في مساء قاهري شتوي، تواجدت في الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، فرع القاهرة بشارع رمسيس، حيث كل شيء بالمكان ينم عن فلسطين بتاريخها وآثارها وثقافتها وكبريائها وقبل كل ذلك عن حزنها التليد.
كان المشهد، بهذا المقر، فلسطيني بامتياز وأبرز ما فيه مجموعة من الكاتبات والشاعرات والقياديات الفلسطينيات اللائي يرتدين أزياء فلسطينية أصيلة تضج نضارة وأصالة، تحكي قصة فلسطين التي تأبى النسيان. وفي وجه كل سيدة حكايا وشجون تقول إنا ها هنا باقون ما بقي الزعتر والزيتون، وفي عيني كل منهن ابتسامة صمود، ولمعة إصرار تنتصر للحياة وللوطن وتصرخ بأعلى صوت إننا على قيد الحياة رغم المآسي والإبادة رغم الأحزان والخذلان.
في قلب هذا المشهد المليئ بالتفاصيل المُعبرة، كان المؤرخ الفلسطيني حسام أبوالنصر، الذي كان موفدًا لوزارة الثقافة الفلسطينية في مهمة عمل للمشاركة بفعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، والذي دعاني لهذه الفعالية للتكريم ومنحي شهادة مشاركة بأحد المؤتمرات العلمية التي شاركت فيها بمحاضرة، عن بعد، برام الله حول القضية الفلسطينية والاستشراق الإسرائيلي.
بعد أن قصَّت كل سيدة فلسطينية حكايتها المؤثرة مع الصمود في قلب الوطن المحاصر المذبوح من الوريد للوريد، وكيف أن الزي النسائي الفلسطيني بغرزته المميزة وألوانه النضرة يمثل لكل فلسطينية رمزًا لهوية وذاكرة حية للتعلق بالوطن، جاء دور حسام أبوالنصر ليحكي قصته مع هذا الزي.
أحالنا أبوالنصر إلى فترة معيشته مع أسرته الفلسطينية بإحدى الدول العربية، وكانت المفارقة أن زي والدته الفلسطيني المُزركش والثمين سرقه أحد اللصوص مع بقية غسيل الأسرة الذي كان منشورًا في شرفة منزلهم، لكن بعدها بيوم وجدوا الغسيل كله مردودًا إليهم مرة أخرى ومعه رسالة اعتذار من اللص بعدما علم من خلال ثوب والدته الفلسطيني المميز أنهم أسرة فلسطينية، ليكون هذا الزي سببًا لاستعادة المسروقات ولاعتذار اللص.
حينها قلت بيني وبين نفسي يبدو أن الفلسطينيين موعدون باللصوص أينما حلوا وارتحلوا، لكن حكاية لص الغسيل هذا واعتذاره بما تنطوي عليه من مفارقة أحالتني إلى عملية سرقة أخرى تعرض لها الفلسطينيون على مدار سنوات ولم تنته لا باعتذار اللص ولا حتى بإرجاعه المسروقات، وهي سرقة تاريخهم على أيدي لصوص أكفاء ومحترفين.
على مدار سنوات من دراستي للاستشراق الإسرائيلي بخلفياته المختلفة، تمكنت من وضع يدي على أبرز مراحل وآليات عملية السرقة الممنهجة التي تعرض لها التاريخ الفلسطيني بشكل احترافي ومدروس وخلال مراحل مختلفة متدرجة، ارتبطت كل مرحلة منها بهدف معين نجحت في تحقيقه.
في المرحلة الأولى وهي مرحلة الاستشراق اليهودي العام، والتي نشأت في كنف الاستشراق الأوروبي، حاول روادها إعادة كتابة التاريخ الفلسطيني بشكل مشوه، ليعهد المستشرقون اليهود المنضون تحت لواء الاستشراق الغربي/ الأوروبي لعملية قلب الحقيقة التاريخية وتزييف البراهين العلمية لتقديم الدفاع الفكري عن الدعاوى الاستشراقية اليهودية تمهيدًا لتحقيق المشروع الاستعماري الغربي الصهيوني الذي يهدف لتمكين المجموعات اليهودية من أرض فلسطين.
أما المرحلة الثانية وهي مرحلة الاستشراق الصهيوني والتي تواكبت، بطبيعة الحال، مع ظهور الحركة الصهيونية عام 1881 في شرق أوروبا، فقد شهدت إحياء اللغة العبرية وإحياء التراث اليهودي في فلسطين في آن واحد بهدف اختلاق تاريخ يهودي في أرض فلسطين بشكل يقدم المبرر العلمي لاحتلالها وإقامة الدولة اليهودية المزعومة عليها.
لوحظ أن الاستشراق الصهيوني ركز على تاريخ الشعب الفلسطيني فهم أصحاب القضية الأساسية وتربطهم مواجهة مباشرة مع المشروع الصهيوني لذلك تركز الاهتمام على إعادة كتابة التاريخ الفلسطيني منذ القدم وحتى العصر الحديث من أجل تأصيل الوجود اليهودي فيها وإثبات ما يُسمى بالحقوق التاريخية في فلسطين، وهو ما أُطلقت عليه عملية تهويد التاريخ الفلسطيني ليس القديم وحسب ولكن المسيحي بل والإسلامي أيضا، وذلك لاثبات ما يعرف باستمرارية التاريخ اليهودي في فلسطين وعدم انقطاعه منذ الاستيطان اليهودي الأول القديم لها وحتى استيطانها الحديث مرة أخرى على يد الصهيونية.
جاءت المرحلة الثالثة والأخيرة، وهي مرحلة الاستشراق الإسرائيلي التي يؤرخ لها بقيام دولة إسرائيل عام 1948، ليكون أولى أهدافها تأصيل الوجود الإسرائيلي في فلسطين ومن أجل ذلك توجهت نحو إعادة تفسير أحداث التاريخ القديم والوسيط والحديث لإثبات النظرية الاستشراقية الصهيونية ذاتها حول استمرارية الوجود اليهودي في فلسطين، وزاد الاستشراق الإسرائيلي على ذلك تشويه التاريخ الفلسطيني القديم ونسب عاداته وتقاليده ومنجزاته الثقافية إلى التاريخ اليهودي، وطمس الآثار الدالة على الوجدود العربي الفلسطيني في فلسطين والمنطقة بأكلمها وإبراز الوجود اليهودي.
بطبيعة الحال ليس من المبالغة القول إن لص غسيل الفلسطينيين كان صاحب أخلاق فلم يكتف بارجاع المسروقات وحسب بل ترك معها رسالة اعتذار، أما لص تاريخهم فقد اتصف بالبجاحة والصلف إذ لم يكتف بالسرقة وحسب بل زاد عليها التشويه بل والجرأة في نسب المسروقات لملكيته وإدعاءه إنها كانت إرثًا موعودًا له.