثانية، بعد تجربة لا تقل مرارة مع نظام صدام حسين فى العراق قبل نحو أربعة عقود.
عجّل رئيس الحكومة الإسرائيلية بزيارته لواشنطن قبل أسبوع من موعدها المُحدد سلفًا، أو استُدعِى من الأخيرة لترتيب الأوراق ووضع النقاط فيها على الحروف. لا سيما أن الخميس المقبل من المفترض أن يشهد الاجتماع الأول لمجلس السلام، عقب تشكيله وإعلان ميثاقه التأسيسى على هامش المؤتمر الاقتصادى العالمى فى دافوس أواخر الشهر الماضى. وبين ما تريده الولايات المتحدة من الموعد الثامن بين قيادتى البلدين، وما تسعى إليه تل أبيب وإدارتها اليمينية المُتطرفة، بَون شاسع ينطوى على اتفاقات واختلافات، ولا يخلو من مواءمات من الطرفين، ومُقايضات يتطلّع كل واحد منهما لتمريرها من تحت ضرس الآخر.
يبدو مسار التفاوض الأمريكى الإيرانى مُعقدا، وأعقد ما فيه الارتباك الظاهر على الجهتين. بين لغة دبلوماسية تُطوّقها البوارج ورسائل التهديد، وغيبة الوضوح بشأن رزمة المسائل الخلافية، وما يُطرَح للبحث منها عاجلاً أو يحتمل التأجيل، وعلى أى وجه يُمكن أن ينزل الملالى عن شجرتهم العالية، أو يقبل البيت الأبيض تقديم عنصر على سواه من العناوين المرفوعة شرطًا للتهدئة. وفيما يُقدّم كل لاعب إحدى قطعه على رقعة الشطرنج خطوة، يسحب غيرها خطوتين، ويُستشعَر من أدائهما معًا أنهما فى حاجة إلى وسيط يتدخّل لتقريب الرؤى، ورفع الحرج عنهما، وحفظ ماء الوجه هنا وهناك على قدم المساواة.
ثار ترامب منذ أتى فى ولايته الأولى على الصفقة التى أنجزها أوباما فى العام 2015، ثم انسحب منها تمامًا بعد ثلاث سنوات. وكان خليفته بايدن قد تعهد بالعودة إلى الاتفاق النووى مع إيران «خطة العمل الشاملة المشتركة» بصيغة 5 + 1؛ لكنه قضى سنواته الأربع ولم يفعل. ما يعنى أن إرادة عُليا تسلّطت عليه، أو كانت وراء كبحه مسيرته باتجاه الرجوع إلى ورقة تربّحت منها طهران أكثر مِمّا تضررت، كما لا يستقيم الظن بأن الرئيس الحالى سيعود فى نُسخته المُنقحة، إلى ما رفضه سابقًا أو أسوأ منه.
وعلى المقلب الآخر، ترى الجمهورية الإسلامية أنها التزمت بتعهّداتها على وقتها، ودفعت أثمانًا باهظة جراء عدم التزام الآخرين، ثم إسقاط الاتفاق لاحقا من طرفٍ واحد. رفعت السقف إلى مستوى لم يعُد الكلام القديم فيه مُرضيًا، وتلقت ضربات قاسية تتوخّى التعافى منها، وتبحث عن التعويض بأثر رجعى. وأول ثوابتها، على ما يتردد فى أحاديث قادتها، قَصر الورشة الحالية على الملف النووى حصرا، ورفض تجريدها من الحق فى التخصيب، وإذ تقبل النزول عن نسبة 60% التى وصلتها (بعض المؤشرات تُرجّح أنها تجاوزتها بالفعل)؛ فإنها تُمنّى النفس بألا تتهاوى إلى الـ3.67% السابقة، ولا إلى الصفر بطبيعة الحال.
