اقتباسات ملفقة.. كيف تحول الأدباء إلى ضحايا التزوير على السوشيال ميديا

الثلاثاء، 10 فبراير 2026 12:00 م
اقتباسات ملفقة.. كيف تحول الأدباء إلى ضحايا التزوير على السوشيال ميديا اقتباسات مزيفة

محمد عبد الرحمن

في عصر منصات التواصل الاجتماعي أصبح تداول الاقتباسات والأقوال المنسوبة لكبار الأدباء والمفكرين والعلماء أمرًا شائعًا، لكن الحقيقة أن كثيرًا منها مزيف أو خارج السياق تمامًا، ويُستغل لإضفاء ثقل فلسفي أو أدبي على منشورات على فيس بوك وإنستجرام وتويتر، بعيدًا عن الأخبار الكاذبة والشائعات، نجد صفحات ومواقع تنشر أقوالاً ملفقة عن أسماء عالمية، وغالبًا ما يكون الناشرون غير مطلعين على أعمال هؤلاء الأدباء، ولا يمتلكون أى معرفة علمية أو نقدية كافية للتحقق من صحتها.

 

رواد الأدب بين الحقيقة والزيف

أثار الدكتور شوكت المصري، أستاذ النقد بأكاديمية الفنون، جدلًا واسعًا حين كتب على حسابه الشخصي على فيس بوك حول بيت شعري لأبي العتاهية: "وعند الله تجتمع الخصوم"، مشيرًا إلى أن كثيرًا من مستخدمي المنصات يضيفون بعده "صدق الله العظيم" أو "صدق رسول الله" خطأً، ما يحرف النص عن أصله ويضلل القراء.

أما صوفيّو التاريخ مثل جلال الدين الرومي وشمس الدين التبريزي، فقد أصبحا الأكثر تداولًا على منصات التواصل، رغم أن كثيرًا من الاقتباسات المنسوبة إليهما ليست إلا نتاجًا روائيًا، مثلما يظهر في رواية التركية أليف شفق "قواعد الحب الأربعون"، حيث صاغت الكاتبة بعض الأفكار بأسلوب مستوحى من تعاليمهما، فانتشرت لاحقًا على أنها أقوال أصلية للرومي والتبريزي، ليتم تداولها على نطاق واسع باعتبارها دروسًا حياتية وفلسفية.

 

الأدباء الكبار وأقوالهم المزورة

الأمر لم يقتصر على الأدباء الصوفيين، ففيودور دوستويفسكي، نزار قباني، تولستوي، شكسبير، محمود درويش، آينشتاين، غاندي، وفولتير جميعهم تعرّضت أعمالهم لاقتباسات ملفقة على نطاق واسع، فنجد على سبيل المثال العبارة المنسوبة إلى نجيب محفوظ: "كنت أظن أن القوة في الرد ولكن أدركت أن القوة في الصمت والتجاهل"، منتشرة جدًا على مواقع التواصل، لكنها غير موجودة في أي من مؤلفاته، وتتناقض مع فلسفته التي تقوم على الحوار والتحليل.

مقولة شهيرة تنسب إلى فولتير: "قد اختلف معك في الرأي، ولكنني على استعداد أن أموت دفاعًا عن أن تقول رأيك"، وقد نفاها الباحثون وأصلها يعود إلى كتاب صدر عام 1906 بعنوان "أصدقاء فولتير"، حيث أدرجت الكاتبة العبارة ضمن علامات تنصيص، فظنها القراء مقولة أصيلة.

بعض المقولات المنسوبة إلى دوستويفسكي على وسائل التواصل مثل: "حين يقول لك أحدهم قلبي مهجور، لا تكن أحمقًا وتعزيه فلقد أراد أن يقول لك بطريقة أخرى: اجعله مأهولًا بك"، أو "لا تعترف بالحريق الذي في داخلك، ابتسم وقل أنها حفلة شواء"، كلها غير موجودة في أي من أعماله الأصلية.

