خالد دومة يكتب: صلاة

الأحد، 08 نوفمبر 2026 10:40 م
خالد دومة يكتب: صلاة خالد دومة

كنت في ذلك اليوم أهيم على وجهي، لا أدري إلى أين أذهب. كان صباح الجمعة، والناس ينهضون متأخرين؛ فهو يوم إجازة، الشوارع شبه فارغة، والمحلات مغلقة، والسحب تملأ السماء، وريح خفيفة تهب على وجهي.
قلّما يكون يوم الجمعة معتدلًا؛ ففي أغلب أيامه يكون الجو حارًّا، حتى إنك لتحتار إذا خرجت في الصباح الباكر: إلى أين تذهب؟ فالصمت يخيم على الشوارع، والمطاعم تفتح أبوابها فلا تجد الزحام المعتاد في بقية الأيام. ومع اقتراب العاشرة، تبدأ الشوارع تدب فيها أقدام السائرين، ثم يخرج الرجال إلى المساجد، فتخلو الشوارع أثناء الخطبة والصلاة. وبعد انقضائهما، تعود الحركة من جديد، وتنشط حركة البيع والشراء حول المطاعم والباعة الجائلين الذين ينتظرون انتهاء الصلاة.
كنت لا أزال أهيم بلا هدف، وقد اقترب موعد الصلاة، حين سمعت صوته ينطلق من مكبرات الصوت. كان قويًّا أجش، تنساب الكلمات على لسانه ببلاغة، وتتتابع الجمل في جمال آسر، يضاعفه نغم صوته.
دخلت المسجد، وتوضأت، ثم جلست في آخره، في مكان بالكاد يتسع لي، مقرفصًا بين المصلين. كان جمهور الشيخ كبيرًا، حتى ازدحم المسجد بمن جاءوا ليستمعوا إليه.
كانت تلك أول مرة أراه فيها على المنبر. أخذتني كلماته، واستحوذت عليّ خطبته، حتى نسيت أنني جئت إلى المسجد على غير هدى، وأنني كنت قبل لحظات أهيم في الشوارع بلا غاية.
كنت في العادة أهيم حتى أسمع صوت إقامة الصلاة، فأدخل لأؤدي الفرض، ثم أمضي إلى حال سبيلي. لم تكن الخطب تستوقفني؛ فقد اعتدت أن أسمع كلمات محفوظة، تدور حول اللعنة والجحيم المنتظر، والشمس التي تدنو من الرؤوس، والعرق الذي يغرق فيه الناس، كلٌّ بحسب عمله، والجلود التي تتساقط ثم تتجدد في دورة لا تنتهي من العذاب.
كانوا يذكروننا بالمعذَّب الذي يحمل صخرة في حكاية قديمة؛ يصعد بها حتى يبلغ القمة، فإذا بها تهوي، فيعود إلى أسفل الجبل ليحملها من جديد، ويظل بين صعود وهبوط إلى أبد الآبدين.
وإذا أرادوا أن يبشرونا، حدثونا عن الحور والنساء والخمر والنعيم الأبدي، وكأنما لا شيء ينتظر الإنسان سوى أن يغرق في شهوات لا تنتهي، وينسى نفسه وما كان يشغله في الدنيا.
وبين التخويف والتهديد والوعيد، الذي ترتجف له القلوب أثناء الخطبة، والوعد بنعيم تُقتنص فيه اللذات، كان الناس يكتفون بأداء الفروض، ثم يعودون إلى حياتهم كما كانوا. تذهب إلى السوق، فتجد الغلاء والغش والكذب والجور، وترى حياة أخرى لا تشبه ما سمعته من المواعظ، كأن الكلمات لم تكن إلا هواء يتبدد في السماء.
أما هذا الشيخ فكان مختلفًا.
كان يعظنا، لكنه لم يكن يكتفي بتخويفنا أو إغرائنا؛ كان يعلّمنا حقيقة ما نعتنقه، ويقودنا إلى فهمه من خلال السيرة النبوية. كان يرسم بالكلمات صورًا وأحداثًا، حتى خُيّل إلينا أننا نرى حياة النبي أمامنا، بكل ما حملته من عميق الإيمان، وما ترجمه هذا الإيمان من معانٍ قرآنية تجسدت في حياته وسلوكه.
كنا نراه يضع لقمة في فم زوجته، ويبتسم لها. ونراه يواجه أعرابيًّا شده من عباءته طالبًا مالًا، فينظر إليه مبتسمًا، ثم يأمر له بعطاء. ونراه، وقد اشتد به المرض في أيامه الأخيرة، يجلس على المنبر ويعرض نفسه للقصاص، فلا يجعل لمكانته أو منزلته حائلًا بينه وبين العدل. ونراه يجلس حيث ينتهي به المجلس، فلا يتعالى على أحد، ولا يجعل من مقامه سببًا للاستعلاء على الناس.
كان يرسم لنا صورة إنسان عاش الإيمان رحمةً وتواضعًا وعدلًا، حتى بدا لنا كأن الرحمة تمشي على الأرض.
لم أكن وحدي المأخوذ بكلماته؛ فقد كان الناس جميعًا ينصتون إليه، في سكون مهيب، كأن على رؤوسهم الطير. كانت ملامحهم تكشف عن إعجاب عميق بما يقول، وكأنهم لا يستمعون إلى حكايات من الماضي فحسب، بل يكتشفون من خلالها معنى الإيمان حين يتحول إلى سلوك، ومعنى الدين حين يخرج من الكلمات إلى الحياة.
وحين انتهت خطبته الرائعة، وخرج المصلون من المسجد، انتظرته كي أصافحه، وأبدي له إعجابي بخطبته التي منحتنا زادًا من العلم والفهم، دون أن ترهب قلوبنا أو تطمس عقولنا.
ابتسم في تواضع، وشد على يدي.
في تلك اللحظة شعرت بأنني أعرفه منذ زمن بعيد. لم تكن هذه أول مرة تقع فيها عيناي عليه؛ فقد رأيته من قبل، وسمعت عنه، لكنني لم أكن أعرفه حقًّا. كنت قد رأيت صورته وسمعت اسمه، أما حقيقته فلم تنكشف لي إلا حين سمعت كلماته.
عندها فقط عرفته.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة