نركض طوال العمر ورائنا شغف لا يهدأ في جمع الأشياء والأشخاص، نزن نجاحاتنا بكثرة ما نملك، وبطول القائمة التي تحيط بنا من علاقات وفرص.
نسقط في فخ التراكم، ونخشى التخلي كأنه السقوط في الهاوية، لكن حقيقة الحياة الأكثر نضجا تعلمنا أن القوانين ليست دائما كما نحسبها؛ ففي كتاب الروح، قد يكون السلب هو عين الإيجاب، وربما تكون الخسارة أحيانا هي المكسب الوحيد المحسوم.
فخ الاعتياد وسجن التمسك
تأخذنا الأيام في حبال الاعتياد؛ نتمسك بعلاقة متهالكة لم يعد فيها سوى النزيف، أو بشركة أشخاص يمتصون بهجة الأيام، أو بحلم قديم صار عبئا ثقيلا على كاهل الحاضر.
نواصل التمسك لا حبا في البقاء، بل خوفا من الفراغ، نسيت أفكارنا أن التمسك بالأشواك لا يمنحنا الورد، وأن الحفاظ على ما يؤذينا لمجرد أنه كان معنا أمس، هو جريمة حظر نرتكبها بحق غدنا.
إنها الكارثة التي نُلبسها ثوب الوفاء، بينما هي في العمق مجرد ذعر من مواجهة الذات.
استرداد الذات من زحام الآخرين
حين تجرؤ على إفلات يديك، يحدث السحر، ترحل الأشياء التي طالما استنزفت روحك، فيسكن المدى، وينجلي الغبار عن ملامحك التي ضاعت في الزحام.
الفقد هنا ليس ثقبا في جدار حياتك، بل هو باب يُفتح ليدخل منه الهواء النقي، تكتشف أنك لم تكن تخسر، بل كنت تسترد ما سُرق منك على مهل: رصيد هدوئك، عافية عقلك، وسلاما داخليا لا يُقدر بثمن.
ما فائدة أن تكسب العالم بأكمله، وتخسر نفسك في صفقات خاسرة مع البقاء؟
ثمن السلام لا يقدر بمال
إن التخلي الصريح عن كل ما يستنزف الروح ليس هزيمة ولا انكسارا؛ إنه قمة الشجاعة النفسية. أن تدير ظهرك لما يؤذيك، يعني أنك قررت أخيرا أن تشتري راحتك.
ليس كل غياب جرحا، فبعض الغياب هو الدواء الوحيد لنوع قديم من الوجع.
حين تدرك أن سلامك النفسي هو الخط الأحمر الذي لا يُسمح لأحد بعبوره، ستكتشف أن كل ما تركته خلفك حفاظا على هذا السلام، لم يكن أبدا خسارة، بل كان استثمارا في الحياة.
محمود عبد الراضي، مقالات محمود عبد الراضي، فقد، خسارة، مكسب، سلام نفسي، تعافي، علاقات، تخلي، راحة البال، استرداد الذات، اتزان، نضج