تغلّب العُرفُ على ما لا يحسمه النص؛ فكان التعديل الوزارى. لا شىء يُوجبه على رئيس الدولة؛ وإن ثبّتت السوابق مسألة إعادة تشكيل الحكومة عقب كل انتخابات برلمانية. وما شهدت الأسابيع الماضية منذ انعقاد مجلس النواب الجديد، جدلا أكبر من الاختلاف والاتفاق فى أمر الإدارة التنفيذية، وما إذا كانت القيادة السياسية ستذهب باتجاه النظر فى هيكلها الحالى، بالتغيير أو التجديد، أم تُبقى عليه انطلاقا من تقدير صلاحية مدبولى وفريقه، وهو ما يقع فى صلب الصلاحيات الرئاسية من دون شك أو تأويل.
حدث المعتاد فعلا، وقد كان سابقا فى الترجيح على سواه من الاحتمالات. السيسى نفسه رعى تلك التقاليد من قبل، والمؤكد أن لديه ملاحظات على أداء بعض الوزراء، كما أن للشارع ملاحظات أيضا.
وبين الاستقرار والحاجة إلى تجديد الدماء وإنعاش الأفكار، مساحة وسيطة لا ينقلب فيها الدولاب الحكومى رأسا على عقب، ولا يظل على الحال القديمة. مع عدم إنكار أن الرؤى قد تتفاوت بطبيعة الحال، ويقع الاختلاف على الشخص الواحد بين الإجادة وعدم التوفيق، أو تتقدم طموحات العامة لتسبق إيقاع المسؤولين، بحيث لا يكون الثبات مرضيا، ولا التحرّك أيضا.
لا ينشغل المواطن بشىء قدر معاشه وعلاقته اليومية بالدولة، وأشدهم انخراطا فى الشأن العام تتحدد رؤيته له فى النهاية من منظور شخصى خالص. حالة الاقتصاد، وتناسب المداخيل مع الأسعار، ومستوى الأداء والخدمات، كلها مفاتيح يحتكم إليها الجمهور ويحكمون بها على جهات الدولة.
ولا يُلامون فى ذلك قطعا؛ بل يتوجب الاستماع لهم، والاشتغال على الوصول إليهم بالشرح والإيضاح والإقناع، عبر الإمساك بالموجة الصالحة لاختراق العقول قبل الآذان، وقبلها امتلاك ما تتوافر فيه فاعلية التفسير والتبرير راهنا، والطمأنة والتبشير لاحقا، بما لا يجعل الكلام استهلاكا عابرا، ولا يُفقد الاتصال حرارته المطلوبة والضرورية للغاية.
وعلى ما فات؛ فالغالب على المجموع أنهم يراقبون ويترقبون، ولن يبادروا بإطلاق الأحكام المسبقة. الكفاءة معيار أساسى فى الاستوزار؛ لكنه يخص القيادة والنخب بأكثر مما يقع فى مجال اهتمام الفرد العادى. وكما انتظر مع حكومة مدبولى فى أطوارها السابقة؛ سينتظر نسختها المحدّثة على أمل واشتياق، قبل أن يجزم بما إذا كان مشرط الجراح الذى طالها، كان للعلاج أم التجميل. هذا فى الوجه الأوسع من المجتمع؛ أما بين القوى السياسية والفاعلين فى المجال العام، فالاختلاف على المشهد كله كان، وسيظل، من نوع آخر تماما.
لو أن الرئيس احتفظ بحقه فى الإبقاء على الحكومة بهيئتها القائمة؛ ما كان الموقف ليمر من دون نقد واعتراضات. ومع التعديل المحدود نسبيا لن يتغير الأمر كثيرا، وحتى لو استقال مدبولى بكامل فريقه وحل آخرون بدلا منهم؛ لأنتجت الساحة صيغة أخرى للتقييم وإقامة الحجة، بدءا من الرؤية والإطار السياسى والكفاءة وانتماءات الوزراء الجدد وخلفياتهم، وإلى الشكل والهيئة ولغة الكلام والتفتيش فى الذاكرة والسير الذاتية، عن أية شائبة أو مثلبة، ولا فرق فى ذلك بين المعارضة والموالاة؛ إلا فى الخطاب وتنوعاته بين المكاشفة الفجة والمُداراة المتذاكية.
مصر دولة ذات نظام رئاسى. ربما يصح القول إنه فى نقطة وسيطة مع الصيغة البرلمانية، انطلاقا من الترتيب الدستورى لعملية تكوين السلطة التنفيذية، حال رفض التشكيل المقترح من رئيس الجمهورية، بما يستتبع ذلك من عودة إلى الكتلة الأكبر فى مجلس النواب.
