تحول السادة الهبادين إلى حالة مثيرة للسخرية، ويبدو بالفعل أنهم أصبحوا يستمتعون باسم الهباد، باعتباره يميزهم عن زملائهم الفشارين، وخلال شهر، شكل الهبادون عشرين حكومة، وغيروا مئات الوزراء، ورشحوا عشرات الأسماء، ودمجوا وزارات واخترعوا غيرها، وأعلنوا عودة وزارات ملغاة، وظهور وزراء رحلوا من سنين، والنتيجة حالة من المسخرة أصبحت تظلل الزملاء، خاصة هؤلاء الباحثين عن دور، بجانب أن البعض تحول إلى ماسورة لتمرير فشرات المشتاقين فى كل وقت.
ومن مضحكات المفارقات أن واحدا من هؤلاء أطاح بأسماء، ثم عاد وأعلن عودتهم مرشحين، ثم أعلن أن وزارة ما سوف تعود، لأنه قرأ لدى أحدهم أن هناك لافتة فى العاصمة، ثم نبهه آخر إلى أن اللافتة موجودة من زمان، فعاد ليكذب نفسه ويصحح الهبد بمزيد من الهبد، ثم إن بعض كبار الهبادين ينقلون من بعضهم ويعيدون ما سبق لهم نشره، ولأن الكذاب لا يتذكر، فقد وقعوا جميعا فى بعضهم، ومن مفارقات السخرية أن الهبادين يتنافسون، ويتهمون بعضهم بالهبد، بل وبالسرقة، ويطلقون على ما ينتجوه من مخرجات أسماء «دلع» مثل انفراد، بينما هم مجرد مواسير تنتج عادما يعاد تدويره، والنتيجة حالة من التشويش، وتغييب لأى نوع من الحوار، أو مطالب الناس، بل إن بعض المشتاقين المزمنين يمررون الأخبار المضروبة والمعلومات المشمومة إلى الهبادين، ليداعبوا غريزة الهبد بكل يسر وتكرار ومن دون شعور بالخجل، والمفارقة أن الهبادين يتنافسون فى الهبد، ويتهمون بعضهم كأننا أمام فرح، الكل يمارس فيه التنقيط.
شخصية «عبده مشتاق» من اختراع الكاتب الساخر أحمد رجب، تعبيرًا عن أعداد وافرة من الخبراء والمحللين والأكاديميين ينشرون أخبارًا عن أنفسهم، وأنهم مرشحون للوزارة، لكنهم يرفضون، مع جملة مصحوبة باستعدادهم لخدمة البلد فى أى موقع، وقد رأينا فى السابق أعدادًا وافرة من «المشتاقين» قضوا سنوات يرشحون أنفسهم لمناصب من دون أن يحصلوا عليها، وحتى بعد أن تم تعيين أسماء من المشتاقين بعد يناير، اكتشفنا أن هناك فرقًا بين الكلام النظرى والواقع العملى، وكثيرًا ما نرى أساتذة وأكاديميين يجيدون الكلام والتحليلات، للاقتصاد والسياسة والطب والعلوم والصحة، وما أن يتولى الواحد منهم المنصب، حتى يغرق فى التفاصيل، ويعجز عن فعل أى شىء أو تطبيق نظرياته التى بشر بها.
وضمن ظاهرة المشتاق العارف العميق، رأينا بعض الأسماء أو الحناجر التى ظهرت فى برامج وبودكاست، لتلعب دور الفاهم العميق، ونجحوا بالفعل فى أن يجعلوا أسماءهم مطروحة فى تقارير الهبادين بكل سهولة، والواقع أن بعضهم له تجارب فى التلاعب والفساد أحيانا، ويراهنون على أن الناس تنسى، لكن طبعا عالم مواقع التواصل يمكن أن يلمع المشتاق، وبعض البرامج الفارغة تعيد إنتاج التافهين والمحترفين لمجرد أنهم يسعون لغسل أنفسهم، وهم ضالعون فى الكثير من المستنقعات، وإعادة إنتاج المشتاق الممزوج بالماضى الملوث والتلاعبات.
حتى لا نظلم عصر الاتصالات، فقد كان الهبد ظاهرة مستمرة على مدى عقود، فى مواسم التغييرات الوزارية، والمناصب، لكن الحقيقة أن الهبد أصبح ظاهرة يعين كبار منتجى الهبد حكومات ويقيلونها، ثم يشكلون غيرها من دون أى شعور بالخجل، وأصبح بعض المشتاقين المزمنين يجدون فى الهبادين مطية، فيسارعون بتسريب أسمائهم، والنتيجة أن عبده مشتاق يتفاعل مع أبوالعريف، لينتج هذا الهبد الانفرادى، الاصطناعى والطبيعى، ليستمر ويتوغل فى مواقع تتسابق فى صناعة الهبد بكل اشتياق، والأزمة أن هذا الوضع ينتج من غياب المعلومات فى سياق الاشتياق والهبد.