علا رضوان

غزة التي هزمت ترامب وحزبه

الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 07:03 م


لم يكن اسم غزة مكتوبا على بطاقات الاقتراع في انتخابات الكونجرس الأمريكي، ولم تكن صور أطفالها مطبوعة بجوار أسماء المرشحين، ولم يظهر وجه أم فلسطينية فقدت أبناءها في إعلان انتخابي مدفوع. ومع ذلك، كانت غزة حاضرة في صناديق التصويت، تتسلل بصمت إلى ضمائر الناخبين، وتقف كشاهد غائب أمام كل أمريكي ذهب ليختار بين استمرار الطريق نفسه أو الاعتراض عليه.

وإذا كانت النتائج  للانتخابات قد حملت رسالة غضب إلى الرئيس دونالد ترامب وحزبه الجمهوري، فإن جزءا من هذه الرسالة جاء من نقطة صغيرة على خريطة العالم اسمها غزة. نقطة حاصرتها الجغرافيا، لكن دماء أهلها كسرت الحصار، وعبرت المحيطات، ودخلت الجامعات والشوارع والكنائس والنقابات والبيوت، حتى أصبحت أكبر من مساحتها، وأثقل من قدرة السياسيين على تجاهلها.

غزة لم تهزم ترامب بالمعنى الانتخابي المباشر، فالرئيس لم يكن مرشحا على بطاقة الاقتراع، لكنها هزمت الفكرة التي يمثلها، فكرة أن القوة تستطيع أن تصنع الحقيقة، وأن المال قادر على شراء الذاكرة، وأن الصور المروعة يمكن دفنها تحت ركام التصريحات الرسمية، وأن الناخب الأمريكي لا يرى إلا فاتورة الوقود وسعر الرغيف ومعدل الضرائب.

الناخب، بالتأكيد، يصوت من أجل حياته اليومية ومصالحه الاقتصادية ومخاوفه الداخلية، لكن الإنسان لا يتحول حين يدخل لجنة الاقتراع إلى آلة حاسبة بلا قلب. هناك لحظات تصبح فيها السياسة الخارجية جزءا من الضمير الداخلي، ويتحول مشهد طفل ينتشل من تحت الأنقاض إلى سؤال شخصي: ماذا تفعل حكومتي باسمي؟ أين تذهب ضرائبي؟ ولماذا تمنح بلادي غطاءها السياسي والسلاح والدعم لحرب يدفع المدنيون ثمنها؟

لقد راهن ترامب وحزبه على أن الزمن قادر على إنهاك الذاكرة، وأن تتابع الأخبار سيجعل مأساة غزة خبرا قديما. لكن غزة رفضت أن تصبح خبرا قديما. كلما ظن العالم أن صورتها تراجعت، أعادها طفل جائع إلى الواجهة. وكلما حاول خطاب سياسي أن يحول الموت إلى أرقام، ظهرت أم تحمل صورة ابنها، أو طبيب يواصل العمل في مستشفى محطم، أو صحفي يكتب رسالته الأخيرة قبل أن يصير هو نفسه خبرا.

هنا تحديدا تكمن هزيمة ترامب. ليست الهزيمة مجرد خسارة مقاعد أو تراجع مرشحين، بل سقوط رهان أخلاقي كامل. رهان يقول إن الإنسان المعاصر يرى كل شيء ثم ينسى كل شيء. لقد أثبتت غزة أن الصورة قد تجرح الذاكرة جرحا لا يلتئم، وأن جيلا كاملا من الشباب الأمريكي صار يسأل عن معنى العدالة التي تتحدث عنها بلاده، وعن الفارق بين القيم التي تعلنها واشنطن والسياسات التي تمارسها.

شهدت الجامعات الأمريكية احتجاجات واسعة، ودخل طلابها في مواجهة مع إداراتهم، وتعرض بعضهم للعقاب والاعتقال والتشهير. ويبقى الخلاف مشروعا حول شعارات تلك الاحتجاجات وأساليبها، لكن دلالتها السياسية لا يمكن إنكارها. لقد انكسر احتكار الرواية. لم يعد ممكنا تقديم الفلسطيني بوصفه رقما بلا اسم، أو التعامل مع غزة كمساحة جغرافية يمكن تدميرها من دون أن يهتز العالم.

كانت صور غزة تصل إلى هواتف الشباب قبل أن تصل إليهم بيانات البيت الأبيض. وكانت المشاهد الخام أسرع من محاولات التبرير، وأكثر تأثيرا من الكلمات المحسوبة التي يصوغها المستشارون. وفي هذه المسافة بين ما يراه الناس وما تقوله السلطة، ولدت أزمة الثقة. وهي أزمة لم يصنعها خصوم ترامب وحدهم، بل صنعتها إدارته حين اختارت أن تبدو، في عيون قطاع من الأمريكيين، أكثر حساسية تجاه الحسابات السياسية من حساسيتها تجاه دماء المدنيين.

ومع ذلك، سيكون من التبسيط القول إن غزة وحدها صنعت نتائج الانتخابات. فالاقتصاد والهجرة والانقسام الداخلي والحقوق الاجتماعية وأداء المرشحين المحليين عوامل حاضرة بقوة. لكن غزة منحت هذه الانتخابات بعدها الأخلاقي، وحولت التصويت لدى بعض الناخبين من اختيار بين برنامجين إلى محاكمة للغة سياسية فقدت قدرتها على إخفاء الألم.

لقد اعتاد ترامب أن يقدم نفسه باعتباره الرجل الذي لا يهزم، والقادر على تحويل كل أزمة إلى عرض للقوة، وكل اعتراض إلى دليل جديد على صلابته. غير أن غزة كشفت حدود هذه الصلابة. فهناك قوة تستطيع السيطرة على المنابر، لكنها لا تستطيع السيطرة على المعنى. وهناك سلطة يمكنها فرض روايتها ساعات أو أياما، لكنها لا تستطيع منع صورة طفل مغطى بالغبار والدم من أن تصبح اتهاما مفتوحا.

غزة لم تكن تملك جماعات ضغط تنافس جماعات الضغط الكبرى في واشنطن، ولم تكن تملك قنوات فضائية أمريكية تدافع عنها طوال اليوم، ولم يكن لها مرشح ينفق الملايين ليروي حكايتها. كانت تملك فقط أجساد أبنائها، وصبر أمهاتها، وصوت أطبائها، وكاميرات صحفييها، وإصرار أهلها على البقاء فوق أرض يراد دفعهم خارجها. بهذه الأدوات البسيطة، أجبرت العالم على النظر إليها.

أما دماء الأبرياء، فهي لا تختفي بمجرد انتهاء نشرة الأخبار. قد تجف على الأرض، لكنها تبقى في التاريخ. تظل لعنة سياسية وأخلاقية تلاحق كل من أسالها، وكل من وفر السلاح، وكل من منح الغطاء، وكل من شاهد المذبحة ثم اختار الصمت لأنه خاف على موقعه أو مصالحه.

هذه اللعنة ليست تعويذة غيبية، بل ذاكرة الشعوب حين تتحول إلى قوة. إنها سؤال يطارد المسؤول بعد مغادرته منصبه، وصورة تعود في كل خطاب يناقضها، ووثيقة تبقى حين تسقط المبررات. قد ينجو السياسي من المحاسبة في لحظته، لكنه لا يملك المحكمة التي سيقيمها التاريخ له.

والتاريخ لا يسأل فقط: من أطلق النار؟ بل يسأل أيضا: من أرسل السلاح؟ من برر؟ من عطل العدالة؟ من ساوم على حياة الأطفال؟ ومن اختار أن يرى المأساة مجرد تفصيل صغير في معركة انتخابية كبيرة؟

لهذا لم تعد غزة نقطة صغيرة على خريطة العالم. لقد أصبحت مرآة رأى فيها العالم ضعفه وتناقضه، ورأى فيها الأمريكيون المسافة بين المبادئ التي تعلموها والسياسة التي تنفذ باسمهم. وحين تصبح مدينة محاصرة مرآة لإمبراطورية، فإن المدينة لا تعود هي الصغيرة.

قد يراجع الجمهوريون نتائجهم بالأرقام، ويتحدثون عن أخطاء الحملات واختيارات المرشحين ونسب المشاركة، وقد يبحث مستشارو ترامب عن تفسير للهزيمة في الاقتصاد أو الإعلام أو انقسامات الناخبين. لكن وراء الجداول والخرائط حقيقة لن تظهر كاملة في استطلاعات الخروج: هناك دم لا يريد أن يصمت، وذاكرة تشكلت وسط الركام، وجيل رأى ما جرى ولم يعد مستعدا لقبول الروايات القديمة.

لم تذهب غزة إلى صناديق الاقتراع، لكن وجعها ذهب. لم تكتب أسماء شهدائها على بطاقات التصويت، لكن صورهم وقفت في الخلفية. وربما لم يقل كل ناخب إنه يصوت من أجلها، لكن المآسي الكبرى لا تؤثر في الناس دائما بصورة مباشرة أو معلنة. أحيانا تبقى في أعماقهم حتى لحظة الاختيار، ثم تتحول إلى رفض، وإلى غضب، وإلى ورقة تسقط في الصندوق.

هكذا هزمت غزة ترامب. لم تهزمه بجيش، ولم تواجه حزبه بحملة انتخابية، بل هزمته حين منعت العالم من النسيان. وحين أثبتت أن نقطة صغيرة على الخريطة قد تهز أكبر العواصم، وأن صوت المظلوم، مهما حوصر، يستطيع أن يعبر البحار، ويدخل غرف السلطة، ويبدل حسابات السياسة.

ستبقى دماء الأبرياء في غزة سؤالا مرفوعا في وجه العالم. وستظل لعنتها تطارد من أسالها أو ساهم فيها أو صفق لها أو حاول تجميلها. لأن الأطفال الذين رحلوا لم يكونوا تفصيلا في معركة، ولأن الأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن تحت الركام لن يصبحن هامشا في كتاب التاريخ.

قد تخسر الأحزاب انتخابات ثم تعود، وقد يهزم السياسي ثم ينتصر، لكن الهزيمة الحقيقية هي أن يصبح اسمك مرتبطا في ذاكرة الناس بصمتك أمام المذبحة. عندها لا تنتهي الخسارة بإعلان النتائج، بل تبدأ.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة