ماذا يبقى من رحلة تاريخية إذا ضاع الكتاب الذي وصفها، وبقيت أخبارها موزعة بين مؤلفين اختلفوا في الحكم على صاحبها؟ صاحبني هذا السؤال وأنا أقرأ "نبي أرض الشمال" لأسامة عبد الرؤوف الشاذلي، اختار الكاتب بيثياس، الرحالة الإغريقي الذي أبحر من ماساليا نحو شمال الأطلسي في القرن الرابع قبل الميلاد، ليمنحه حياة روائية واسعة، مع أن شهادته عن الرحلة غابت وبقيت منها شذرات في كتب الآخرين، ولعل ما جذبني إلى الرواية هو هذا الامتحان المزدوج: كيف كان القدماء يرون عالمًا لم يبلغوه من قبل؟ وكيف تتغير صورة ما رأوه عندما تتولى الأجيال التالية روايته؟ يدخل الشاذلي إلى المسألتين من باب الحكاية، فيربط المغامرة القديمة بغربة باحث مصري في فرنسا، ويجعل من السلطة على تفسير الأشياء خيطًا يتردد بين زمنين.

نبي أرض الشمال
في المسار المعاصر نتابع عمر القداح، المعيد بكلية العلوم في المنصورة، وهو يسعى إلى منحة بحثية تقوده إلى مارسيليا؛ وهناك يدخل في علاقات واختبارات تمس انتماءه وطموحه العلمي، وفي القرن الرابع قبل الميلاد نرافق الشاعر قدموس في ماساليا، ثم في رحلة بيثياس إلى الشمال، حيث تختلط دوافع الكشف الجغرافي بالحاجة إلى القصدير وحسابات التجارة والسياسة، وتتحرك الحكايتان في فصول متناوبة، وتظل مارسيليا موضع التقاء بينهما، بما تراكم في شوارعها ومينائها من تجارب عابرة للمتوسط. يحمل المكان معنى قريبًا مما استوقف فرناند بروديل في تاريخ البحر: مسالك تستمر أزمانًا طويلة، وحيوات بشرية تتغير فوقها. لكن الرواية تمنح هذا الامتداد صوتين وإيقاعين مختلفين، وتضع القارئ أمام سؤال عن المسافة التي تفصل بين خبرة كل عصر وخبرة الآخر.
كنت قد توقعت، من موضوع الرواية، افتتاحًا فلسفيًا ثقيلًا، فإذا بالشاذلي يبدأ في حجرة شؤون الطلاب بجامعة المنصورة، وسط المكاتب المتلاصقة والملفات وحر يونيو. يراقب عمر المكان بعين الفيزيائي الذي لا تفارقه سخريته، حتى إنه يتخيل الأجساد في الممر الضيق خاضعة لمسألة في الانضغاط. هذه بداية ذكية في رسم الشخصية؛ إذ تتشكل لغتها من ملاحظات مهنية صغيرة، وتنبئنا بقدر من الطرافة والحرج الاجتماعي. ثم تظهر ورقة احتفظ بها الأب، عليها صورة العم منير ومقاله "إلى نبي هذا الزمان.. العلم"، فتدخل تجربة عمر في صلة بماضٍ عائلي أثار الخلاف وترك أسئلة معلقة. وبين الورقة الباقية وكتاب بيثياس الضائع صلة أحببتها: في الحالتين علينا أن نفهم الحادثة من أثر وصل إلينا ناقصًا.
وتكتسب هذه الصلة معناها داخل البناء الزمني نفسه، يخبر عمر عن عالمه بصيغة المتكلم، فنقترب من خجله ونكاته وأخطائه كما يراها هو؛ أما العالم الإغريقي فيتسع لراوٍ يتابع قدموس وأيوال وبيثياس ومن يلتقون بهم. يصنع التناوب تشويقًا حين تنقطع إحدى الحكايتين عند منعطف ثم تستأنف بعد فصل من الأخرى. والأجمل أن المسافة بين الصوتين تفتح باب المقارنة دون أن يضطر الكاتب إلى التصريح بها دائمًا. ومع ذلك، تتشابه بعض الحوارات في نزعتها إلى عرض الأفكار؛ وعندئذ تخفت الفروق بين باحث ابن القرن العشرين ورحالة يسير في أفق معرفي قديم. وقد كنت أود أن تظل لكل شخصية مفرداتها وعاداتها في السؤال، لأن اختلاف الأزمنة هو أحد مصادر المتعة في هذه الرواية.

