مها عبد القادر

شغف المعرفة

الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 02:06 ص


يولد الإنسان مفطورًا على حب الاستطلاع والتساؤل المستمر حول أسرار الكون وظواهر الطبيعة المحيطة به، فالشغف بالمعرفة دافع فطري نبيل يحرك العقول نحو البحث والاكتشاف والتأمل في ملكوت السماوات والأرض؛ ولا يتوقف هذا النزوع العقلي عند حدود جمع المعلومات العابرة أو تكديس الحقائق المجردة في الذاكرة، ولكنه يتجاوز ذلك ليصنع حالة وجدانية وفكرية متقدة تجعل التعلم رحلة ممتعة تمتد طوال سنوات العمر، فحينما يمتزج الفضول العلمي بالرغبة الصادقة في الفهم والاستيعاب تتحول القراءة والملاحظة إلى غذاء يومي للروح والعقل معًا؛ فيرتقي الفرد في مدارج الحكمة والبصيرة، ويدرك مكانته الحقيقية في هذا الوجود الواسع، ويسعى جاهدًا لتوظيف ما يتعلمه في عمارة الأرض وإصلاح المجتمع ونشر الخير والنفع والسلام والوئام والمودة الصادقة والتعاون المثمر بين جميع الناس في كل زمان ومكان على الدوام.

تبدأ البذور الأولى لحب العلم والتعلم في التفتح داخل البيئة الأسرية الدافئة منذ سنوات الطفولة المبكرة، فالطفل بطبيعته النقية يطرح عشرات الأسئلة اليومية بدافع الدهشة والرغبة العفوية في استكشاف الأشياء من حوله؛ وعندما يجد من والديه استماعًا لطيفًا وإجابات مبسطة تحترم عقله الصغير ينمو لديه شعور جميل بالثقة والبهجة الفكرية، ويتحول هذا التفاعل الأسري الهادئ إلى حافز داخلي يدفع الناشئة إلى مصاحبة الكتاب وزيارة المكتبات ومتابعة التجارب العلمية بشوق واهتمام؛ فالرعاية التربوية السليمة لا تفرض المعرفة فرضًا قسريًا يثقل كاهل الصغار بالواجبات الجافة، ولكنها توقظ في نفوسهم دهشة السؤال ومتعة البحث الذاتي، وتجعل من البيت روضة علمية محفزة تنمي المواهب الفطرية وتصقل المهارات اللغوية والذهنية بأسلوب تربوي حكيم ورفيق يجمع بين الفائدة العلمية والمتعة الوجدانية في كل مراحل النمو العمرية المتتابعة على الدوام.

تضطلع المؤسسات التعليمية والجامعية بدور محوري في رعاية الدافعية العلمية لدى الطلاب وتوجيهها نحو مسارات البحث المنهجي المنظم، فالمعلم الملهم لا يكتفي بنقل المقررات الدراسية المقررة أو تلقين النظريات الجاهزة في قاعات الدرس؛ ولكنه يفتح أمام طلابه نوافذ التفكير النقدي الحر ويشجعهم على المقارنة والتحليل واستنباط النتائج بأنفسهم، وحينما تسود روح الحوار العلمي الهادئ بين الأستاذ وتلاميذه تتلاشى الحواجز النفسية التي تعيق الفهم والاستيعاب؛ فيشعر المتعلم بجمال الرحلة العلمية ويكتشف لذة الوصول إلى الحقيقة بعد طول بحث ومثابرة، وتتحول المدارس والجامعات بفضل هذه البيئة التربوية المحفزة إلى منارات إشعاع فكري تخرج باحثين مبدعين يحملون أمانة العلم، ويواصلون مسيرة التقصي والاكتشاف بروح متوثبة وعزيمة صادقة وهمة عالية وإرادة قوية لا تعرف الملل أو التراجع أو الفتور أمام العقبات والصعاب في ميادين العلم.