يبدو الكلام صحيحا فى الشكل؛ لكنه رمزى وغير عملانى فى المضمون، وعلى تلك الصيغة استقرت لجنة الخمسين فى كتابتها للوثيقة الدستورية بالعام 2014، ومنحت الرئيس صلاحيات واسعة بالتوافق بين أعضائها، بما يجعل الحكومة فريقا معاونا له، وليست شريكا موازيا أو يقتسم معه المهام التنفيذية بأنصبة متوازنة.
ولا واجبات من دون حقوق، والعكس كذلك. وإذا كان من مسؤوليات الرئيس أن يضع الرؤية العامة للدولة، ويشرف على استراتيجياتها وسياسات عملها؛ فتكوين الأجهزة المساعدة له يقع فى صلب الأدوات الخاصة التى يُمارس سلطته من خلالها؛ وإن بادر أو اضطُر لأسباب عدة إلى مراعاة الحالة الشعبية والتجاوب معها.
وبفارق المكانة والمكان والمعطيات؛ فقد يرى ما لا يراه الآخرون، أو تترتب الأولويات عنده على صيغة مغايرة لما يعتقده الناظرون من الخارج. والقصد ليس التبرير أو تمرير الإجراءات والقرارات بحصانة تعلو على النقد؛ إنما أن نقتنع جميعا بأن منطلقات التفكير قد تكون مختلفة فى أعلى الهرم، عن بقية مستوياته المتدرجة نزولا إلى القاعدة العريضة.
التنمية سؤال كبير، والأمن أكبر؛ لأنه شرط أساسى لها، ولا تقوم الدول وتنتظم فى غيبته. والأعباء الواقعة على الناس أولوية فى كل الأحوال؛ غير أن التحديات قد تُلزم صانع القرار بتثبيت بعض الأحوال والشخوص، لتأمين مستوى من الاستقرار يُجابه الظروف الضاغطة، ولا تتقدم فيه الخبرة والتمرس فحسب؛ إنما تنعقد الكفاءة فيه بتوافر الكيمياء واللغة المشتركة بين الفريق الواحد، أكان على مستوى مجلس الوزراء فى مجموعه وبين أعضائه، أم فى علاقاتهم الكلية والفردية مع مؤسسة الرئاسة وغيرها من المؤسسات والأجهزة الصلبة.
وبعيدا من إجادة وزراء الخارجية والداخلية والدفاع، على سبيل المثال؛ فلم يكن مُتصوّرا تحت أى اعتبار من التقييم أو الحاجة للإنعاش وتغيير الوجوه، أن يُنظر فى الحقائب الثلاثة معا ضمن أى تعديل مطروح. سبق أن تغير اثنان منها بالفعل؛ إنما فى ظروف أهدأ، ومع تثبيت عناصر أخرى أصيلة تشتبك معهم فى الملفات نفسها.
ومنتهى القصد؛ ليس أن وزيرا من الراحلين يستحق المغادرة أو لا، ولا نظرتنا للآتين بالتقدير المجرد لذواتهم بمعزل عن التركيبة وسياق اللحظة، ولكن أن العملية كلها شأن سيادى بنص الدستور وطبيعة النظام، وتتأسس شرعية القرار فيها على الانتخابات الرئاسية لا الاستحقاق البرلمانى، من دون أن يسلب ذلك أحدا حقه فى النقد والمناقشة، وفى المواكبة على طول الخط للوزراء القدامى والجدد.
ربما كان البعض يفضلون حكومة جديدة تماما، أو تعديلا أوسع فى الحجم وطبيعة الحقائب؛ لكن التغيير لا يُطلَب لأجل التغيير فحسب، ويتوجب أن يتأسس على منطق وضرورة، ولا يجور على مقتضيات اللحظة أو يتسبب فى إرباك أكبر مما يوفره من مشاعر طيبة.
وقد اختبرنا فى السابق وزراء من كل التيارات والألوان، بعد يناير 2011 وفى سنة الإخوان وإلى سنوات قليلة ماضية، وثبت أن جدارة القول لا تؤسس حتما لجدارة القائل، وأن الشعارات غير التنفيذ، وعملية التوفيق بين الدور الإدارى والحس السياسى، والدخول فى نسيج المنظومة دون تنافر أو كسر لفاعلية الاتصال، مهمة صعبة ومرهقة، وأخفق فيها كثيرون ممن داوموا على تخطئة غيرهم من موقع التنظير واستسهال المسائل المعقدة.
والمؤكد أن مدبولى أصاب فى أمور منذ اختياره للمرة الأولى بالعام 2018، ولم يُوفق فى غيرها كحال البشر كلهم وطبيعة العمل العام المعرض دوما لمؤثرات شتى. والضغوط الكثيفة لا تترك هامشا واسعا للحركة؛ أما القول بتغيير الوجوه حال استعصاء التغيير فى السياسات، فيبدو حديثا عاطفيا غرضه الإرضاء وتطييب الخواطر؛ وإن من دون أثر ملموس.
صحيح أن بعض التفاصيل الإدارية يمكن ضبطها وتحسين الجهد فيها؛ إلا أن الأزمات الحالية فى غالبها ليست محلية بالأساس. والمسببات الأصيلة للظرف الراهن، سواء كانت داخلية أو خارجية فى منشأها؛ فقد وقعت مع التطورات الإقليمية والعالمية تحت تأثير الرياح الآتية من وراء الحدود.
الفضاء الدولى تتسلط عليه حالة من عدم اليقين، وطوق النار يلف الدولة من جهاتها الأربع، وقضية الدين العام معقدة بأثر الواقع وتقلبات الأسواق الكبرى، والتضخم رغم تحسنه نسبيا؛ فإنه مدفوع من جانب العرض وأقرب إلى كونه مستوردا. وما تزال أزمة غزة ساخنة، والسودان لا يستقر على حال، فيما الإقليم كله فى عين العاصفة مع تصاعد مخاطر الذهاب إلى حرب جديدة على الجبهة الإيرانية، مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، أو كلتيهما معا.
قد لا يكون الدكتور مدبولى الخيار الأمثل؛ لكنه الأنسب مرحليا على الأقل. يحتاج الرئيس إلى ظهير تنفيذى على موجة واحدة معه، ويعرفان بعضهما جيدا، ويكون ضامنا ألا يُساء فهم التكليفات من جانبه، أو يتذبذب إزاء الحاجة إلى التفكير فى رد فعل القيادة على أى قرار أو إجراء.
وذلك؛ مع مراعاة أن التعديل بصورته المطروحة، فى وقت كتابة المقال قبل جلسة مجلس النواب بساعات، ينطوى على رؤية بشأن الملف الاقتصادى بعناصره الأساسية، خاصة التخطيط والاستثمار والتجارة والصناعة، مع تأهيل جديد للمجموعة الاقتصادية بقيادة وزير المالية، وبما يضمن الوصول إلى صيغة تنسيق شاملة تُوازن بين السياستين المالية والنقدية والأولويات التنموية المتقدمة على غيرها، فى ضوء خطة رشيدة لتقليص الأعباء وتعظيم الجدوى.
أما استحداث وزارة دولة للإعلام؛ فيقع فى صلب الحاجة إلى رؤية وخطاب حكوميين، على مستوى مجلس الوزراء وفى علاقته مع المجال العام. والبديهى أنها لن تكون على الوجه الذى عرفناه سابقا، انطلاقا من كونها وزارة دولة أولا، ومن الصلاحيات المنصوص عليها دستوريا للهيئات الإعلامية.
ونحن أحوج ما نكون إلى منصة اتصال عضوية بين الإدارة والشارع، وإعادة ضبط سياسات الوزارات وآليات عرضها للجمهور، بالإحكام والتناسب والتبسيط، وبشمولية لا تجعلها جزرا منعزلة عن بعضها، حتى فى الملفات المتقاطعة.
والأهم ضبط منظومة المتحدثين والمستشارين الإعلاميين؛ لأنها لم تكن فى أفضل حالاتها، ولا عند الحد الأدنى المقبول، وتحول بعضها إلى عبء على مؤسساتها، أولا بالهياكل الوظيفية والمالية، وثانيا بالقصور الواضح فى أداء مهامها، ما ترك الحبل لمواقع التواصل الاجتماعى أن ترغى وتزبد وتبث الشائعات بلا انقطاع، ودفع رئيس الوزراء فى عديد من الحالات إلى التصدى بنفسه للرد على أمور، هى بالأساس فى صلب المهام اليومية لمستويات أدنى منه كثيرا.
ليس العُرف فحسب؛ بل الحاجة بالتأكيد. التعديل إقرار بالتأخر فى بعض الوزارات، أو بأن محصولها لا يتناسب مع ما يُرتجَى منها وتقدر عليه. أى أن الاتفاق متحقق بالفعل بشأن بعض السلبيات أو مواطن القصور؛ وما دون ذلك أو أعلاه يعود إلى اختلاف وجهات النظر، وتفاوت المدخلات التى توفر من المعلومات لطرف ما لا يتوافر لغيره.
مع الإقرار بأن الرئيس لا مصلحة له فى الإبقاء على مسؤول يستحق الرحيل، ويعرف أنها حكومته فى المقام الأول، ولم يُعهد عليه التنصل من المسؤولية، بل كان يتقدم دوما فى القرارات الجريئة والمفصلية، ليأخذها على عاتقه ورصيده لدى الناس، بحسب ما تحدث به صراحة فى مناسبات عدة. والتعديل حقه الدستورى كما أسلفنا، ويقدره وفق الضرورة وما يتلاءم مع السياق المحيط، خارجيا وداخليا على قدم المساواة.
من المبكر الحكم على التشكيل الجديد. فقد يصيب الجدد فيما لم يُوَفق فيه سابقوهم، أو تطرأ حاجة تدعو إلى تعديل آخر، من دون انتظار الانتخابات أو تشكيل برلمان جديد. يعرف الرئيس أن تحديات الناس لا تقل صعوبة عن الدولة، وآمالهم أكبر، وحاجتهم ماسّة لرؤية أثر حقيقى فى الاقتصاد والتشغيل ومستوى المعيشة.
والحكومات أدوات عمل، لا وصفات نجاح بالضرورة، وتعديلاتها تنشأ عن اختبار تجربة، لتصب فى ابتكار بديل عنها، أى أنها وصفات متجددة لا تثبت على حال. تحتاج للرؤية تحت ظل استراتيجية عامة، وسياسات رشيدة وقابلة للإنفاذ؛ لكنها محكومة بسياق وحدود حركة ومناورة، والغائب لا يُبَرّر بالحاضر قطعا؛ غير أنه يجب ألا يكون قيدا عليه، أو يُصادره أو يصادر على فرصه من البداية.
سيُرحب فريق بالتعديل، ويمتعض فريق؛ وهكذا طبائع الأمور. العِبرة ليست بالوجوه الراحلة من الباقية وأعدادها، ولا بما يتصوّره البعض عن الحكومة، وما تتصوّره هى عن نفسها. المنظومة تُصلح بالبشر وتَصلح بهم، والفرد الواحد يُمكن أن يكون مفيدًا أو العكس فى حالين متطابقتين.
وفضلاً على تحديد الاستراتيجية وتحديث الرؤية، نحتاج إلى تحسين وسائل الاتصال بالشارع، وإغناء أداء السلطة التنفيذية بالأفكار والمداولات والحوارات المجتمعية، ووضع الناس فى القلب من تفاصيل العمل اليومى، بالإفصاح والمكاشفة والتفسير، وألا يكتفى الوزير التكنوقراط بتخصصه، أو يتعالى السياسى على التعلُّم والإفادة من الخبراء والمعنيين. تظل المسؤولية تكاملية؛ حتى لو كُنّا إزاء مسؤول ومواطن، إذ على الأول أن يكون نشطًا وفعالاً بكل ما أُوتى من قوّة، وعلى الثانى أن يكون مرآة تنعكس على وجهها الانفعالات وردود الفعل والاقتراحات والبدائل أيضًا أوّلا بأول.
بالمُتمنّى الذى فى داخلى، ربما كُنت أتطلع شخصيا إلى حكومة جديدة كُليًّا. وبالواقعى الذى أفكر من خلاله وأتحرك معه فى المهنة والحياة والمجال العام، أعتقد أن التعديل أنسب الخيارات المرحلية، بعيدًا من التفاوت الطبيعى فى الرؤى بشأن العدد والهُويّات.
الرئيس رقيب الحكومة الأوّل؛ بحُكم أنهم فريقه وأداة الوصول إلى إنفاذ رؤيته وتطلعاته. كما عليهم رقابة شعبية مُباشرة، لا تتوانى عن النقد ولا تتباطأ رسائلها فى الشارع وعبر أقنية الاتصال كلها. ويتبقّى الرقيب الدستورى المُمثّل فى مجلس النواب، بما له من صلاحيات واسعة، وأدوار تبدأ من النظر فى برنامج الحكومة، والاشتباك معه، ومواكبة حركتها الميدانية يوما بيوم، وفى صيغتها الجامعة أو على مستوى كل فرد منها.
ننتظر ونراقب، ولا نُؤخِّر النقد عن الامتداح، كما لا نسعى للاصطياد وتسجيل النقاط. نرجو التوفيق للوزراء، الجُدد والقدامى؛ لأننا فى قارب واحد، ولأنه لا شك فى إخلاص القصد، وأن الجميع يبتغون وجه مصر؛ وإن تعدّدت الطرائق وتمايزت الوصفات.