بيد أن القضايا الأربعة المُثارة من جهة واشنطن مُتضامّة ورابطة، ولا يجوز تفكيكها عن بعضها إلا على سبيل الترتيب، لا الشطب والإلغاء تماما. الأذرع الإقليمية وثيقة الصلة بنظرية تصدير الثورة، وفلسفة إرساء دفاعات متقدمة ضمن تصوّرها الخاص عن مُعادلة الردع. والبرنامج النووى تطوير للفكرة من داخل المنظومة، كما أن القدرات الباليستية شرط لفاعلية القدرات الاستراتيجية للسلاح المُرعب، ويُمكن أن تقوم بالمهمة وحدها دون القنابل والرؤوس النووية، دفاعيا على الأقل، بينما لا نفع للأخيرة فى غيبة ثالوث الإيصال، ومع عجزها فى القاذفات الجوية والغواصات بعيدة المدى؛ فلا بديل عن الصواريخ.
وأخيرًا، مسألة القمع فى تصديها للتظاهرات الشعبية، وهى ذريعة أكثر من كونها موقفا مبدئيًا يعتنقه الخصوم، لكنها ضمن حزمة الحاجات الوجودية للنظام العقائدى القائم؛ لا سيما مع تأبيد بقائه على صيغة الحق الإلهى، وافتقاده للشعبية أو شرعية الإنجاز بالنسبة لمواطن لا يعنيه شىء إلا الاقتصاد وتوافر الحدود الدنيا من مقومات الحياة، فضلا على حقه الأصيل فى التطلّع إلى الرفاه كما يليق بدولة غير فقيرة، وتعوم على محيط من النفط والثروات الطبيعية.
شعارات المُمانعة هى آخر ما تبقى للثورة الإسلامية، وقبل أن تُغلق عقدها الخامس. شاخت مبكرًا عن الطبيعى، وليس لديها الكثير مِمّا يُمكن التفريط فيه دون مُجابهة مخاطر أكثر ثقلا وتهديدا لوجودها. غير أنها مُضطرّة إلى الاتّضاع أمام اللحظة الضاغطة، وأخذ ما يتيسّر لها على أمل أن تتعدّل الظروف لاحقا. أى أنها تضغط بكل قوّتها لاختزال الصراع الراهن فى الورقة النووية، مع علمها الكامل بأن التنازل فيها سيجُرّ بالضرورة تنازلات تالية فى غيرها، أو سيدفعها إلى مزيد من الانكماش على ذاتها، والتآكل من الداخل.
ورغم تساوى الاحتمالات كلها فى السوء؛ فإن الصهاينة لا يرتاحون لمُجرّد استشعار أن تتحصّل طهران على مُهلة إضافية؛ ولو لم تُفضِ لشىء حقيقى. وأشد ما يرتعبون منه أن تُسلّم الولايات المتحدة بتكثيف الجولة التفاوضية وتجزئة عناوينها، والذهاب إلى صفقة نووية تحقق لترامب مُبتغاه فى إظهار صورة القوّة، وتحقيق نصر يصلح للسير به إلى الانتخابات النصفية الوشيكة، مع إبقاء الملف مفتوحًا من دون تجميد، وصالحًا للاستثمار من جانبه تاليًا عندما يحتاج إليه، ولتوظيفه فى احتواء بقية الأطراف الإقليمية، والحفاظ على انشداد الحلفاء والمراكز المالية الكبرى إليه عن خوف واحتياج.
انتهى الاجتماع الأول فى مسقط، الجمعة الماضية، من دون اختراق أو نتائج ملموسة؛ لكن طرفيه أشاعا جوًّا إيجابيًّا عن المداولات، وبدأ التحضير للموعد الثانى على وجه السرعة. الغالب أن تستضيفه تركيا غدا؛ إنما بوساطة عُمانية كسابقه، ودون حضور إقليمى كما كان مُخطّطًا منذ البداية. غير أنه لا ينبغى اختزال المشهد فى الظاهر منه فحسب، أو افتراض أن التسويات تُصاغ حصرا داخل الورشة التى اتفقت العاصمتان المتخاصمتان على إخراجها للعلن. سبق أن لمّح ترامب إلى العُقد الخفيّة فى اتصالهما الثنائى، وقال قبل اللقاء إنهم يتحاورون معًا بالفعل، وبالتزامن معه وبعده تحدث عن التلاقى فى أماكن عِدّة.
