أما ما حدث في أزمة الروايات المصرية الثلاث فهو شىء حزين ليس فقط بسبب موقف الوزير الذي طالما تغنى بقدرته على (احتضان) المثقفين بكل مشاربهم واتجاهاتهم الفكرية ... والذي يبدو أن "الإرهاق" طال بطول رحلته في الوزارة التي كان يسهل استدعاؤها إلى مجلس الشعب عند أي مناسبة وخاصة مع توغل التيار الديني داخل المجلس وفي النقابات والصحف والحياة العامة ... لدرجة أن الوزير نفسه يضطر للدفاع عن غلاف مجلة ((ابداع )) التي تصدرها الوزارة والذي كان يحمل لوحة عارية لتمثال أبدعه باعث فن النحت المصري الحديث محمود مختار بعنوان (ايزيس العاري) والذي طالب أعضاء مجلس الشعب بمصادرة المجلة ومحاسبة المسئول عن إصدارها.
هذه المرة نجد "فاروق حسني" مختلفا تماما فهو يقول لوكالة الأنباء الفرنسية بعد أن عين المخضرم محمد غنيم بديلا لعلي أبو شادي وبعد أن حمل مسئولية إدارة أزمة الروايات الثلاث لمجموعة من اليساريين!! وأن الوزارة قامت بمصادرتها باعتبارها ((مسيئة للقيم الاجتماعية)) ..هكذا!! وقال: "إن هذه الروايات التي تستخدم لغة سوقية في وصف المشهد الجنسي قصد منها إثارة أزمة في المجتمع المصري!! وأن من يكتب مدافعا عنهم في الصحافة هم يساريون لا يقف إلى جانبهم أحد!! (لاحظ فارق اللغة)..
كما قارن السيد الوزير بين موقفه هذا وموقفه في الأزمة الأولى التي وصفها بأنها كانت مفتعلة و (مدفوعة) من الخارج!! أما الأزمة الحالية فهي أزمة داخلية تقع ضمن مسئوليته كوزير للدفاع عن (القيم والأخلاق الاجتماعية) كما أن قراره بالمصادرة جاء لقطع الطريق على الإسلاميين بهدف منعهم من إثارة أزمة جديدة أثناء انعقاد الدورة الثالثة والثلاثين لمعرض الكتاب كما اتهم المسئولين عن هيئة قصور الثقافة بعدم قيامهم بدورهم في "مراقبةالنشر ووضعه ضمن إطار سياسة الوزارة وبأنهم مرروا مخططا!! سيئ النية للإضرار بالمجتمع المصري.
واختتم الوزير تصريحه في جريدة البيان أن الوزارة لم ولن تصادر أي كتاب تراثي لأن الكتب التراثية "ملك للجميع" بعد ما تردد حول منع ديوان للشاعر أبي نواس.. وأيضا الطبعة الأصلية لكتاب ((ألف ليلة وليلة)) – الذي سوف نعود إليه -.
واجه "الوزير الفنان" لأول مرة غضبا عارما شمل أغلب المثقفين المصرين فأصدروا بيانا في منتصف ليلة افتتاح معرض الكتاب داعين لمقاطعة كل أنشطة وزارة الثقافة بالمعرض احتجاجا على قمع الثقافة والمثقفين ومصادرة الإبداع ودعا الشاعر أحمد الشهاوي إلى اغتنام فرصة معرض الكتاب الذي يبدأ في 26 يناير لتحول الندوات الثقافية إلأى منابر تنقل رأي المثقفين المصريين للعالم العربي ولإدانة قرارات رئيس الوزراء ووزير الثقافة الذين تحدثا عن زيارة مصر الثقافية في وقت يدمران فيه الثقافة المصرية ويعودان بها إلى السبعينات!!
ومن حديث للوزير في قناة ART مع صفاء أبو السعود دافع عن رؤيته "لتحديث الثقافة" وأنه يتعرض لمؤامرة خاصة أِن الروايات لم تنشر وأنها وزعت على أعضاء مجلس الشعب مباشرة وعندما سألته المذيعة عمن وراء "المؤامرة" قال أن جهات كثيرة يهمها عدم استمراره في منصبه.
أما موقف الوزير هذه المرة داخل مجلس الشعب فقد وجه خطابه شاكرا إلى النائب الذي طالب باستجوابه لأنه لفته إلى خطأ ما قد يكون ارتكبه بعض الأدباء الموظفين في وزارة الثقافة!!
وفي حوار مع "المصري اليوم" بخصوص إقالة على أبو شادي قال إن الريح كانت (عالية) هكذا قال لعلي أبو شادي وأنه أجبر على إقالته وأن فاروق حسني بعد أن (قرأ) الروايات الثلاث يرى أنها ليست كتابات أدبية ولا إبداعات بل هي بالضبط كتابات جنسية لا يمكن أن توصف إلا بأنها تخرج من غرف نوم قذرة.
وخرج الأستاذ / سيف الإسلام البنا محامي الإخوان بعد أن توقف حزب العمل (الذي انقسم إلى 3 أجزاء) مستغيثا بأن (الديمقراطية في خطر).
كما وقف بجانب الوزير عدد من المثقفين المصريين منهم فوزي فهمي وعبد الرحمن الأبنودي (الذي أشرنا إلى موقفه) متهما المثقفين داخل الوزارة بالمسئولية عن نشر هذه الروايات المثيرة للجدل وأنهم لم يراعوا وصول الإسلاميين إلى البرلمان في الانتخابات الأخيرة وأن مافعله الوزير لا علاقة له بالديمقراطية بل إنه مجرد وضع حد لممارسات الموظفين المغالين في مواقفهم.
لكن الأمر لم ينته هذه المرة كالمرات السابقة فوزير الثقافة لم يتقدم باستقالته بل اعترف (بالخطأ) وأقال المسئولين ولم يحرص كثيرا على إرضاء المثقفين الذي ساندوه في كل معاركه السابقة وبدا ان كلامه يشبه احاديث "مسئولي الامن" أو "الأوصياء " على إبداع المبدعين!!.