إن معاملة الإنسان للناس بمثل معاملتهم له قد تجعله، مع مرور الوقت، يتصف بصفات لم تكن أصيلة فيه، وإنما اكتسبها رغبةً في رد الإساءة بمثلها. وهكذا يتخلى عن نفسه بالتدريج، ليصبح إنسانًا آخر، يظن أنه في مأمن من آثار ما يفعل، فإذا به يطلب تلك الصفات لذاتها، حتى تصبح جزءًا جوهريًّا من كيانه. إنه يضر نفسه من حيث أراد لها الصحة والكرامة، فإذا بالمرض يتمكن منها ويتلبس بها، فلا ينفع معها طب ولا دواء؛ فقد تحولت، بإرادتها، إلى أسوأ ما يكون، وهي لا تزال حريصة على نفسها.
... إذا كان الخير حجابًا يستتر وراءه شر عظيم، ونفوس مريضة، وخداع وادعاء، فليس في صدور أصحاب هذه النفوس سوى روث يختبئ وراء باقة من الزهور. فكثير من الناس لا يفعلون الخير حبًّا فيه، وإنما يتخذونه ساترًا يخدعون به الناس، ليُقال عنهم إنهم أصحاب نفوس خيّرة، أو ليصرفوا الأنظار عن أعمالهم القبيحة
.
... قد يضر الخجل الإنسان، فيجعله يخالف طبعه في بعض المواقف، ويعطي عنه انطباعًا معاكسًا لحقيقته. فكلمة قد تدفعه إلى فعل شيء لا يريده، أو تصرفه عن أمر محبب إليه، لكن خجله يملي عليه سلوكه وتصرفاته.
وقد يجعل الحياء من الإنسان صورة غير محببة إلى النفوس؛ فالإنسان الحيي قد يحجم عن مخالطة الناس خشية أن يسيء إليهم أو يسيئوا فهمه. والأصل أن يكون الإنسان تلقائيًّا في معاملته للآخرين، فلا يحجمه الحياء عن التواصل معهم، ولا يمنعه الخوف من نفورهم أو ازدرائهم من بناء الألفة بينهم وبينه.
... ليس هناك عقل سليم ينكر العاطفة أو ينفر منها، وليس هناك تناقض جوهري بين الفكر والشعور. فكل شعور وراءه عاطفة تؤثر فيه وتتأثر به، ومن وراء كل شعور عقل وذهن يتأمل ويدقق.
أما ما نراه من اعتبار العاطفة نقيضًا للعقل، فهو قول يناقض المنطق وطبيعة الإنسان؛ إذ كيف يكون الإنسان عاقلًا وهو خالٍ من العاطفة؟ وكيف يكون مرهف الحس وهو خالٍ من العقل؟ إن ذلك انقسام وانفصام في طبيعة الإنسان، فلم يكن الإنسان السوي خاليًا من أحدهما، وإنما هو ممتلئ بهما معًا.
فليس إنسانًا من خلا من عقل أو شعور، والنظر إليهما باعتبارهما شيئين متناقضين نظرة قاصرة تهبط بالإنسان إلى مرتبة أدنى من حقيقته. فهل يستطيع أحد أن يتصور عقل إنسان ما لمشاعر الفرح والحزن، والحب والكره، والشوق والحنين والغيرة؟ وهل لهذه المشاعر قيمة في تكوين الإنسان العاقل، إذا جردناها من العقل الذي يضبطها ويوجهها؟
وكيف يتصور المرء إنسانًا لا ينفعل، ولا يخطئ أو يصيب، ولا يميل أو ينفر، ولا يختار أو يتردد؟ وفي المقابل، كيف يتصور هذه المشاعر دون عقل يسعفها في الاتزان، ويمنعها من أن تتحول إلى اندفاع أعمى؟
إن العقل والعاطفة ليسا خصمين يتنازعان الإنسان، وإنما هما جناحان لا تستقيم له الحياة إلا بهما معًا.
... غالبًا ما يكره الناس من يكشف لهم سقم أفكارهم، وما يعتريها من نقص وجمود، فيتحاشون مجالسته أو مناقشته؛ لأن النقاش معه يكشف عورات أفكارهم وأخلاقهم، ويهدم ما طالما أرادوا ستره.
ودائمًا ما يخدعون أنفسهم بأن ما ورثوه من أفكار هو عين العقل، دون أن يحللوا مضمونها أو يواجهوا ما فيها من قصور ونقص. أما الذين يوافقونهم على آرائهم دون جدال، فهم أقرب إلى قلوبهم ومجالسهم؛ إذ يمنحونهم شيئًا من الثقة بالنفس، ويشعرونهم باحترام عقولهم، على الرغم من تفاهتها وسطحيتها.
فخداع النفس أهون عليهم من مواجهة القصور والغباء، والإنسان الذي لم يعتد النقد وتقبل آراء مخالفيه، غالبًا ما يظل أعمى أسير أفكاره، دون أدنى رغبة في تغييرها أو المساس بها.
... الناس لا يكرهون الحقيقة لذاتها، بل يكرهون تلك اللحظة التي تنقلب فيها الحقيقة مرآة، فتريهم وجوههم كما هي، لا كما ألفوا أن يتخيلوها. هنا تنمو الطمأنينة الكاذبة، وتُمنح العقول أوسمة لا تستحقها، وتُغذّى السطحية حتى تظن نفسها عمقًا.
وكثير من الناس لا يرتاحون لسماع المدح في الآخرين، فإذا كان الممدوح صاحب أخلاق دمثة، وتربية سليمة، وذوق رفيع، انقلب بعضهم إلى القدح فيه؛ لأن فضائله تميزه وتجعل صورته أفضل في أعين الناس، وهم أعجز من أن يكونوا مثله في هذا المضمار.
يتلقون سيرته بما ينبع من نفوسهم الوضيعة، ويسلبونه كل ميزة أو صفة حسنة، فيحيلونها إلى ركام من الشبهات، أو يجدون لها مخرجًا من الرياء أو الكبر أو غيرهما من التهم. إنها الأنانية وتقديس الذات، اللذان يطغيان على نفوسهم ويشكلان جوهر شخصياتهم.
إن الفراغ العقلي والنفسي الذي يعانيه كثير منهم يدفعهم إلى تفتيت ما عجزوا هم عن اكتسابه. فهم أعجز من أن يكونوا أصحاب فضائل، فيجدون في تشويه الآخر عزاءً لأنفسهم الهابطة.
فالفضيلة، حين تعجز النفوس عن بلوغها، تتحول في أعينهم إلى تهمة، وفي ألسنتهم إلى شبهة. ويعملون على اقتلاع الصفات الحسنة من جذورها، فيعيدون تفسير النقاء على أنه قناع، والصدق على أنه سذاجة، والتواضع على أنه ضعف.
والذي يضيق بفضائل غيره لا يمحوها، ولا يطفئ بريقها في نفس تحمل الخير وتسعد به، بل يكشف عجز المقصرين عن إدراكها.
وهكذا يظل أصحاب الفضائل على حقيقتهم، بينما تنكشف النفوس التي لم تجد سبيلًا إلى الارتقاء إلا بمحاولة إنزال الآخرين إلى مستواها.