تعد القراءة المتأنية الفاحصة مع التأمل الفكري الهادئ جناحين متكاملين يحلق بهما طالب العلم في سماء المعارف الإنسانية المتنوعة، فالمطالعة المنتظمة لمصادر الأدب والفلسفة والعلوم الطبيعية والاجتماعية توسع مدارك العقل وتكسر قيود الانغلاق الفكري؛ لأن القارئ الشغوف يحاور عقول العلماء والحكماء عبر العصور المتعاقبة ويستخلص من تجاربهم دروسًا نافعة تنير دربه، غير أن القراءة وحدها لا تؤتي ثمارها اليانعة ما لم يقترن بها تفكير مستقل يمحص الآراء ويربط بين المقدمات ونتائجها المنطقية؛ فالتأمل العقلي يحول المعارف المقروءة من مجرد نصوص محفوظة إلى خبرة حية تسري في سلوك الإنسان، وتهذب طباعه الأخلاقية، وتكسبه تواضعًا جمًا أمام اتساع بحور العلم التي لا يدرك ساحلها مهما بلغ من الدرجات الأكاديمية والمراتب العلمية الرفيعة في مسيرة حياته الحافلة بالعطاء والبحث والتعلم المستمر في كل الميادين المعرفية.

تقف الرغبة الصادقة في المعرفة وراء كل الإنجازات العلمية الكبرى والاكتشافات الطبية والتقنية التي غيرت مجرى الحضارة الإنسانية، فلو تأملنا سير الرواد والمخترعين عبر القرون لوجدنا أن حب البحث عن الحقيقة كان الوقود المتجدد الذي أعانهم على تجاوز العقبات؛ فقد كانت المختبرات العلمية أو المراصد الفلكية بالنسبة إليهم ميادين شريفة رحبة لإشباع نهم العقل وكشف القوانين الكونية الدقيقة التي تحكم المادة والحياة، وبفضل ذلك الصبر الجميل والمثابرة الدؤوبة استطاعت البشرية القضاء على كثير من الأوبئة الفتاكة، وتطوير وسائل الاتصال والمواصلات، وبناء صروح عمرانية ومعرفية شامخة تشهد بأن العقل المتقد بحب العلم قادر على تذليل الصعاب وصناعة المعجزات الحضارية المتلاحقة لخدمة بني الإنسان وتيسير سبل العيش الكريم وتحقيق الرفاهية والاستقرار للمجتمعات البشرية في مختلف العصور والأزمان.

وفي ضوء الثورة الرقمية وما أحدثته من نقلة واسعة في وسائل الوصول إلى مصادر المعلومات والكتب والموسوعات العلمية في شتى بقاع الأرض، أصبح بإمكان الباحث المتطلع إلى المعرفة أن يتصفح آلاف المخطوطات النادرة والدوريات الأكاديمية المحكمة بضغطة زر واحدة من هاتفه أو حاسوبه؛ غير أن هذه الوفرة المعلوماتية الهائلة تضع أمام العقل المعاصر تحديًا جديدًا يرتبط بتشتت الانتباه وغلبة القراءة السطحية السريعة، ولذلك يحتاج الشغف المعرفي الصادق في عصر الشاشات الذكية إلى انضباط ذاتي ومنهجية واضحة في انتقاء المصادر الموثوقة؛ كي لا يغرق القارئ في زحام الأخبار العابرة والمقاطع المرئية القصيرة، ويحافظ على قدرته الذهنية في البحث المتأني والاستيعاب الدقيق للمفاهيم العلمية والفكرية الأصيلة التي تبني الثقافة المتكاملة وتثري البصيرة الإنسانية المستنيرة وتصنع فكرًا ناضجًا ومتوازنًا يواكب تطورات العصر ومتطلباته المتجددة على الدوام.

ينعكس حب التعلم المستمر أثرًا إيجابيًا مباركًا على الصحة النفسية والتوازن الوجداني للإنسان في مختلف مراحل حياته العمرية، فالعقل المنشغل بالبحث والقراءة واكتساب المهارات الجديدة يظل متيقظًا ونشيطًا وبعيدًا عن مشاعر الفراغ القاتل أو السأم النفسي؛ لأن كل معلومة جديدة يكتشفها المرء تبعث في داخله شعورًا متجددًا بالإنجاز والحيوية والتفاؤل بالمستقبل، كما يساعد الانغماس في طلب العلم على تهذيب النفس البشرية وتخليصها من آفات التعصب والغرور وضيق النظرة؛ فكلما ازداد الإنسان علمًا واتسعت ثقافته أدرك تعدد الزوايا التي يمكن النظر منها إلى القضايا الإنسانية، فأصبح أكثر تسامحًا وحكمة في تعامله مع الآخرين، وأقدر على مواجهة تقلبات الحياة ومشكلاتها اليومية بقلب مطمئن وعقل راجح يفكر بهدوء واتزان وبصيرة نافذة ورؤية إيجابية متزنة تعزز السكينة الداخلية والرضا النفسي والطمأنينة الروحية في كل الظروف والأحوال.

يقترن الشغف النبيل بالمعرفة في الفكر الإنساني القويم بمنظومة أخلاقية سامية توجه العلم نحو غايات الخير والبناء والرحمة، فالمعرفة المجردة من الضمير الأخلاقي قد تتحول إلى أداة للإضرار بالطبيعة أو استغلال الضعفاء وتهديد السلم العالمي؛ ولذلك لابد من ربط طلب العلم بتزكية النفس وترسيخ قيم الأمانة العلمية والصدق والإنصاف، فالعالم الحقيقي لا يطلب المعرفة للمباهاة الشخصية أو الاستعلاء الفكري على أقرانه في المجتمع؛ ولكنه يراها أمانة ثقيلة ومسؤولية إنسانية تحتم عليه نشر الهدى وتصحيح المفاهيم المغلوطة ومساعدة المحتاجين، وبذلك يتكامل نور العقل مع نقاء القلب في مسيرة واحدة تصون كرامة الإنسان، وتحفظ للبحث العلمي قدسيته ومكانته الأخلاقية الرفيعة ورسالته السامية في تحقيق السعادة والرخاء والعدل والسلام الشامل لجميع الأمم والشعوب المتحضرة في مختلف أنحاء العالم الفسيح على مر العصور.

يتطلب نشر ثقافة الشغف المعرفي في المجتمع تضافر جهود المؤسسات الثقافية والإعلامية والأكاديمية لبناء بيئة عامة تحتفي بالعلماء والمفكرين، فإقامة معارض الكتب الدولية وتأسيس النوادي العلمية والمكتبات العامة في الأحياء والقرى يقرب ينابيع المعرفة من جميع فئات المواطنين؛ كما يسهم الإعلام الهادف عبر البرامج الوثائقية والمنصات الحوارية الرزينة في تبسيط العلوم وتقديمها بقالب شيق يجذب الكبار والصغار، وحينما يرى الشباب أن مجتمعهم يقدر أهل العلم ويرفع من شأن الباحثين والمبتكرين تتولد لديهم رغبة صادقة في الاقتداء بهم؛ فتزدهر حركة التأليف والترجمة والنشر، وتتحول القراءة والمناقشة العلمية إلى عادة اجتماعية يومية أصيلة ترفع من مستوى الثقافة العامة، وتحصن المجتمع ضد الشائعات والأفكار الخرافية التي تعيق مسيرة التقدم والنهضة الحضارية الشاملة والمستدامة في مختلف ربوع الأوطان ومدنها وقراها العامرة بالعلم النافع والخير والعطاء المتجدد.

يبقى شغف المعرفة شعلة مضيئة لا تنطفئ في وجدان الإنسان المتطلع إلى الكمال الفكري والروحي طوال رحلته في هذه الحياة، فطلب العلم لا يرتبط بمرحلة دراسية محددة تنتهي بالحصول على الشهادات الأكاديمية أو الالتحاق بالوظائف المهنية؛ ولكنه عهد أبدي يقطعه المرء مع نفسه ليظل تلميذًا نجيبًا في مدرسة الكون الفسيحة من المهد إلى اللحد، ومن خلال إحياء هذه الروح العلمية الوثابة في نفوس الأجيال الصاعدة نضمن لأوطاننا نهضة حضارية متجددة تنهض على أسس الفهم السليم والإبداع المستمر؛ فالأمم التي تعشق المعرفة وتكرم العلماء هي وحدها القادرة على صناعة المستقبل المشرق، وكتابة فصول جديدة من المجد الإنساني العامر بالحكمة والجمال والعطاء المتواصل في شتى ميادين الحياة العلمية والعملية والفكرية والثقافية بكل ثقة وأمل وإخلاص وثبات وعزيمة صادقة وهمة متجددة لا تعرف الكلل على الدوام.

__

أستاذ أصول التربية
كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة