لا ينفصل الشكل عن المضمون فى الصراعات الدولية. ويجب ألا يُقرأ أحدهما بمعزل عن الآخر. ومع تعدد وسائل التصعيد والتبريد، يصبح الكلام عن اختيار وسيلة دون غيرها أمرا وثيق الصلة بحدود التوازنات القائمة، وما يراها كل طرف عليه، أو يسعى إلى تغييره من عناصرها الأصلية والثانوية.
أى أن عيار القذيفة ومرماها وموعدها مداخل أساسية لتقييم طبيعة الاشتباك، كما هو الحال مع لغة التفاوض ومكانه وصيغته وما يُثار حوله من غبار أو يُضاء من مصابيح. وإذا كانت الحرب صورة أخرى عن السياسة؛ فإن أنماط الأداء فى الأخيرة تكون أقرب إلى التبديل بين الأسلحة والتكتيك وخرائط الانتشار.
اختارت إسرائيل أن تصل لأهدافها فى غزة بعد الطوفان من أردأ الطرق، وعبر خطة قتالية تجاوزت قدرات الغريم، وسعت إلى بلوغ الذروة من غير حاجة أو ضرورة عملانية. وعندما أُجبرت على التوقف أخيرا، أبقت الميدان فى نطاق التشغيل منخفض الوتيرة، لا التهدئة الكاملة.
ولا يغيب عنها أن القطاع لم يعد يحتمل مزيدا من الضغط، وأنه ما من مكاسب إضافية لتحقيقها تحت ستار النار؛ لكنها تعقد خيوط الداخل والخارج معا بإرادة خالصة من رئيس حكومتها، وتُعلق التفريط جنوبا على تطلعات عالية للإفراط شمالا؛ فكأنها تربط الساحات مع بعضها بالإرجاء، وتتموضع بعمليتها الحربية المستمرة على الجبهات الساخنة، فى القلب من ورشة التوافقات المدارة حاليا بين الولايات المتحدة وإيران.
انطلقت فى عملية ثأرية من حماس، حوّلتها لاحقا إلى مصيدة لاستدراج بقية أذرع الممانعة، وصولا إلى التصويب على الرأس مباشرة.
والحال؛ أنها أخرجت المسألة الغزية من نطاقها الثنائى المغلق، وجعلتها مكونا أصيلا فى رؤيتها لإعادة ترتيب العلاقة مع خصومها العقائديين، ووقودا لأطماعها فى ترسيم المنطقة على وجه مغاير لما كان قائما، وضبط المعادلة الجيوسياسية بطريقة لا تُبقيها تحت رحمة الاشتباكات المتقطعة مع الميليشيات الأصولية فى جولات لا تماثلية، ولا ترتضى فيها بإغلاق الصفحة المفتوحة دون حسم نهائى، كما سمحت وتعوّد خصومها فى حالات شبيهة سابقة.
وإذ يُجزّئ الطرف الآخر مكونات المشهد، ويتعامل مع كل تفصيلة فيه على حدة؛ فإنه يغيب عن وعى الفاعلين فيه أن تل أبيب لم تعد تجاريهم فى تلك الرؤية القديمة، وصارت تنظر للإطار الجامع لهم كحزمة واحدة، بعدما تتبعت الخيوط وتوصلت إلى إمكانية فكها عن بعضها، أو تقطيعها وبناء موانع مادية ومعنوية تحول دون التئامها مجددا.
وبينما انتهجت الوسائل الخشنة فى البداية؛ فإنها تستعين اليوم بفائض القوة الأمريكى فى إنجاز الغاية الكبرى بتكاليف أقل، أكان لجهة تخليصها من عبء الفصائل جنوبا، والضغط على الدولة اللبنانية شمالا لتصفية جرحها المفتوح مع ميليشيا حزب الله، وأخيرا تطويع الجمهورية الإسلامية، أو إجبارها على استفزاز واشنطن بما يُوطئ لدخولها فى جولة الحسم من نقطة الذروة.
إلى ما قبل الطوفان، كان ممكنا الحديث عن ساحات مترابطة بصمغ الممانعة، مع تمايز كل منها نسبيا عن غيرها؛ لكنها خلال السنتين الأخيرتين وضعت نفسها فى سلة واحدة، أو هكذا يراها الاحتلال الآن.
ما يعنى أن تمام التهدئة فى غزة لن يتحقق دون ترتيب الأوضاع فى لبنان، والعكس، وكذلك الأمر فيما يخص المُركب السياسى والطائفى المعقد فى العراق، وقبل كل هذا وبعده وضع النقاط على الحروف مع طهران.
فكأن الصمت الاضطرارى فى البيئات الطرفية المستتبعة لا يكفى وحده لطمأنة العدو أو تبريد حماوته، ولا تأطير عناصر القوة الإيرانية من دون تغيير تركيبة النظام الحاكم، وقطع الحبل السرى الذى يربطه مع دفاعاته المتقدمة على امتداد المنطقة.
ما يجعل المفاوضات الجارية فرعا من أصل تفجر فجأة فى غزة، بالدرجة التى يصح فيها القول إن القطاع نفسه فرع على تسوية الشواغل المعلقة مع الجمهورية الإسلامية ومرشدها الأعلى، ولا أمل فى النجاة إلا بالتوصل إلى صيغة إطارية شاملة بالتزامن، بينما تكفى شرارة واحدة تحت الرماد فى أية ساحة جانبية، لتأجيج المنطقة كلها مجددا، وفى أى وقت مفاجئ، ومع أية نية مبيتة من صقور اليمين الصهيونى، أو خطأ غير محسوب من الجهة المقابلة.
ولا يخفى أن نتنياهو لا يريد السلام؛ لأنه صعد منذ البداية على ركام أوسلو وجثمان رابين، ويتفاخر دوما بأنه السياسى الوحيد الذى لم يمنح الفلسطينيين شيئا، ولن يمنحهم فى أى مستقبل قريب، وبالتبعية لن ينزل لغيرهم عن شىء، ولن يُقصّر فى سلبهم كل شىء.
لقد أقر جزئيا بخطة ترامب فى غزة عن اضطرار لا قناعة، ويضبط انفعالاته تجاه الإدارة السورية الجديدة بالدافعية نفسها، ويبتلع مفاوضات البرنامج النووى الإيرانى على مضض، من دون التوقف عن محاولات إفسادها وتقديم الخيار القيامى البديل. يرضخ الرجل للإرادة الأمريكية رهبة ورغبة، لخوفه من الاصطدام مع ترامب، وحاجته إلى مساندته فى موضوع العفو وما يترافق معه من ترتيبات تضمن بقاءه فى الانتخابات المقبلة.
لكن موقفه الحقيقى يتظهر بوضوح على الجبهة اللبنانية، عبر مواصلة غاراته الجوية المنتظمة رغم ارتداع الحزب وتهاونه فى الرد، أو عجزه الكامل عنه، لا لشىء إلا أن واشنطن تترك لها الفضاء العريض وراء الليطانى ليتلهّى به، وينفّس فيه عن طاقته العدوانية العالية، ومساعيه لإبقاء حال الحرب؛ ولو كانت خافتة وغير مؤثرة واقعيا.
على أن جلاء الصورة بفجاجتها الحالية، وانعدام الخيارات لدى محور الممانعة بكل أطيافها، لا يُفهَم معه الجمود الراهن إلا من زاوية الاستناد للوهم، والرهان على المجهول. ذلك أن إمساك طهران بورقة الحزب يضر لبنان ولا يفيد إيران، كما أن بقاءه يعزز موقف الفصائل الفلسطينية على الأراضى اللبنانية، ويرفع منسوب تصلبها ومكابرتها فى القطاع؛ فيبدو الموقف أقرب إلى متوالية ذرائع تغذى إحداها الأخرى وتتغذى عليها.
ولا تنتهى السلسلة إلا عند التيار المتشدد فى بلاد فارس، الذى يُطوق حلفاءه وتابعيه، بوتيرة لا تختلف عن دبلوماسييه الذين يرسلهم لجولات التفاوض دون صلاحيات، ويجبرهم بتشدده على أن يوجهوا رسائل متضاربة فى كل الاتجاهات، ويتلقوا رجع صداها بمعانٍ محرفة وخاطئة تماما.
الإشارة القريبة لم تمر عليها ثمانية أشهر تقريبا. عندما انخرط الوفد الإيرانى فى ورشة حوار تبدلت جولاتها الخمس بين مسقط وروما، وغلّب فيها الطمأنينة على الحذر، والثقة فى حرفية صانع السجاد ومهارة تاجر البازار، على الشك فى جشع رجل الصفقات الأمريكى وتعجّله، رغم سابقة الإطاحة بقاسم سليمانى فى العراق قبل سنوات دون تمهيد أو تحذير. فما كان إلا أن فوجئوا بضربة القاذفات الثقيلة لمواقعهم النووية قبل ساعات من موعد الجولة السادسة.
ويبدو أنهم لم يستوعبوا دروس الماضى القريب، ويكررون التجربة من النقطة التى توقفوا عندها، أو أسوأ منها فى الحقيقة. عاد وزير الخارجية عباس عراقجى من سلطنة عمان ليمزج حديث الدبلوماسيين مع الجنرالات.
وبعدها، حضر اجتماعا فى البرلمان لإفادته بمجريات التفاوض، كان أبرز ما تردد فيها الفخر بالقدرة على فرض رؤاها بشأن المكان والزمان والصيغة، أى نقل اللقاء من اسطنبول إلى مسقط، وتحويله من عملية موسعة برعاية وسطاء إقليميين، إلى آلية ثنائية مغلقة وغير مباشرة، يحضر فيها وزير الخارجية العمانى بدر البوسعيدى كقناة اتصال محايدة وغير منخرطة فى موضوع النقاش.
قيل صراحة إن تحديد مكان المفاوضات وإطارها «يعكس اقتدار إيران فى الساحة الدبلوماسية». وبعيدا من حقيقة أن الطاولة الجديدة رتبتها عواصم المنطقة الكبرى، وأنها معنية بالمسألة لاعتبارات أمنية حيوية لا عن محبة لطرف أو كراهية للآخر؛ فإن افتخار صقور طهران بتحويل مجرى العملية السياسية ربما يعبر عن مواقف متحفظة بشأن بعض الوسطاء، أو عن رغبة فى عدم الظهور بمظهر الضعف.
غير أن الاحتمالات تتسع بالضرورة إلى مظنّة تحريك الزمن للوراء، بمعنى العود على بدء وترقيم اللقاء كجولة سادسة للقديم، لا أولى فى مسار جديد، مع ما ينطوى عليه ذلك من حصر الكلام فى الملف النووى وقضايا المخزون والتخصيب، وليس أى عنوان مضاف حديثا إلى رزمة البحث المطلوبة أمريكيا، ومنها برنامج الصواريخ الباليستية والأدوار الإقليمية المرتبطة برعاية أو دعم بعض الفاعلين من خارج إطار الدولة.
وإن صح النظر رمزيا لاختيار مسقط على أنه يُؤطر المفاوضات؛ فالقبول الأمريكى لا يعنى التسليم بالضرورة، كما يشتمل على إشارة تخص إبقاء الحلول الخشنة فى مدار الاحتمالات، باعتبار أن الضربة السابقة جاءت فى سياق التهيئة نفسها بتركيبتها الحالية.
ولا يعبر عن وضع البندقية على الطاولة، أكثر من استحضار قائد القيادة المركزية براد كوبر إلى غرف التفاوض، وأن ينتقل المبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر منها إلى ظهر حاملة الطائرات أبراهام لينكولن المتمركزة على مرمى حجر من الجغرافيا الإيرانية. وعليه؛ فإن ما يُتخذ منطلقا للفخر بتغيير المسار ورسم ملامح الاجتماع، يوجب القلق فى الوقت ذاته؛ لأنه لا يُنقّى الحاضر من رواسب الماضى، بل يُلوّح بقصد صارخ إلى ما كان، ويمكن أن يكون.
وامتحان الوقت الذى يُجيده الفرس، وأدمنوه طويلا، لم يعد صالحا للرهان بعدما تكشّفت حقائق الواقع الردىء، وسقط جدار الردع والغموض على رؤوس بنّائيه فى الداخل والخارج معا. ويمكن الجزم بأن الولايات المتحدة لا تريد الحرب، ولا تعرف ملامح ما بعدها إن اضطرت لخوضها؛ غير أن ذلك لا يُجيز الارتياح لفكرة انسداد أفق التصعيد بين البلدين.
وإذا كانت مطالب واشنطن أعلى كلفة على طهران من الصدام، فإن انسحابها أو إبقاء الجمود الحالى مكلفان للإدارة الأمريكية، والانتخابات النصفية قيد عليها فى الحالين، بمعنى أنها لن تغامر بدخول مواجهة مفتوحة وغير مأمونة العواقب، ولن تقبل أيضا بالعودة خالية الوفاض، مع ما فى ذلك من اعتراف بالإخفاق، وتشجيع للجمهورية الإسلامية على التحدى وتصليب مواقفها الحالية. والأخيرة لا تملك رفاهية الرهانات المعلقة على مزاجية ترامب وانفعالاته، وتصر على تجاهل أنها انتقلت من كونها ندا متكافئا، إلى طرف تنحصر خياراته بين أشكال عدة من التنازلات.
ومفهومٌ بالبديهة أن الجزء الغاطس من جبل الجليد أضعاف ما يبدو منه على السطح، والمقصود أن الغرف المغلقة والقنوات الخلفية يُقال فيها ما لا يُقال علنا، وربما يتضاد معه تماما. غير أن غابة الحكم فى نظام الملالى لا تبدو على موجة واحدة، والمرشد الأعلى ليس فى كامل لياقته، وهو واقع بين تأثيرات عديدة متضاربة.
كما أن الفوضى الداخلية صارت عاملا مؤثرا فى أى تفاوض مع الخارج، ما يمنع الصقور من الذهاب إلى تسويات تُفهَم على معنى الضعف؛ فتشجع المحتجين على الفوران مجددا.
وهنا يتحول الشكل بديلا عن المضمون، عندما ينحاز المأزوم إلى ظاهر القوة، عوضا عن البحث فى تفكيك الأزمة والنجاة من تداعياتها القائمة والمحتملة. بالضبط كما يفعل الحزب فى تمسكه بالسلاح مع انعدام فاعليته، وتفعل حماس فى مساعيها لإغاظة الصهاينة بالتعبير عن بقائها؛ ولو كانت تفتقد فعليا لكل مقومات البقاء والتأثير على الأرض.
والحل؟ لا مناص من الاعتراف بالهزيمة، مرحليا على الأقل، والاكتفاء بخسارة جولة واحدة بدلا من تعريض كل شىء لمخاطر التداعى والضياع. فى حالة حماس يتوجب الانصياع لشرط اللحظة، سعيا إلى تجنيب غزة كلفة الجمود وانقطاع الآمال. وعلى حزب الله أن يعود للدولة ويحتمى بها، ويكتفى بالتموضع السياسى بين مكوناتها، حتى لا يفقد آخر هامش لنجاتهما معا.
أما إيران فواجبها أن تُطلق سراح الأذرع المقيدة ولائيا إلى إرادة مرشدها الأعلى، مُعوّلة على أن تحريرهم من الالتزامات التى صارت معطلة يوفر لها طريقا لإنقاذ نفسها، وسلامتها تصب فى صالحهم وإن من زاوية غير مباشرة، إذ لا مصلحة للمنطقة كلها فى الإخلال بالتوازنات الحالية، وأن تبقى طهران أخف وزنا، أنفع لها وللآخرين من أن تتلاشى أو تتآكل ببطء من داخلها أو بضربة خارجية.
يعيش الإقليم مرحلة ولادة جديدة، شئنا أم أبينا، والمفاضلة ليست بين القديم والجديد؛ إنما بين أن تتسلط إسرائيل على السياق المحدث للجغرافيا السياسية ومفاتيحها، أو تتكاتف قواها الفاعلة فى تحقيق صيغة لا ترجح كفة العدو تماما، ولا تُغيّب إمكانات الإصلاح والتصويب لاحقا.
لدى القطاع فرصة فى أن يعيش بدون حماس، والعكس غير ممكن. وكذلك لبنان مع الحزب، وإيران مع النووى. كثيرون يعرفون طريق النصر؛ إذا توافرت لهم شروطه؛ لكن المهم أن تعرف كيف تُهزَم، والأهم أن تبقى على قيد الحياة والأمل بعد الهزيمة، ومهما كانت ثقيلة وقاسية.