دائما ما يثور الجدل عند كل تغيير حكومى، هل التغيير فى الوجوه أم السياسات؟، وبعد انتهاء مرحلة التكهنات، والهبد والتوقعات، التى اتضح أن أغلبها بلا أصل، يفترض أن يكون التفكير فى موقع الحكومة ومهامها، ما الذى أوفى به الدكتور مدبولى من تعهدات، وما هى الملفات التى نجح فيها وتلك التى تعثر بها، ثم إن العمل الحقيقى ليس فقط تسيير العمل اليومى، فهذا دور كبار المديرين والموظفين، لكن ما ينقصنا غالبا هو الخيال، وأيضا ماذا يريد الناس من الحكومة، وهناك ملفات تحتاج بالفعل إلى عمل وخيال وليس مجرد تسيير أعمال.
ثم إن المقياس عادة على مجمل الأعمال، وليس بالقطاعى على حساب كل وزارة، فى يوليو 2024 قدم مدبولى عددا من التعهدات، وقال إنه سوف ينفذ توجيهات الرئيس للحكومة فيما يتعلق بملفات مثل الصحة والتعليم باعتبارهما ملفات مهمة وتتعلق بحياة البشر، وتضمن برنامج الحكومة الذى عرضه رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى، أمام مجلس النواب، تعهدات، منها مهام عاجلة خاصة بحل أزمة انقطاعات الكهرباء، أو ضبط الأسواق والسعى إلى خفض التضخم والسيطرة على الأسعار، وتطبيق قوانين العرض والطلب، وهى نقاط لم تتحقق تقريبا وبقيت الأحوال فيما يتعلق بالأسواق والأسعار قائمة، كما أنه لم يتم اتخاذ أى خطوات باتجاه تحديث الإدارة الحكومية بما يتناسب مع العاصمة الجديدة، التى توقعنا أن تنعكس على الأداء الحكومى، فإذا بالحكومة تستمر على نفس الخطوط بالطريقة السابقة.
تضمن خطاب تكليف الحكومة من الرئيس عبدالفتاح السيسى «أولوية لملف بناء الإنسان فى مجالات الصحة والتعليم، والمشاركة السياسية، وتطوير ملفات الثقافة والوعى»، ويومها تعهد رئيس الوزراء بالعمل على 4 محاور رئيسية، منها بناء اقتصاد تنافسى جاذب للاستثمارات، وأخيرا تحقيق الاستقرار السياسى والتماسك الوطنى، وتحدث أيضا عن توطين الصناعات المحلية والوطنية، مع التركيز على صناعات تكنولوجيا المعلومات والطاقة والصناعات الصغيرة والمتوسطة، والتركيز على الرقمنة والتحديث المعلوماتى ورفع كفاءة الأداء الحكومى، ودعم برامج التحول الرقمى وحلول الذكاء الاصطناعى، وفى هذا المجال بقى الحال قائما بنفس الطريقة، فيما يتعلق بالاستثمارات، طبعا أغلب الاستثمارات اتجهت إلى القطاع العقارى، أو السواحل، وبجهود سياسية رئاسية بالأساس، وهو ما يجعل من الصعب التأكد من أن الحكومة قدمت جديدا فى هذه المجالات.
أما فى الملفين الأهم التعليم والصحة، كان الأمل أن يتم تجاوز مراحل التجريب فى التعليم، والانتقال إلى خطوات عملية، بعد تعطيل البرنامج الأفضل لتطوير التعليم الذى قدمه الدكتور طارق شوقى، وعطله أصحاب المصالح، وربما كان يفترض أن تسير عليه الحكومة باعتباره مشروع دولة، وليس حكومة، وهناك بالفعل خطوات مهمة أتت بجهد رئاسى مثل المدارس اليابانية وباقى المشروعات التى كان يفترض التوسع بها لاستيعاب كل طلبات التلاميذ.
وهناك ملف الأبنية التعليمية، الذى يفترض التحرك فيه من الحكومة وليس من الوزارة فقط، باعتبار أن التعليم منظومة متكاملة تتطلب جهدا موسعا وعملا مستمرا، لإنجاز ملف هو الأهم فى سياق التحديث.
ونفس الأمر فى ملف الصحة والمستشفيات والعلاج، والذى كان من أبرز ملفات التعهدات، وما زال الملف بحاجة إلى عمل، وحتى ملف نواقص الدواء ما زال قائما، رغم أنه كان ضمن تعهدات حكومة الدكتور مدبولى عقب توليه الحكومة الثانية، وملف التأمين الصحى الشامل الذى توقف تقريبا عند المرحلة الأولى وبدايات المرحلة الثانية، وهو الحل المهم لقضية الصحة، بجانب العلاج الخاص والعام والفروق والتفاصيل الخاصة بتطوير المستشفيات العامة والمركزية، والتى تمثل الأغلبية من المستشفيات التى تخدم عموم المواطنين ممن ليس لأغلبهم اشتراكات فى برامج أو شركات تأمين.
أما ملف الإسكان فهو يشرح نفسه، ويحتاج إلى عمل حقيقى، رغم أنه فى تخصص رئيس الوزراء لكنه خرج عن المجال وتحول إلى ملف اتجار، بالرغم من تركيز الرئيس على أهمية تنفيذ بمبادرة سكن لكل مواطن، وهو ملف يتطلب مراجعة لمعرفة ماذا تحقق منه، بعيدا عن الوعود والمؤتمرات.
وإذا ذهبنا إلى المحور السياسى وتوسيع المشاركة، فهو واضح بشكل كبير، فقد تعهد مدبولى بتوسيع المشاركة، واكتفى بلجان وأخرى منبثقة لدراسة الحوار الوطنى انتهت به للأدراج.
كل هذا يضع الأمر فى سياق المحاسبة وكيفية التعامل مع تعهدات وملفات حقيقية تضع تساؤلات حول منح الثقة لحكومة حسب أدائها فى الملفات المتنوعة، والانتقال من الاجتماعات والبيانات إلى الفعل الحقيقى، وهو ما يفترض تقييم الحكومة على أساسه.