 

الفيلسوف نزار قباني بين الحب والزيف

حتى شعراء العصر الحديث لم يسلموا، مثل نزار قباني، الذي غالبًا ما تُنسب إليه عبارات رومانسية أو نصائح للتنمية البشرية لم يكتبها، ومنها: "من الغباء الاعتقاد أن المرأة تزهر في سن معينة.. المرأة تزهر مع رجل معين"، و"أدب الناس بالحب، ومن لم يؤدبه الحب يؤدبه المزيد من الحب"، أو "الحب لا يتخير مناسبة"، وهي عبارات غالبًا ما تكون مستلهمة من كتابات مبتدئين وتُنسب له لإضفاء قيمة عليها.

 

أمثال شعبية على وزن الشعر

ومن أبرز الظواهر اللافتة في عالم الاقتباسات المزورة على مواقع التواصل الاجتماعي: نسب الأمثال الشعبية أو المقولات العامة إلى الأدباء والمفكرين، كأن تُنسَب لهم عبارات كان يُفترض أن تعكس حكمتهم أو فلسفتهم، لكنها في الواقع لا تمت لهم بصلة. هذه الظاهرة لم تعد مجرد خطأ عابر، بل أصبحت جزءًا من التضليل الفكري الذي يتعرض له القراء يوميًا، وتستغل فضولهم وحبهم لمعرفة كلمات "العمالقة".

من بين الأمثلة الشائعة: "بعيد عن العين، بعيد عن القلب": يُنسب أحيانًا إلى شعراء أو كتاب، لكن أصله مثل شعبي قديم، ولا علاقة له بأي فلسفة أدبية أو نقدية محددة. نشره على أنه قول لأديب كبير قد يعطيه وزناً أكبر عند القراء، لكنه في الواقع يضللهم حول مصدر الحكمة الحقيقية.

"كل الطرق تؤدي إلى روما": جملة مأثورة تحمل معنى مجازيًا، لكن نسبتها إلى كُتاب أو مفكرين معروفين يُضخم من شأنها ويُضلل المتلقي، خصوصًا إذا تم تقديمها كدرس فلسفي أو قيمة حياتية مستخلصة من أعمالهم.

"إذا لم تنجح من المرة الأولى، فحاول وحاول مجددًا": مقولة شائعة في كتب التنمية البشرية الحديثة، لكنها تُنسب أحيانًا زورًا إلى أدباء أو علماء، ما يمنحها صبغة "علمية" أو "ثقافية" مزيفة، ويخدع القارئ حول خلفية النص وأصله.

 

لماذا تنتشر الاقتباسات المزورة؟

يرى خبراء النقد الأدبي أن هذه الظاهرة ليست مجرد ترف فكري أو سذاجة في النقل، بل تمثل خطورة حقيقية على تاريخ الأدب والفكر. فالاقتباسات المزورة تشوه صورة الأدباء، وتخلق تصورات خاطئة عن فلسفتهم وأسلوبهم، خصوصًا بالنسبة لجيل الشباب الذي قد يتعرف على هؤلاء العمالقة لأول مرة عبر منصات التواصل الاجتماعي.

هذه الأمثلة، وغيرها الكثير، تُظهر حجم التضليل الذي يتعرض له القارئ، وما يمكن أن يتركه من تأثير كبير على فهمه للأدب والفكر. فالتحريف أو النسخ غير الموثوق من المقولات قد يغير من تصور الجمهور للشخصية الحقيقية للأديب، ويجعل القراء يعتقدون أنهم يحصلون على حكمة أصيلة من عمالقة الأدب، بينما هي في الواقع مجرد أقوال عامة أو مقتبسة من سياقات أخرى.

إن هذا السلوك الرقمي يطرح سؤالًا مهمًا حول مدى قدرة القارئ على تمييز الحقيقة من الزيف في عالم غزته المعلومات المضللة، وما إذا كانت الأدوات المعرفية التي يمتلكها كافية لتحديد المصادر الحقيقية للأقوال، خصوصًا عندما يُقدّم المحتوى بأسلوب يوحي بالموثوقية والثقل الثقافي.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة