عصام محمد عبد القادر

ابدأ بنفسك: كن عطوفًا

الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 06:07 ص


تأمل في زحام هذه الحياة وصخبها الممتد كم من قلب يمشي بيننا مثقلًا بوجع لا ينطق به، وكم من روح تبحث في وجوه العابرين عن مرفأ أمان أو نظرة حانية ترد إليها أنفاسها؛ ففي تلك المسافة الخفية بين ألم الإنسان وأمله يولد العطف في داخلك كفًّا دافئة تمتد في عتمة الطريق، ونسمة رحمة تهب على القلوب الحية؛ فتحرك فيها الضمائر اليقظة نحو الخير والعطاء، فابدأ بنفسك واجعل هذا الميل الفطري الأصيل رابطًا يصل الذات بالآخرين في الشدة والرخاء، وأظهر معاني الرحمة واللين والرفق بكل كائن حي يشاركك الوجود عبر الإصغاء الصادق لآلام الناس ومشاركتهم أحزانهم وأفراحهم بروح صافية، وترجم مشاعرك إلى سلوك عملي ملموس يمسح دمعة المحزون ويخفف معاناة الضعفاء، لتجعل العطف لغةً تفهمها الفطرة السليمة وشاهدًا على سمو ونقاء سريرتك.

بادر بعطفك منذ اللحظة التي تبصر فيها وجع غيرك قبل أن ينطق به اللسان أو تمتد به يد السؤال؛ فهذا الشعور النبيل يتطلب منك حضورًا وجدانيًّا عميقًا يجعلك ترى ذاتك في مرآة الآخرين؛ فتتألم لألمهم وتسعى جاهدًا لإدخال السرور والطمأنينة على قلوبهم المنهكة، واجمع في مسيرتك بين رقة القلب وحكمة العقل في توازن يحفظ للإنسان كرامته وعزته عند تلقي المعونة والمساندة، مقرونًا بالتواضع الجم والاحترام المتبادل بين الناس على اختلاف طبائعهم ومشاربهم؛ فمتى استقرت هذه الخصال الحميدة في أعماق ذاتك، هذبت الطباع القاسية، وطهرت الصدر من الأثرة والأنانية؛ فسمت روحك فوق النزعات المادية الزائلة، وألفت البذل والإحسان في مختلف الظروف والأحوال، وحينئذ تدرك أثر مبادرتك الذاتية في إشاعة السكينة وتخفيف الأعباء الثقيلة عن النفوس المتعبة التي تنتظر منك التفاتةً تعيد إليها توازنها وثقتها بالحياة.

احذر أن تعيش في هذا العالم جزيرةً موصدة الأبواب لا يطرف لك جفن لأنين جارك أو غربة أخيك؛ فالإنسانية في أصلها الفطري ترتبط بقدرتك على التراحم والتعاطف المتبادل، وأنت لم تخلق لتعيش معزولًا عن هموم أقرانك وآلامهم، وإنما وجدت لتكون عونًا وسندًا لمن حولك في مسيرة الحياة المشتركة، ويزداد هذا الارتباط وثوقًا وبهاءً كلما وسعت دائرة اهتمامك لتشمل الغرباء والبعيدين الذين لا تجمعك بهم صلة قرابة أو معرفة سابقة؛ وبهذا الفهم الواسع تتجاوز حدود العرق واللون واللسان لتلتقي مع غيرك عند القيم الأخلاقية الجامعة التي تحمي الضعيف وتجبر الكسير وتواسي الحزين؛ فيوقظ عطفك في الضمير شعورًا مستمرًّا بالمسؤولية تجاه الدنيا بأسرها، ويصون المقام الآدمي من قسوة الإهمال والتهميش؛ فتصير قدوةً ملهمة تحفز النفوس على التلاحم وتبدد وحشة الانعزال عن القلوب المتعطشة للمودة.

ازرع في دفء بيتك براعم العطف داخل كيان أسرتك كي تتربى على المودة والألفة والاحتواء؛ فالطفل الذي ينشأ في كنف الرحمة يتعلم منذ نعومة أظفاره كيف يحنو على الصغير، ويوقر الكبير، ويحترم مشاعر أقرانه في البيت والمدرسة؛ فتثمر هذه التنشئة السوية إنسانًا متزنًا قادرًا على بناء علاقات اجتماعية ناجحة ومثمرة، وتوج هذا الخلق الكريم حين ينعكس في خريف العمر وفاءً وعرفانًا لكبار السن الذين أفنوا زهرة شبابهم في العطاء؛ وذلك حين تحني قامتك برًّا لتقبل يدًا طالما تعبت لتستريح، وتصغي بشغف إلى أحاديث والديك المتكررة وكأنك تسمعها للمرة الأولى؛ فتحفظ لهما مكانتهما، وتقرأ في أعينهما الذابلة دعاءً صامتًا يملأ بيتك بركةً ونورًا، لتظل أسرتك بمثابة المدرسة الأولى التي تغرس بذور الرحمة وتتعهدها بالقدوة الحسنة طوال العمر.

انقل هذا الحنان من رحاب أسرتك إلى محيط المجتمع كي تشد أواصر الروابط الاجتماعية وتحمي النسيج العام من التفكك والفرقة والشقاق؛ فعندما يشعر الفقير والمريض واليتيم بوجود قلبك الرحيم الذي يحوطهم بالعناية والاهتمام، تتلاشى من نفوسهم وحشة الغربة ومرارة الحرمان، ويحل محلها الرضا والاطمئنان، ولا تقف بعطفك عند حدود المادة، وتسامَ به إلى الكلمة الطيبة، والابتسامة المشرقة، والمواساة المعنوية التي ترفع الهمم وتجدد الأمل في نفوس المتألمين؛ وبهذه الممارسات تسهم في تقليص الفجوات، وتعين مجتمعك ليتحول إلى جسد واحد وأسرة كبيرة متضامنة يشد بعضها أزر بعض في مواجهة الأزمات وتقلبات الدهر؛ فتحصد القلوب بدفء مبادرتك ألفةً تطرد شبح القسوة وتبني بيئةً إنسانية آمنة يشعر فيها كل فرد بكرامته ومكانته.

مد أثر هذا الدفء الروحي خارج حياتك الخاصة ليشمل ميادين عملك المهني والمؤسسي كي تحقق غاياته السامية في خدمة الإنسان؛ فكم من تلميذ تعثر حرفه وأرهبته مقاعد الدراسة؛ فرفعته نظرة تشجيع حانية وصبر جميل من معلمه ففتحت أمامه أبواب الفهم والإبداع! وكم من مريض أنهكه السهر والخوف؛ فكانت لمسة طبيبه الدافئة وكلماته المطمئنة أسبق إلى شفائه من مشرط الجراح ومرارة الدواء! فانظر في شؤون غيرك بعين الرحمة، لتكسب ثقتهم وتصون حقوقهم، وتيقن بأن القوانين والأنظمة وحدها تبقى قوالب جامدة ما لم تنفخ فيها روحًا إنسانية سمحة تراعي ظروف الناس الخاصة وتقدر أحوالهم المتقلبة بحكمة واعتدال، وبذلك تجعل من موقعك المهني منارةً للرفق تيسر العسير وتبث الطمأنينة في نفوس القاصدين.

تحلَّ بلون آخر من أسمى ألوان العطف لا تراه العيون ولا تسمعه الآذان، ذلك هو العطف الخفي الذي يظهر في جبر الخواطر بصمت؛ فتغافل عن هفوة صديق كي لا تريق ماء وجهه، وابتسم في وجه عابر أرهقته الحياة دون أن تعرف اسمه، واخفض صوت فرحك بحضرة محزون، أو منح معونةً في يد محتاج دون أن تشعره بمنة أو انكسار، وأدرك أن هنالك تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها في ميزان القلوب عظيمة، تداوي جراحًا غائرة لا يصل إليها الكلام، وتنشر في الأرواح سكينةً خفية لا تقدر بثمن؛ فاجعل هذا اللطف المستتر ديدنك في تعاملاتك اليومية، وراقب أثره العميق في صفاء سريرتك واتساع صدرك، لتكون عونًا خفيًّا يرمم انكسارات النفوس المتألمة بهدوء وكرم دون انتظار ثناء أو جزاء من أحد.

وسع مفهوم العطف في فكرك انطلاقًا من هذا الأفق الإنساني الرحب ليعانق الحياة بتفاصيلها؛ فالرفق بطائر يلهث من الظمأ، وإطعام حيوان جائع وحمايته من الأذى والإرهاق، سلوك نبيل أصيل يعكس رقي ضميرك وبرهان رحمتك، وأدخل الحفاظ على الأشجار والنباتات وموارد المياه في دائرة إحسانك ومن ثم كن حريصًا على حقوق الأجيال القادمة في حياة صحية آمنة؛ فصاحب القلب الرحيم يدرك أن الكون منظومة متكاملة تسير وفق نظام دقيق من التناغم والجمال؛ فتعامل مع موجوداته برفق وتقدير، وأبصر في كل نسمة حياة أثرًا بديعًا يستحق منك الرعاية والصون، لتبرهن بسلوكك اليومي على سمو رسالتك الأخلاقية في إعمار الأرض وحماية جمالها الفطري من العبث والفساد.

أعطِ روحك المثقلة نصيبًا وافرًا من هذا الحنان بعدما شملت بعطفك الخلق والكون أجمعين؛ فالبناء الأخلاقي للعطف يستلزم أن ترفق بذاتك؛ فتتجنب جلدها والقسوة المفرطة عليها عند الخطأ، واعلم أن العطف على النفس يعني قبول الضعف البشري الطبيعي، والتعلم من العثرات بهدوء وتروٍّ دون الوقوع في اليأس القاتل أو الإحباط المدمر، وعندما تصالح نفسك وتعاملها بالرفق والاعتدال، تمتلك زادًا نفسيًّا متجددًا يمكنك من العطاء المتواصل للآخرين دون نضوب أو فتور؛ فالنفس المرهقة المثقلة باللوم المستمر تعجز عن إهداء السكينة لمن حولها، بينما ينشر قلبك المطمئن المتصالح مع ذاته السلام والهدوء في محيطه بصورة تلقائية، محققًا التوازن المنشود بين حق نفسك وحق مجتمعك، فابدأ بمواساة ذاتك ومسامحتها لتستمد منها طاقةً إيجابية تعينك على مواصلة طريق الخير.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة