بينما تنشغل أوروبا بصراعات السيادة في الإليزيه، وتغرق غابات الأمازون في جفافها التاريخي، شهد شهر فبراير 2026 تحولاً جذرياً في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، أمريكا اللاتينية لم تعد تكتفي برد الفعل، بل بدأت في رسم خارطة طريق جديدة تخلع فيها عباءة التبعية، في مشهد وصفه المراقبون بأنه الزلزال الجيوسياسي الأكبر في القرن الحالي، حيث تتقاطع المصالح النفطية في فنزويلا مع أزمات الحدود في المكسيك، وصولاً إلى الثورة الرقمية في تشيلي.
كاراكاس
نهاية الحقبة وبداية صفقة النفط في مفاجأة هزت الأوساط الدبلوماسية، بدأت كاراكاس وواشنطن مفاوضات سرية وصفت بأنها مرحلة ما بعد مادورو، فنزويلا، التي أنهكتها العقوبات لسنوات، يبدو أنها وجدت في التغيرات العالمية الحالية ثغرة للعودة إلى السوق الدولية، التقارير المسربة تشير إلى أن البيت الأبيض بدأ يلين نبرته تجاه النظام الفنزويلي مقابل ضمانات بـ انتقال سياسي سلمي وتأمين تدفقات النفط الفنزويلي لاستبدال مصادر الطاقة المتقلبة.
هذه المفاوضات لا تستهدف فقط تغيير الوجوه، بل تهدف إلى إعادة دمج عملاق النفط في المنظومة الغربية، مما قد يغير موازين القوى الاقتصادية في القارة بأكملها.
المكسيك
العيش تحت فوهة البركان وعلى الجانب الآخر، تجد المكسيك نفسها في وضع لا تحسد عليه، حيث يتصاعد الضغط الأمريكي على الحدود بشكل غير مسبوق، التهديدات الحدودية لم تعد تقتصر على ملف الهجرة، بل تحولت إلى ضغوط تجارية وأمنية خانقة تهدد استقرار الاقتصاد المكسيكي، و حكومة المكسيك تحاول الموازنة بين الحفاظ على سيادتها وبين تجنب صدام شامل مع إدارة ترامب التي تلوح بفرض رسوم جمركية عقابية وإجراءات أمنية صارمة على طول الجدار. هذا الضغط جعل المكسيك تبحث عن حلفاء جدد داخل القارة، معززة من فكرة الكتلة اللاتينية الموحدة التي بدأت تتشكل ملامحها في مواجهة التغول الشمالي.
تشيلى
الثورة من قلب السيليكون اللاتيني لكن الخبر الذي سرق الأضواء وجعل العالم ينظر بذهول إلى الجنوب، هو إعلان تشيلي عن الاستقلال الرقمي، في خطوة غير مسبوقة، أطلقت سانتياجو أول نموذج ذكاء اصطناعي إقليمي (LatAm-AI)، مصمم خصيصاً لخدمة احتياجات القارة اللاتينية بعيداً عن الخوارزميات الأمريكية والصينية، تشيلي، التي تمتلك أكبر احتياطيات النحاس والليثيوم في العالم، قررت أن المادة الخام القادمة هي البيانات.
يهدف هذا المشروع إلى كسر الهيمنة التقنية العالمية، وحماية الخصوصية الثقافية واللغوية لشعوب القارة، وتطوير حلول لمشاكل الجفاف والتعدين بعيون محلية. إنها رسالة واضحة من تشيلي: نحن نمتلك الموارد، والآن نمتلك العقول التي تديرها.
وتعيد القارة اختراع نفسها إن ما يحدث فى فبراير 2026 ليس مجرد أحداث عابرة، بل هو إعادة ضبط للعلاقة بين الشمال والجنوب. من فنزويلا التي تفتح أبوابها للمستقبل، إلى المكسيك التى تقاوم الحصار، وصولاً إلى تشيلى التى تبنى عقلها الإلكترونى الخاص، أمريكا اللاتينية تعلن للعالم أنها لم تعد مجرد مزود للمواد الخام أو ممراً للمهاجرين، بل هى قوة جيوسياسية وتقنية صاعدة تمتلك الشجاعة لقول لا للهيمنة، والقدرة على ابتكار بدائلها الخاصة. إنه الربيع اللاتيني الذي قد يغير وجه العالم فى السنوات القادمة.