أسامة عبد الرؤوف الشاذلي
بيثياس التاريخي نفسه حكاية عن مصير المصادر. فقد ضاع كتابه عن المحيط، ووصلتنا معلومات عنه عند سترابون وبلينيوس الأكبر وغيرهما، وكان سترابون يرتاب في جانب من رواياته. أعرف من الاشتغال بالمخطوطات والسير الشعبية أن نقد الخبر يبدأ أحيانًا من معرفة الطريق الذي سلكه إلينا: من نقله، وما الذي اختاره منه، ولماذا احتفظ المؤلف باعتراض خصمه؟ تتيح هذه الأسئلة قراءة بيثياس على مستويين، بوصفه رحالة حاول وصف أقاصي الشمال، وشخصية أعيد تشكيلها عبر النقل والنقد قبل أن يضعها الشاذلي في روايته. وهذا من أجمل ما يقدمه العمل للقارئ المتصل بالتاريخ؛ أن يشعر بحجم المساحة التي يستطيع الأدب أن يسكنها بين سطور الشواهد المتفرقة.
وأفضل ما في هذا العالم، من جهة الصنعة الروائية، أن الشاذلي جعل قدموس مدخلنا إليه. هو شاعر يحب ويتألم ويغضب، ويصل إلى بيثياس مدفوعًا أيضًا بحاجته إلى الخروج من مأزقه الشخصي. نعيش الرحلة مع شاب يتبدل إعجابه بالمعلم إلى صحبة لها ثمن. وقبل الإبحار نفسه يخوض قدموس معركة من نوع آخر عندما يتقدم إلى أبي أيوال، أنوسطس، فيواجه رفضًا يستند إلى مكانته خارج جماعة فيثاغورس وإلى فقره ومهنته. تتحول المحبة إلى مسألة نسب وسلطة وحدود جماعة مغلقة. وفي مشهد المواجهة نسمع قسوة الأب الذي يربط قبول الزوج بالانضمام إليهم، فيظهر كيف تمتد الأفكار إلى تفاصيل الزواج والمكانة الاجتماعية.
ثم يخرج هذا المأزق من البيت إلى فضاء المدينة عندما يكتب قدموس "مأساة أيوال زهرة القمر"، وتنتشر إعلاناتها على أعمدة الطرقات. يصبح الحب الممنوع مادة للمسرح، ويجد الشاعر في الفن وسيلة لمواجهة السلطة التي حرمت عليه الاقتراب ممن يحب. أعجبني هذا الانتقال من الألم الخاص إلى الفرجة العامة؛ فهو يضيف للشخصية فعلًا يتفق مع موهبتها، ويجعل أهل المدينة جزءًا من التوتر. وفيه أيضًا ملمح تاريخي أحب التوقف عنده: حين تنتقل الخصومة إلى ساحة الأداء، تتغير طبيعة الخبر وجمهوره، ويصبح الاسم والصورة والكلام أدوات للتأثير في السمعة والمكانة. هذه واحدة من اللحظات التي ينشأ فيها الصراع من حرفة الشخصية نفسها، فتأخذ الحكاية مسارًا أوسع من المناقشة الفكرية.
ثم يأتي مشهد أكثر هدوءًا، وأشد دلالة على اضطراب العلاقة. تقول أيوال لقدموس: "أشعر بالوحدة يا قدموس"، فيدهش لأنها معه؛ لكنها تتحدث عن الغربة التي أخذتها من حيّها وبيتها، وعن نفورها من دروس بيثياس. يظن قدموس أن الحب والقرب من المعلم يكفيان لتعويض كل ما تركاه وراءهما، بينما ترى هي أن كلماته تنال من يقين تربت عليه. الفارق بينهما هنا نفسي قبل أن يصير مناظرة فلسفية. وما يقنعني في المشهد أن أيوال تخاف فقدان عالمها، وأن حماس قدموس يجعله عاجزًا لحظة عن إدراك وحدتها. أتمنى لو احتفظت بقية الحوارات دائمًا بهذه الدرجة من التوتر الداخلي؛ فكثيرًا ما تصل الفكرة إلى القارئ عبر صمت الشخصية أو انفعالها بأثر أقوى من شرحها المطول.

الدكتور عمرو منير
ومن هذه النقطة تحديدًا اقتربت من تاريخ الذهنيات عند لوسيان فيفر. فما ترفضه أيوال يتصل بنظام كامل من التصورات والولاءات والرموز، وتصبح المراجعة الفكرية عندها امتحانًا للعلاقة بالأب والجماعة والحبيب. كانت مدرسة الحوليات قد وسعت سؤال المؤرخ ليشمل الأدوات الذهنية التي يفهم بها الناس عالمهم، وما تتركه المعتقدات في السلوك اليومي. هنا تمنحنا الرواية مثالًا حيًا على ذلك: النقاش حول العدد ونظام الكون، ومواقف أفراد الجماعة من المختلفين معهم، وانعكاس الخلاف على الحب والزواج. وتزداد قوة هذه القراءة حين ننتبه إلى اختلاف ما يخشاه كل طرف؛ فقدموس مستعد للمغامرة، وأيوال تشعر أن الأرض التي استندت إليها طوال عمرها تتحرك تحت قدميها.
ويبلغ المسار الإغريقي أجمل إيقاعاته في مشهد الجليد. تتلاشى الحدود بين البحر والسماء، وتغدو الشمس قرصًا أبيض ثابتًا، ثم يفقد بيثياس القدرة على تحديد الوجهة. لحظة ارتباك المعلم مهمة للغاية: الرجل الذي ظل يقيس الظلال ويطمئن إلى الاتجاهات يبدو أمام تلميذه عاجزًا عن الاهتداء. يسأله قدموس عن الطريق، فيجيبه بسؤال موجع: "إلى أين يا قدموس؟". ينشأ التوتر هنا من تباطؤ الحركة وتآكل العلامات التي كان البحارة يعتمدون عليها. الأبيض، الذي قد يبدو في الخيال لون صفاء، يغدو فراغًا يهددهم. ثم يأتي دوي الانفجار ورؤية الدخان فوق الجزيرة ليقطع الصمت، ويعيد المشهد من الخوف الحسي إلى محاولة التفسير. هذه كتابة تنقل اضطراب الذهن عبر المكان والجسد والإيقاع.
وعندما يتحدث قدموس عن "سيد النار" أمام الجبل الذي يقذف الدخان، يقابله بيثياس بتفسير بركاني. يتجسد هنا احتكاك الخبر المتوارث بالمشاهدة المباشرة. ويتكرر الاختبار في مشهد أهل الجزيرة الذين يضعون أمام الغريبين لوحًا حجريًا عليه رسوم لجبل ونار وماء وأشخاص مهددين. يحاول قدموس فهم الكلمات بالإشارة إلى الأشياء، ثم يستنتج المعلم من سنابل الشعير سبب تمسك السكان بالبقاء رغم الخطر. أحببت هذا التفصيل الأخير؛ فهو يربط تفسير المعتقد بالحياة الاقتصادية: الناس الذين يخافون الكارثة ينتظرون الحصاد لأن رحيلهم قبل أوانه قد يحرمهم الطعام. هنا تجتمع الطبيعة والذاكرة والعمل اليومي في مشهد كان يمكن لمؤرخ اجتماعي أن يتوقف عنده طويلًا.
ومن هذه المادة ينسج الشاذلي تأويله لأخبار ذي القرنين ويأجوج ومأجوج، رابطًا بعض عناصر الحكاية بظواهر طبيعية وبلاد الشمال. يهمني هذا الاختيار بما يثيره عن تاريخ انتقال الروايات؛ فقد تداولت كتب التفسير والجغرافيا والقصص تلك الأخبار في صيغ متباينة، وتغيرت الأمكنة التي نسبها المؤلفون إليها. وتظل العلاقة التي تقترحها الرواية جزءًا من تخييلها، أما إثبات الصلة التاريخية فيحتاج إلى شواهد مستقلة ومسارات نقل قابلة للفحص. وفي مواضع يطول تفسير المعلم ويستقر المعنى سريعًا، بينما كانت المشاهد السابقة أكثر قدرة على إبقاء الحيرة حية. ويبدو لي أن الرواية تصبح أخصب عندما تترك لأهل كل عصر منطقهم الخاص في وصف ما يرونه.
