حازم حسين

هدايا وخطايا وأطواق نجاة.. عن نتنياهو بين رهان الخارج وحصار لن يبدأ إلا من الداخل

الأحد، 01 فبراير 2026 02:00 م


أفلت العجوز من فخه الأول، ويناور فى البقية. خطوطه مفتوحة على بعضها بإرادته، ويلاعب الجميع بالجميع، كانت الأسابيع الأخيرة ساحة اختبار لقدرته على المواءمة وتطويع الائتلاف من داخله، ونجح جزئيا فى تطمين الرؤوس الحامية من الحريديين؛ ليفوز بتمرير الموازنة الجديدة بالقراءة الأولى، وينجو مرحليا من التهديد بحل الكنيست والاضطرار للذهاب إلى انتخابات مبكرة.

وبدءا من اليوم لديه أقل من شهرين لإتمام الصفقة، فى مقابل مشروع قانون الإعفاء من التجنيد، أو اختراع أزمة جديدة يُطيل عمر التسويات المؤقتة تحت دخانها الكثيف.

نتنياهو بارع للغاية فى شراء الوقت. عاد إلى الحكومة باتفاق على إعفاء طلاب المدارس الدينية، وإلى اليوم لم يمنحهم ما وعدهم به.

ضرب غزة للثأر من هجمة حماس وإعادة بناء جدار الردع، وتنقل منها إلى ساحات تقدمت من الهامش إلى الواجهة، وما تزال الحرب الأساسية معلقة على كل الاحتمالات، أو هكذا يريدها.

استهلك إدارة بايدن، ويُجرّب الحيل كلها مع ترامب ورجاله، وما قيل إنه محسوم من جهة واشنطن يظل عرضة للمناكفة الدائمة من جانبه.

عين على لبنان، وأخرى فى دمشق، والاثنتان تخترقان السدود المنيعة التى بنتها إيران حول نفسها، ولا غاية له إلا أن يظل قادرا على إطلاق الرصاص فى كل الأحوال، وإرباك الميادين جميعا من أية زاوية يصوب عليها، أو تُواتيه بالذرائع الكافية ليغرى بها الأمريكيين، أو ينتزع منهم الضوء الأخضر.

يعود معبر رفح إلى العمل اليوم، بحسب الإعلام العبرى وما قاله رئيس لجنة التكنوقراط الفلسطينية على شعث. الأولى أشارت إلى تشغيل منخفض الوتيرة للأفراد حصرا، وعند أقل حد ممكن. والأخير أشار إلى أن الأحد لاختبار الآليات، يعقبه التفعيل الكامل فى الاتجاهين بدءا من اليوم التالى.

ونظريا؛ نجحت الضغوط فى إجباره على ما كان يأباه سابقا، فى مقدمة للانتقال نحو المرحلة الثانية من خطة ترامب. أما عمليا؛ فما زال يحدث نفسه بتفريغ الخطوة من مضمونها، وإطالة حبل الأمل دون أثر حقيقى ملموس أو فارق بشأن التوازنات القائمة.

ورغبته فى الاحتيال أولها استحداث نقطة تفتيش تالية لبوابة العبور، والتطلع لأن تكون مقاصة الداخلين مع الخارجين بالسالب، وأن تُعلق خطط التعافى وإعادة الإعمار على ملف السلاح، مع التلويح بأنه قضية القضايا فى الفاصل الجديد، وما لم يُنزع بسهولة؛ فسيعود للأخذ بزمام الأمور ونزعه بالطريقة الأصعب.

بعد نحو أسبوعين يطير إلى واشنطن، فى زيارة تمتد خمسة أيام تقريبا. يلتقى فيها ترامب للمرة السابعة فى غضون سنة واحدة، بعدما قضى قرابة تلك المدة قبل أن يرحب به البيت الأبيض فى بادئ ولايته، ويلتقيه بايدن على خلاف العادة الراسخة مع كل حكومة جديدة فى تل أبيب.

السبب المباشر تلك المرة حضور مؤتمر آيباك السنوى، وإلقاء كلمة أمام قادتها من رموز جماعات الضغط الصهيونية فى الولايات المتحدة؛ غير أنها لن تخلو بالضرورة من مداولات بشأن الجبهات الساخنة، ومصارين المنطقة التى أخرج الاحتلال بعضها بالقوة العارية، ويتطلع لإسناد أمريكى فى تفريغ بقيتها بالتطبيع ورؤى السلام الاقتصادى.

يعرف زعيم الليكود أنه مسيّر فى ملف القطاع؛ لكنه لا يُسلّم بانعدام خياراته بشكل كامل. وإذ يُزاحم اللجنة الانتقالية منذ ما قبل تشكيلها، فإنه يراهن على فشلها، وتأخير نشر قوة الاستقرار الدولية لأطول مدى ممكن، ويُمنّى نفسه بألا تخذله حماس، أو تتوقف عن عادتها فى موافاته بالهدايا المجانية، على مواعيد مثالية وقبل أن يطلبها.

والثلاثة يجب أن تتداخل معا لتتحقق له الفائدة المرجوّة، بمعنى أن نجاح الإدارة الجديدة ونشر عناصرها الأمنية يسلبه شيئا من وجاهة البقاء عند التموضعات الحالية، وإشهار بندقيته فى وجه الإرادة الأمريكية.

مُجاراة الحركة للخطة التى ارتضتها ووقعت عليها تسد أمامه الأبواب، وإحلال القوات الخارجية المنصوص عليها فى قرار مجلس الأمن رقم 2803 يبنى جدارا عاليا بين حقبتين زمنيتين مختلفتين تماما عن بعضهما. ولا سبيل لتغيير المعادلة بإطالة الوقت وحدها؛ إلا أن تتبدل الأوضاع فى نطاق بعيد؛ فتُرجئ التنفيذ وتُربك الحسابات بشأن القطاع.

غير أن سوريا خرجت نسبيا من قبضته، لا بإعادة تنشيط جولات الحوار السياسية فحسب، بل باضطراره إلى التوافق على تغيير التركيبة المستقرة للأكراد شمالا وشرقا، دون إمساك بالخيط أو وقوف صلب على حلم «ممر داود»، ويُحتمل أن تتكرر التجربة مع الدروز جنوبا، ولو برقابة وضمانات روسية.

وكذلك الحال فى لبنان، إذ لم يتوقف عن خرق الاتفاق منذ توقيعه، وتصعيد الوتيرة قد لا يغير الكثير؛ لأن الحزب عاجز عن المواجهة أصلا، والإجهاز عليه لن يستحث رعاته فى طهران على أن يهبوا لنجدته، وقد باعوه سابقا.

بينما الاتجاه إلى الرأس يحقق الهدفين معا، على ما قال نعيم قاسم مؤخرا بشأن إسناد الجمهورية الإسلامية، وأنه لن يكون على الحياد فى أية مواجهة ممكنة.

حشد الأمريكيون أرمادا بحرية حاشدة فى المنطقة، وأعادوا تنظيم قواتهم وتموضعها واتخاذ تشكيلات الحرب واستعداداتها الكاملة. والأرجح إلى الآن أنها ضغوط مادية ونفسية لأجل الترويض، وأن ترامب لا يريدها فعليا لتعقد الحسابات فيها، وعلوّ المخاطر حال إسقاط النظام الإيرانى، أو حتى تركه أضعف مما هو عليه حاليا.

على أن نتنياهو ظل يطلبها طيلة شهور، ومنذ انتهاء الجولة الأولى فى يونيو الماضى؛ بما لا يستقيم معه الادعاء المتردد بأنه طلب من واشنطن إرجاء الضربة، لاعتبارات أمنية أو لحين استكمال منظومته الدفاعية؛ لا سيما أن الإشارة تأتيه مشمولة بالمبادرة من جانب الحليف الأكبر، لا بانخراطه منفردا على أمل المساندة اللاحقة.

الحدث عن إبطاء تل أبيب دعائى أكثر من كونه واقعيا، والتعقل لا ينسجم مع طبيعتها. وكل ما يُراد منه أن يبدو متأخرا خطوة عن ترامب، فيما لا يتوقف عن صب الزيت على النار فى الكواليس. فإذا كان مردوعا عن إفساد التسوية فى غزة، أو السعى لتجميدها عند الوضع القائم، فليس أقل من أن يطلب مقابلا يتناسب مع ما يراه تضحية كبرى.

وإذا أُضيف الملف السورى يإكراهاته الموضوعة فى وجه نتنياهو، رغم انفتاح المجال وتوافر القدرة على تحقيق مكتسبات أكبر؛ تكون الترضية المقنعة له فى تحييد الممانعة على الأقل، وبشكل دائم لا مرحلى، وهو ما لا يتحقق إلا بالوصول إلى الهضبة الفارسية مباشرة. أى أنه يتمنّع ظاهرا، ويُغذّى كل مسببات التسخين ودفع الإدارة الأمريكية نحو افتتاح الجولة الثانية، على أن يتبعها لتحقيق أغراض خفية تخصه، والانتفاع بعائد الفوضى وتأجيج الإقليم فى الارتداد على القطاع، أو إخراجه من مسار الحلحلة إلى الجمود أو الإبعاد عن مجال النظر.

على مدار الأيام الماضية، ضُربت مواعيد عدة لساعة الصفر، ثم بشر المغرمون بسيناريوهات المشاكلة الزمنية بأن الضربة فى أول فبراير، التاريخ الذى عاد فيه الخمينى من منفاه إلى طهران بالتزامن مع نجاح الثورة. والباعث على اقتفاء التقويم أن اختطاف الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو فى الثالث من يناير، توافق مع يوم القبض على مانويل نورييجا فى بنما قبلها بست وثلاثين سنة.

وإذا كان ترامب عصيا على التوقع؛ فإن أيام إيران الصالحة لإعادة إنتاج مشهد المماثلة والترهيب عديدة وتفوق الحصر. قبل أقل من أسبوعين كانت ذكرى تحرير المختطفين بالسفارة الأمريكية فى طهران، وبعد عشرة أيام مناسبة إطاحة الشاه قبل سبع وأربعين سنة، ثم المحاولة الأولى لاقتحام السفارة فى 14 فبراير، وصولا إلى اقتحامها الفعلى فى 4 نوفمبر.
بما يفتح القوس بين تفويت موعد مثالى للضربة، أو انتظارها تسعة شهور مقبلة. ترامب ليس مغرما بالمشاهد السينمائية فى ذاتها؛ بل بما يتولد عنها من أثر دعائى واقتصادى وفى نفوس الخصوم، والمؤكد أنه لن يعود دون دم أو مال وتوافقات سياسية؛ لكنه غير مقبل على القتال كخيار وحيد كما يتوهم البعض.

لا تُلام إيران على التحرش بها؛ لولا أنها استدعته بالخفة، وبعدما زادته اشتعالا بإبقاء مزيد من الحطب فى ناره المتأججة.

ولا تزال تُخيّم بظلِّها الثقيل على المنطقة، بدءا من مشروع تصدير الثورة وابتكار حزام عريض من الدفاعات المتقدمة، وإلى إغراء حماس بمقتلة تفوق إمكاناتها الذاتية، ولا تملك برنامجا عسكريا أو سياسيا لإدارتها، وإملاء قرار الإسناد والمشاغلة على حسن نصر الله وجماعته، وفتح ثغرة فى الشام توسعت حتى أطفأت الهلال الشيعى، ولزّمت الجغرافيا لبدائل متصارعة ولا تتفق على شىء سوى معاداتها، وما تزال عبئا على فلسطين التى تاجرت بها طويلا، وفى ضعفها بأكثر مما كانت فى أزمنة قوتها.

ذلك أنها مكنت للاحتلال من إنجاز نكبة جديدة أعلى من سابقاتها، وتحافظ له على المنفذ الوحيد الذى يعده بتفخيخ مشروع إنقاذ الغزيين وانتشالهم من كارثتهم العظيمة، عبر خلط الأوراق وتطيير آخر الأوتاد الوازنة للمنطقة.

لا مصلحة لأحد سوى الدولة العبرية فى إضعاف الجمهورية الإسلامية، وعلى كل ما فعلته الأخيرة بالإقليم وجنته على عواصمه؛ فإن وجودها مع قدر من الإصلاح أنفع لها وللدول الممسكة بآخر خيط من التوازنات الجيوسياسية القديمة.

وتتجلّى أهمية ذلك فى نشاط الدبلوماسية المصرية، ومساعى بعض دول الخليج مع تركيا لإبعاد شبح الحرب، لا عن دعم لنظام الملالى أو نيابة عنه فى معاركه، بقدر الخشية من تطاير الشرر فى كل الاتجاهات، واستغلال اليمين المتطرف فى إسرائيل لتلك الأزمة وقودا لاصطناع مزيد من الأزمات، لا سيما أن التلويح بوحدة الساحات من جانب طيف الميليشيات الرديفة، يهدد لبنان والعراق واليمن، ولا يوفر سوريا التى تحررت من هيمنة الممانعة، ولم تتحرر من أشباحها بعد.

معركة نتنياهو الأساسية مع الداخل، ذلك أنه غير مستعد للانتخابات بعد. والتبريد فى غزة يستتبع إنعاش أسئلة التقصير السابق والفشل اللاحق، ولا يوفر له ستارا من النار يفاوض تحته أو يروض المتمردين عليه من الحلفاء قبل المعارضة.
لديه نحو سبعة أسابيع قبل انتهاء المهلة الكاملة لاعتماد الموازنة، وعليه فى سبيل ذلك أن يعفى شباب الحريديم من التجنيد، وهو ما ترفضه أغلب القوى السياسية، بمن فيهم العلمانيون داخل الليكود نفسه. وإلى ذلك؛ فإنه فى انتظار العفو عنه فى قضايا الفساد، وإبعاد شبح التحقيق فى الطوفان بلجنة مستقلة، عبر المماطلة وأن يستبدل بها لجنة حكومية تابعة له.

مصفوفة طويلة من أحجار الدومينو، يكفى أن يتداعى واحد منه لتنقلب اللعبة كلها عليه دفعة واحدة، ولا ينفعه إزاء تلك التركيبة إلا أن يُصدر مأزقه للخارج كعادته، ويحيل الخاص إلى قضية عامة، ويستجلب المختلفين إلى الإجماع أو ما يُشبهه، تحت ضغط المخاطر الوجودية وحروبها الاضطرارية.

والقطاع لم يعد صالحا للمهمة، ولا لبنان أو سوريا واليمن، وحدها إيران توفر الحد المطلوب من الذرائع المقنعة؛ شريطة ألا يكون البادئ، وأن يرى الإسرائيليون الصواريخ فى سمائهم، قبل أن يُحيطوا علما بلعبة الحاكم الذى يتلاعب بهم جميعا، ويضعهم دفعة واحدة فى مقايضة على بقائه ومستقبله السياسى.

وعلى الجانب الآخر، يبدو العقل غائبا عن طرف يُدعى إلى مواجهة غير متكافئة؛ مهما بدا قادرا على الصخب وإثارة مخاوف الآخرين. الضربات الموضعية لن تغير المعادلة، وأول بنودها منحنى الضعف الهابط بوتيرة متسارعة.

والتصعيد إلى حرب شاملة لن يُبقى النووى أو الباليستى، وضبط الانفعالات لن ينقذ بلدا كبيرا فحسب؛ إنما سينهى لعبة التعلل به، ويُخلِّى سبيل الحلفاء قبل أن تمضى بهم الأمور إلى ضياع كامل، كما أنها ستسحب الذرائع من يد نتنياهو، وتقضى على آخر آماله فى إفساد صفقة غزة، أو اصطناع حرب يذهب فى حمايتها إلى صندوق الانتخابات.

كانت «وحدة الساحات» مجرد شعار لا يتجاوز حناجر الصارخين به، إلى أن وُضِع تطوعا على طاولة الصهاينة، فتكفل رئيس حكومتهم المخبول بتوحيدها فى قائمة الأهداف، لتنقلب وبالا على أصحابها بدل إغنائهم وتعزيز قواهم المتآكلة. وبعد الانكشاف لا يعود التستر بالبلاغة أكثر من تورية للضعف، وما لم يتحقق عند الذروة لا أمل فيه عند الوصول إلى القاع.

لترامب عيوب عدة؛ لكنها قد تكون مزايا أيضا، فهو مزاجى متقلب ويحب الاستعراضات والمدائح، وما يبيت عليه قد يصحو على سواه، إن أُحسنت مُغازلته ومُنح ما يكفى لمداعبة افتتانه بذاته المتخضمة.

لدى محور الممانعة فرصة مؤقتة، لا تلغى الرهان الأمريكى على التغيير وإعادة تأهيل النظام الإيرانى بالطبع، لكنها قد تحوله من ممارسة خشنة متعجلة، إلى تجربة مفتوحة على الزمن وحسابات السياسة والاقتصاد، ويمكن احتواء تداعياتها حال توافرت العقلانية وقناعة الخروج من صيغة لم تعد قابلة للاستمرار.

أى أن يُتاح مجال للمراجعة وإعادة تعويم الدولة لنفسها، مع ملاحظة أن الهامش مستقبلا قد يكون أوسع، بعدما تنطفئ الحرائق الجزئية بامتداد الإقليم؛ لأنها سلسلة حلقات متصلة ببعضها، كما أراد لها صانعوها منذ البداية. نتنياهو يراهن على الخارج، ويتعين على الخارج أن يجتهد بكل الصور لإبقائه فى المواجهة التى يتهرب منها مع الداخل.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة