فى ظل استعداد مجلس النواب لعقد جلسته العامة اليوم في تمام الساعة الرابعة عصرًا، للنظر في التعديل الوزاري المقترح من الحكومة، لتبدأ مرحلة جديدة في إدارة الملف الثقافي المصري تستند إلى خبرات أكاديمية ودبلوماسية دولية واسعة، نستعرض تاريخ الثقافة المصرية قبل إنشاء وزارة الثقافة وحتى يومنا هذا.
منذ فجر التاريخ، كانت مصر موطنًا للفنون والآداب ومختلف تجليات الإبداع الثقافي، بما تمتلكه من حضارة خالدة أبهرت العالم وأرست ركائز الفكر الإنساني، وإذا كانت الحضارة في جوهرها هي التعبير الأسمى عن الثقافة، فإن مصر هي منارة الحضارة الإنسانية ومهدها الأصيل، التي عرفت الثقافة بكل أدواتها ومؤسساتها قبل أن تُعرف الوزارات بالمعنى الحديث.
وقد شهدت مصر عبر تاريخها الممتد مؤسسات وجمعيات وهيئات ثقافية، ودور نشر وصحف ومجلات، ومعاهد علمية وجامعات، أسهمت جميعها في توفير مناخ ثقافي خصب، أفرز أجيالًا من المفكرين والمبدعين الذين شكّلوا وجدان الأمة المصرية والعربية.
ما قبل وزارة الثقافة
قبل ثورة يوليو 1952، لم يكن هناك جهاز ثقافي قائم بذاته، واقتصر النشاط الرسمي على مؤسستين: دار الكتب المصرية، ومصلحة الآثار، وفي عام 1936، وتم إنشاء "إدارة عامة للثقافة" بوزارة المعارف، تبعها في 1955 إنشاء "مصلحة الفنون" لرعاية المسرح والسينما والفنون التشكيلية، ثم بدأت الأنشطة الثقافية تأخذ طابعًا رسميًا أكثر تنظيمًا بعد إلحاقها بوزارة الإرشاد القومي عقب ثورة يوليو، والتي تحوّل اسمها لاحقًا إلى "وزارة الثقافة والإرشاد القومي" عام 1958.
وفي عام 1965، استقلت الثقافة عن وزارة الإرشاد القومي لتصبح وزارة قائمة بذاتها، تحمل اسم وزارة الثقافة، وتضم تحت مظلتها مختلف الهيئات المعنية بالعمل الثقافي، وتتحول تدريجيًا إلى المؤسسة الوطنية التي ترعى الفكر والإبداع وتدعم الموهبة وتحمي الهوية المصرية.
من 1965 حتى 2013.. ترسيخ البنية الثقافية الوطنية
شهدت هذه المرحلة بناء جهاز ثقافي متكامل، يقوم على مجموعة من القطاعات والهيئات المتخصصة، منها ما هو خدمى للمواطن مباشرة، ومنها ما هو بحثي أو تنظيمي أو إنتاجي، وتشمل..
الهيئة العامة لقصور الثقافة
تُعد الذراع الجماهيرية الأوسع للوزارة، حيث تدير مئات القصور والمكتبات والمواقع الثقافية في مختلف المحافظات، وتُعنى بنشر الثقافة في الريف والمراكز، عبر الندوات، الورش، عروض المسرح المحلي، التعليم غير النظامي، وتدريب المواهب في الفنون التشكيلية والمسرحية والموسيقية.
الهيئة المصرية العامة للكتاب
مسئولة عن النشر الثقافي الرسمي للدولة، وتصدر مئات العناوين سنويًا في الفكر والأدب والتراث والعلوم الإنسانية، وتُعد الجهة المنظمة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، أحد أكبر معارض الكتب في العالم العربي، وتُشرف أيضًا على مكتبة الأسرة وسلاسل النشر المدعوم.
قطاع الفنون التشكيلية
يدير شبكة من المتاحف الفنية والمراسم والاستديوهات، وينظم المعارض القومية والدولية، ويعمل على رعاية الفنانين التشكيليين وحفظ التراث البصري المصري، ويتولى ترميم المقتنيات الفنية النادرة.
البيت الفني للمسرح
يشرف على الفرق المسرحية القومية في القاهرة والمحافظات، ومنها المسرح القومي، ومسرح الطليعة، والمسرح الحديث، والمسرح الكوميدي، ومسرح الطفل، وينتج عروضًا تعكس قضايا المجتمع وتستند إلى التراث المسرحي المصري والعالمي.
البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية
يحافظ على التراث الغنائي والاستعراضي المصري من خلال فرق مثل "فرقة رضا"، و"الفرقة القومية للفنون الشعبية"، و"السيرك القومي"، و"فرقة الإنشاد الديني"، و"الموسيقى العربية"، ويُعد أحد حماة الذاكرة الثقافية الشعبية لمصر.
المركز القومي للسينما
يُنتج الأفلام التسجيلية والوثائقية والتوعوية، ويقوم بالأرشفة الرقمية والبصرية لذاكرة مصر، ويقدم الدعم للفنانين الشباب وصناع الأفلام المستقلة.
أكاديمية الفنون
تُعد المؤسسة التعليمية المتخصصة الوحيدة في الوطن العربي التي تُعنى بتعليم الفنون أكاديميًا، وتضم معاهد عليا للمسرح، والسينما، والموسيقى العربية، والكونسرفتوار، والباليه، والنقد الفني، والفنون الشعبية، وتخرج منها أجيال من الفنانين المرموقين في مصر والمنطقة.
دار الكتب والوثائق القومية
تُعد المكتبة الوطنية والأرشيف القومي لـ مصر، وتُشرف على حفظ المخطوطات والوثائق التاريخية، وتقديم خدمات بحثية، وتنظيم ندوات علمية وفكرية، وهي من أقدم المؤسسات من نوعها في العالم العربي.
المجلس الأعلى للثقافة
الجهة المنسقة للسياسات الثقافية والفكرية، ويضم لجانًا متخصصة في مجالات الآداب والعلوم والفنون، وينظم المؤتمرات الثقافية الكبرى، ويدير جوائز الدولة التشجيعية والتقديرية والنيل، ويصدر دراسات ومجلات بحثية.
صندوق التنمية الثقافية
تم إنشاؤه لتمويل المبادرات الثقافية غير التقليدية، ويدير مجموعة من المواقع المميزة مثل "بيت السحيمي" و"بيت الهراوي" و"ساحة الهناجر" و"مركز الإبداع الفني"، ويعمل على دعم الصناعات الثقافية والحرف التراثية وتمويل المشروعات الثقافية الشابة.
المركز القومي للترجمة
تأسس ليكون الجهة المركزية المسئولة عن ترجمة الأعمال الفكرية والعلمية من وإلى العربية، وقد أطلق مئات العناوين المترجمة عن لغات متعددة، مما ساهم في بناء جسر بين الثقافة المصرية والثقافات العالمية.
الأكاديمية المصرية للفنون في روما
أُسست عام 1929، وتُعد أقدم مؤسسة ثقافية عربية في الخارج، وتعمل منذ تبعيتها لوزارة الثقافة على عرض الإنتاج الفني المصري في أوروبا، واستضافة الفنانين المصريين المقيمين والزائرين، وتنظيم معارض وندوات وعروض سينمائية وموسيقية تعكس الوجدان المصري.
المركز القومي لثقافة الطفل
معني بإعداد وإنتاج أنشطة ثقافية وفنية مخصصة للأطفال، سواء في الكتب، أو المطبوعات، أو العروض المسرحية والمهرجانات.
وقد شكلت هذه الكيانات قاعدة صلبة للمشروع الثقافي المصري الوطني، الذي تواصل وتراكم خلال عقود متتالية، وساهم في الحفاظ على هوية مصر، وتنوعها الثقافي، وريادتها الإقليمية، كما مهد الطريق لما تحقق بعد ذلك من انطلاقة واسعة بعد ثورة 30 يونيو.
ما بعد 30 يونيو.. مسار جديد للثقافة المصرية
شهدت وزارة الثقافة منذ ثورة 30 يونيو 2013 تحولًا نوعيًا في رؤيتها ومهامها، انسجامًا مع رؤية الدولة لبناء الإنسان المصري وتحصينه وعيًا وفكرًا. وقد تجلت ملامح هذا التحول فيما يلي:
تحقيق العدالة الثقافية من خلال الوصول بالأنشطة الثقافية إلى جميع المحافظات والمناطق النائية، عبر قوافل ثقافية ومكتبات متنقلة ومبادرات تستهدف الفئات الأولى بالرعاية.
تطوير البنية التحتية الثقافية، من خلال تجديد وافتتاح عدد كبير من قصور الثقافة والمسارح والمعارض، وإنشاء مراكز ثقافية جديدة في الصعيد والمحافظات الحدودية.
إطلاق مشروعات قومية لتعزيز الهوية، مثل مشروع "ابدأ حلمك" لاكتشاف المواهب المسرحية، و"حياة كريمة ثقافيًا"، ومبادرة "ثقافتك كتابك" لتشجيع القراءة.
دعم الصناعات الثقافية والإبداعية، والاهتمام بالتراث غير المادي، وتكثيف التوثيق الرقمي، والربط بين الثقافة والتكنولوجيا.
تعزيز الحضور الدولي للثقافة المصرية عبر المشاركة الفاعلة في معارض الكتب والمهرجانات الدولية، وتوقيع اتفاقيات تعاون ثقافي مع الدول الشقيقة والصديقة.
تنمية المواهب وتبني الإبداع من خلال مؤسسات متخصصة مثل أكاديمية الفنون، وهيئة قصور الثقافة، والمركز القومي للسينما، وإطلاق الجوائز القومية في مختلف فروع الإبداع.
وبذلك أصبحت وزارة الثقافة في مرحلة ما بعد 30 يونيو لاعبًا رئيسيًا في معادلة التنمية المستدامة، وشريكًا فاعلًا في مشروع بناء الإنسان المصري على أسس من الوعي والانتماء والتنوير.
الرؤية
تسعى وزارة الثقافة إلى بناء منظومة قيم ثقافية إيجابية تقوم على احترام التنوع والاختلاف، وتمكين الإنسان المصري من الوصول إلى المعرفة والإبداع، وتعزيز تفاعله مع معطيات العصر، مع ترسيخ وعيه بتاريخ مصر وتراثها الحضاري، ليصبح للثقافة دور فاعل في دعم التنمية الشاملة، ومصدرًا لقوة مصر الناعمة إقليميًا ودوليًا.
الرسالة
تلتزم وزارة الثقافة بتعزيز قيم المواطنة والانتماء للهوية المصرية، والارتقاء بالحياة الثقافية من خلال دعم المبدعين والموهوبين، ونشر الفنون والآداب دون تمييز، وتحقيق العدالة الثقافية في مختلف ربوع مصر، فضلًا عن ترسيخ ريادة مصر الثقافية على المستوى العربي والدولي.