في جريدة المصور بتاريخ 19/1/2000 كتب الأديب والقاص الكبير محمد البساطي الذي كان يدير السلسلة التي أصدرت المطبوعة المصادرة أن الوزير انطلق ليهاجم الإبداع والمبدعين بلا مبرر وأتصور إنه كان يجامل التيار المتطرف خوفا من استجوابات أخرى حول ما يجري في قطاع الآثار !!.. وأن الوزير ليس من سلطته أن يحدد قواعد الإبداع وشروطه ولا أن يتدخل فيه كذلك فهو ليس وصيا على أخلاق المجتمع".
كما صرح الأديب جمال الغيطاني رئيس تحرير جريدة "أخبار الأِدبِ" والمعارض بشدة لقرارات الوزير أن الوزارة قررت (حرق) الجزئين الثالث والرابع من ديوان أبي نواس في إطار سياسة النشر الجديدة التي نجمت عن أزمة الروايات الثلاث وذلك بأن قرر رئيس الهيئة الجديد محمد غنيم تأخير طبع الجزئين الثالث والرابع لما يتضمنانه من أبيات شعرية (فاضحة) وانه في حالة صدور هذين الجزئين فمن المتوقع حذف الأبيات المثيرة للجدل في إطار تطبيق "المعايير الأخلاقية" الجديدة لوزارة الثقافة.
المدهش أن كل هذه "الثورة" داخل الوزارة كانت بسبب رواية لا تطبع أكثر من ألف نسخة وسط شعب لا يقرأ أساسا ولكن ذلك كان نوع المعارك التي يخوضها تيار الإسلاميين تأكيدا لقوتهم وتأثيرهم السياسي والاجتماعي تمهيدا للقفز على السلطة.
وفي هذه الأجواء (التي نعترف بأنها كانت متحررة نسبيا) طلعت علينا جريدة "صوت الأمة" برئاسة الصحفي عادل حمودة بصورة تم إعدادها عن طريق الكمبيوتر للوزير وهو يظهر في لحية طويلة ويرتدي عمامة بعد منحه لقب "الشيخ فاروق حسني" معتذكيره بعالمه الحافل بالأفكار المتحررة بنشر صورة لسيادته في الصفحة الأولى وهو يجلس في منزله وخلفه إحدى لوحاته التي تمثل امرأة عارية بجوارها رجل.. وقال إن اقتطاع أجزاء من اللوحة سوف يكون مهينا له كما جرؤ على نشر المقاطع التي تحدى الوزير اي ناشر في أن يقوم بنشرها علنا !!.
أما "الغيطاني" فلم يفلت الفرصة وكتب في أخبار الأدب عنوانا مثيرا :"فاروق حسني يعظ" في بارودي ساخر لرواية نجيب محفوظ الشهيرة "الشيطان يعظ" وكتب أن السيد الوزير يستحق كرسي التحالف مع التطرف قائلا أن "التراجع أمام التطرف يزيده قوة" وأشار إلى قرارات الوزير المتسرعة بإقالة المسئولين عن النشر أظهر حكومة مصر بمظهر الضعف أمام مجموعة من النواب الذين ينتمون إلى التيار الديني ونسى أن أعضاء هذا التيار لن يصدقوا تصريحاته!!
أما صحيفة "القاهرة" الناطقة بلسان وزارة الثقافة ويرأس تحريرها الكاتب الكبير (اليساري) صلاح عيسى فقد القت بدورها المسئولية على عاتق المسئولين الذين سمحوا بنشر الروايات الثلاثة في أعقاب أزمة ((أعشاب البحر)) لانهم كانوا يعلمون أن هناك من يتربص لهم (الإسلاميون) وهو سلوك يفتقر إلى الحد الأدنى من المسئولية ليس حيال المنصب الوظيفي فحسب ولكن كذلك حيال حرية الإبداع ذاتها!! ومع التقدير لمواهبهم كمبدعين لهم مكانتهم إلا أن قرارا مثل نشر هذه الروايات كان يتطلب بصيرة نافذة تضع في اعتبارها مستوى الوعي العام وحسابات ردود الأفعال لدى كل الأطراف!!
وكان معنى هذا للأسف أنه أصبح مطلوبا من كل مبدع أن يفكر قبل الامساك بالقلم في كل توازنات المجتمع وحساباته السياسية وكتله المتطرفة وأن يكون رقيبا على (نفسه) قبل أن تصادره الدولة أو أن يأمر المتطرفون بقتله (مثلما حدث مع نجيب محفوظ نفسه).
وبزهو المنتصرين يقول الإخواني جمال حشمت واصفا ما جاء في الروايات الثلاثة بأنها الكلمات البذيئة المثيرة للشهوة التي قرأتها تشجع على الفسوق والدعارة حتى البنت الكويسة التي رفضت طريق الرذيلة يمكن أن تعيد مناقشة المسألة مع نفسها لو قرأت هذه الروايات !! وأضاف لا فض فوه : أنا أطالب المبدعين بأن يضعوا القرآن أمامهم وهم يبدعون !! أنا لست ضد نقاش الجنس في الأدب وممكن أعدي سطرين أو ثلاثة في السياق لكن ليس صفحتين أو ثلاثة صفحات".
وبذلك وضع الطبيب الإخواني دليلا جديدا للمبدعين يبدو أنه يتسق مع سياسة الوزارة الجديدة هو:
"سطرين ماشي صفحتين لا .."
ولا أدري لماذا قفز إلى ذهني الفيلم الفرنسي المذهل "فهر تيب 451" الذي أبدعه السينمائي الكبير "فرنسوا تروفو"عن رواية الكاتب الشهير "راي براديري" الذي يتحدث عن مجتمع افتراضي قرر تحريم تداول الأدب والثقافة واقتناء الكتب وكانوا يحرقون الكتب في الطرقات بلذة واستمتاع وكانت أشكال المقاومة المبتكرة هي في أن كل رجل أو امرأة كان يحفظ كتابا عن ظهر قلب ليحمي تراث البشرية من الاندثار.