ربما تكون الإرادة الأمريكية قد انصرفت إلى إغلاق الصفحة تماما؛ لكن الإيقاع سيُحدّده الرئيس، كما يُحدّد الخطوط الحمراء، بحسب تصريح نائبه جى دى فانس. الحرب ليست خيارًا مثاليا، والتلويح بها لا يتجاوز العمليات النوعية المحدودة حجمًا وزمنا. لن تكتفى واشنطن بما ستحصل عليه، مهما كان مقداره وعِظَم كُلفته على الإيرانيين. سيجدون أنفسهم مُضطرين إلى شراء أنفسهم بالقطعة، ومع الانتقال المُتدرج بين حلقات الضغط والمقايضة، سيزداد إحكام الطوق على النظام، وتنتهى صلاحيته عمليا ولو طالت إقامته ظاهرًا، وهذا ما لا يُشبع شهوة المتطرفين فى إسرائيل.
استبق نتنياهو زيارته لواشنطن باجتماع المجلس الوزارى المصغر «الكابينت»، وإعلان قرارات تخص وضع الضفة الغربية المُحتلة، وعلاقات سلطة الاحتلال بها. شىء أقرب إلى الضمّ من دون إجراء فعلى، وعبر فرض السيادة العملية ليكون الابتلاع سابقًا على التقنين. وبعيدًا من كون ذلك هدفًا أصيلاً لدى الدولة الصهيونية؛ فإن التعجيل به اليوم وعلى خلاف الرغبة الأمريكية، بل وسابق تصريحات رئيس الحكومة نفسه، يُستحضَر بالأساس ليكون ورقة فى الملف الذى يحمله إلى ترامب، ومن مُنطَلَق تبادُل الضغوط، والسعى إلى إنجاز مُقايضة ما، بطريقة «الحاخام والخنزير»؛ أى أن يخترع أزمة ثم يُرخى قيودها جزئيًّا؛ فيبدو أنه قدم تنازُلاً يستحق الحصول على مقابل له، أو إطلاق يده فى ساحة ثانية لقاء قَبضها عن الأولى.
وعليه؛ فكأنه بالقائم والمُستجَد، يحمل إلى حليفه الأكبر سلّة من ثلاث خيارات: غزة والضفة ولبنان، والرابعة مُعلّقة على التوافقات الصعبة بينهما بشأن إيران. الرئيس الأمريكى يريد إنجاح خطته فى القطاع، ولن يقبل بإفسادها من جهة الضمّ والتوسع فى الاستيطان علنا، كما لا يضرّه أن تبقى المناوشات مع حزب الله وفيما وراء نهر الليطانى على حالها؛ لكن الليكودى الماكر يتطلّع لصفقة يأخذ فيها قدر ما يُعطى، مقتنعًا بأن الإدارة الأمريكية لن تشدّ عليه أو تضعه فى موقف الإذعان الكامل، وهو إما يقودها معه إلى توجيه ضربة للجمهورية الإسلامية، أو يترك لها ضبط التقويم الفارسى، لقاء أن تُمكّنه من كَسر الساعة الفلسطينية.
تعاملت واشنطن برخاوة مع القرارات الخاصة بالضفة، واكتفت برسالة عن البيت الأبيض يؤكد فيها أن الرئيس لا يُرحب بالضمّ، ولم يُغيّر موقفه السابق. غير أن التصريح كان مُجرّد إبراء للذمة، ولم تترافق معه إجراءات عملية أو ضغط حقيقى، كما حدث سابقًا عندما لوّح الكنيست بتمرير قانون للسيطرة على الضفة الغربية، فعمل نتنياهو بنفسه على إفساد الخطوة بعد تلقّيه تحذيرًا أو إشارات امتعاض من فريق ترامب، والنعومة قد توحى بعدم الاعتراض على منطق المساومة، أو برغبة أمريكية فى توظيفه أداة تأثير على القوى الإقليمية، وخيارات الوسطاء والضامنين لصفقة غزة، ولغيرها من الملفات الساخنة على طول المنطقة، وأهمها إيران بالطبع.
لعل الحشد العسكرى لم يكن للحرب من الأساس؛ لكن نشاط الدبلوماسية العربية بالشراكة مع تركيا، كان واحدًا من مقوّمات امتصاص الحرارة العالية، واستعادة مسار التفاوض بعد نحو ثمانية أشهر على سقوطه بعد جولة يونيو الماضى، لا مصلحة لأحد فى إسقاط النظام الإيرانى أو إضعافه سوى إسرائيل، والمصالح الأمريكية فى المنطقة تقتضى أن يكون سلوكها مضبوطا على أولويات حلفائها، أو أن يراعى شواغلهم، ما يُصعّب الذهاب إلى أى مستوى من التصعيد دون ترحيب منهم، أو على الأقل ألا يكونوا مُتأففين وغير راضين بالخطوة كلها.
جرى الانتقال إلى المرحلة الثانية فى غزة، وعبّرت إندونيسيا عن جاهزيته للانخراط فى قوة السلام الدولية، ويتوالى البحث مع دول أخرى. مجلس السلام سيُطلق منصة لجمع تمويلات التعافى وإعادة الإعمار فى الأسبوع المقبل، وسلاح حماس يبدو أنه لن يكون عقبة كُبرى، لا سيما مع ما نشرته «نيويورك تايمز» قبل يومين عن ورقة أمريكية جديدة، تتدرّج فى المسألة بما يمتص مكابرة الحركة، ولا يُحقق مُتطلبات إسرائيل بالكامل، مهما ماطل نتنياهو لن يستطيع العودة إلى لحظة تجاوزها الزمن والترتيبات المُستجدّة، إلا مع انقلاب غير عادى فى المنطقة وحركة هائجة لصفائحها التكتونية، وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا مع حدث من عيّنة الاصدام الكاسح مع إيران.
وإذا كان يستحيل عليه أن يأخذ قرارا فى حرب بهذا الحجم، وما وراءها من مخاطر غير متوقعة؛ فإنه لن يمل من المحاولة بالتأكيد، أو من استغلال الورقة لإحراز مكتسبات فى ميادين بديلة. سيظل مُجبرًا طوال الوقت على الانصياع لإرادة ترامب؛ لكن العبرة بما إذا كان الأخير يُملى عليه شيئًا أو يترك لها هامشا فسيحا للمناورة. يحتاجه للحماية والإسناد أولا، ولأجل الحصول على العفو فى قضايا الفساد، ويحتاج للنار والبارود وسردية الخطر الوجودى للوصول إلى الانتخابات والفوز بها، وحركته كلها تتجه بكامل طاقتها إلى الموازنة بين الاحتياجين.
استكمال اتفاق غزة قيد عليه، واجتهاد إيران فى النجاة من الفخ قيد آخر. عندها قد تنطفئ الساحات المتشابكة بالتتابع كما اشتعلت، ولا يهمّ ما إذا كان نتنياهو سيبقى فى الحُكم أم تُطيحه الصناديق والصراعات الداخلية. كان يُفتَرَض بالطوفان أن يُغرق؛ لكنه أحرق. والمنطقة أحوج ما تكون اليوم إلى طوفان يحتفظ بمعناه الأصيل، أى الإطفاء وتبريد الميادين والجبهات. ولا سبيل إليه إلا بالتسويات مهما كانت قاسية، وباستشراف الأطراف لِمَا تسبّبت فيه الشعارات قديمًا، ويختبئ وراء ستارها الشعبوى المُضلّل مستقبلاً.