وعلى الضفة المعاصرة يحاول عمر أن يعرف لنفسه موضعًا في مارسيليا. يتجلى اختلاف صوته منذ مشهد وصوله إلى محطة القطار، وحقيبته المحملة بالكتب وما أصرت أمه على إرساله معه من طعام، وحرجه من عنوان سكن يشير في معناه إلى اللاجئين. تلك الجزئيات أصدق تعبيرًا عن الغربة من أي نقاش عام حول الهوية؛ فالبيت يرافق صاحبه في حقيبته، والمدينة الجديدة تعطيه اسمًا يخشى دلالته. ومع تطور علاقته بأبريال تنفتح شخصيته المنطوية على لغة الحب والمحادثات الطويلة، ثم تصطدم العلاقة بما يكتشفه من ماضيها وصلاتها بإسرائيل. وكان يمكن لهذه التجربة أن تحظى بمساحة أعمق في تحليل ما يصنعه الحب بالصور المسبقة التي نحملها عن الآخرين.
ويتقدم البحث العلمي في حياة عمر مع شبكة مصالح المؤسسات والتمويل والاعتبارات العسكرية، فيما تضع الأحداث الإرهابية وما يعقبها من اشتباه صورة المهاجر تحت ضغط جديد. يشترك المساران في حضور القوى التي تستفيد من البحث والاستكشاف، لكن اختلاف الشروط التاريخية يقتضي اختلافًا في صوت كل شخصية وسلوكها. وقد حافظ الشاذلي على تميز صوت عمر في كثير من المشاهد الساخرة والعائلية، وأضعفه أحيانًا عندما طالت المناظرات مع أحمد الرحماني وصارت اللغة أقرب إلى عرض الآراء. وتبدو هنا حدود المشروع الروائي الواسع: الرغبة في جمع الفيزياء والجغرافيا والأسطورة والسياسة والحب داخل حكاية واحدة. وقد كسب العمل كثيرًا من تنوع مادته، وفقد بعض خفته في الفصول التي تتقدم فيها المناقشة على حركة الأشخاص.
ذكرتني هذه القراءة بـ"أوراق شمعون المصري"، حيث انشغل الشاذلي بعالم التيه وبالشخصيات التي وصلتنا في مرويات ذات حضور ديني وتاريخي. وفي الرواية الجديدة اختار رحلة بحرية ومدينة متوسطية ومختبرًا حديثًا، ووسع المساحة الممنوحة للمعرفة العلمية. ولعلي أميل إلى المسار الإغريقي لأنه أقرب إلى أسئلتي عن الشهادة المفقودة وتاريخ الحكاية، ولأنه يقدم أكثر لحظات الرواية امتلاءً بالمخاطرة والمشاعر. وتظل القراءة الأدبية مطالبة أيضًا بمحاسبة بناء الشخصيات وإيقاع الأصوات، مهما أغرتنا الأفكار الكبرى التي يحملها العمل.
وأنا أستعيد مشهد بيثياس وقدموس وسط البياض، أتذكر سؤال الشاعر عن الوجهة وتلك الحيرة التي ظهرت في عيني معلمه. توقف الرجل الذي وثق في قياس الاتجاهات، ثم عاد إلى المحاولة حين لاح له الدخان فوق ثول. هذه اللحظة بقيت في نفسي أكثر من الخطب التي يطلقها الأبطال عن العلم واليقين؛ فقد جعلت الخوف محسوسًا، ووضعت المعرفة في جسد رجل يتردد ويتخذ قرارًا. وبعد أن انتهيت من الرواية عدت إلى أخبار سترابون عن بيثياس، وفكرت في كل ما فقدناه مع الكتاب الغائب: ارتجاف اليد على الدفة، والصمت بين السؤال والجواب، وأسماء من رافقوه ثم خرجوا من سجل التاريخ. منحهم الروائي حياة محتملة، وترك لي سببًا جديدًا للعودة إلى المصادر.