قبل أن تصبح القاهرة مدينة المسارح والفرق الفنية، وقبل أن نعرف أسماء مثل يعقوب صنوع وسلامة حجازي ونجيب الريحاني، كانت هناك أشكال شعبية من الفرجة عرفها المصريون وارتبطت بحياتهم اليومية واحتفالاتهم ومواسمهم. ثم جاءت مرحلة جديدة مع دخول المسارح ذات الطراز الأوروبي إلى مصر في القرن التاسع عشر، لتبدأ رحلة طويلة من العروض الأجنبية إلى محاولات تأسيس المسرح باللغة العربية.
لكن سؤال "ما أول مسرح في مصر؟" ليس بسيطًا كما يبدو؛ فهناك فرق بين أقدم مكان أُعد للعروض، وأول مسرح عربي، وبين فنون الفرجة الشعبية التي سبقت الاثنين. ومن هنا تبدأ الحكاية.
قبل المسارح.. المصريون عرفوا فنون الفرجة
لم تكن مصر خالية من أشكال التمثيل والتشخيص قبل ظهور المسرح الأوروبي؛ فقد عرف الجمهور فنونًا شعبية متعددة، من بينها خيال الظل والأراجوز، إلى جانب المحبظين والحكائين والمنشدين، الذين قدموا عروضًا تعتمد على الحكاية وتقليد الشخصيات والسخرية والغناء والحركة.
وكانت هذه الفنون حاضرة في الموالد والأسواق والمناسبات الشعبية، وتوجهت إلى جمهور واسع من مختلف الطبقات. لكنها لم تكن مسرحًا بالمعنى الأوروبي الحديث، القائم على خشبة عرض وصالة للجمهور ونص درامي مكتوب وفرقة تقدم عروضًا منظمة وفق هذا النموذج.
ويشير الباحثون في تاريخ المسرح المصري إلى أن كثيرًا من هذه الفنون لم يحظ بالتوثيق الكافي في الصحافة والكتابات الرسمية، وهو ما جعل استعادة تاريخها أكثر صعوبة، مقارنة بالمسارح الأوروبية والعروض التي تركت أخبارًا ووثائق مكتوبة.
الحملة الفرنسية.. أول دار للتمثيل في القاهرة
تعود واحدة من أقدم الإشارات الموثقة إلى إنشاء دار للتمثيل في القاهرة إلى فترة الحملة الفرنسية على مصر، عندما أنشأ الفرنسيون مكانًا للعروض أطلقوا عليه «مسرح الجمهورية والفنون»، ليكون وسيلة ترفيه للجنود والجاليات الأجنبية المقيمة في البلاد.
وتحمل كتابات المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي وصفًا لهذا المكان؛ ففي أحداث يوم السبت 27 ديسمبر 1800، أشار إلى اكتمال بناء المكان الذي أنشأه الفرنسيون في الأزبكية، عند موضع عُرف باسم «باب الهواء»، وذكر أنه كان يُسمى في لغتهم «الكوميدي».
ووصف الجبرتي المكان بأنه موضع يجتمع فيه الفرنسيون كل عشر ليالٍ، لمشاهدة عروض تقدمها مجموعة منهم، وتستمر نحو أربع ساعات، ولا يدخله الجمهور إلا بتذكرة معلومة وملابس محددة.
وتكتسب شهادة الجبرتي أهميتها من أنها لا تكتفي بالإشارة إلى وجود المسرح، بل تقدم تفاصيل عن موقعه وطريقة تنظيم الدخول ومواعيد العروض وطبيعتها. وبذلك يُعد هذا المكان من أقدم دور العرض المسرحي الموثقة في القاهرة الحديثة، وإن كان مخصصًا للفرنسيين ولم يكن مسرحًا مصريًا باللغة العربية.
وتشير الرواية التاريخية إلى أن هذا المسرح هُدم خلال أحداث ثورة القاهرة، وأُقيم المسرح القومي لاحقًا في منطقة العتبة والأزبكية، في محيط الموقع الذي ارتبط ببدايات المسرح في القاهرة.
عهد الخديو إسماعيل.. المسارح الأوروبية تدخل القاهرة
شهد عهد الخديو إسماعيل توسعًا في إنشاء المسارح واستقدام الفرق الأجنبية، في إطار مشروع لتحديث القاهرة وتطوير مظاهر الحياة الثقافية والاجتماعية فيها.
ومن أبرز هذه الأماكن مسرح «الكوميدي» الذي أُنشئ عام 1868، وارتبط بالعروض الأوروبية، ثم جاءت دار الأوبرا الخديوية التي افتُتحت في الأول من نوفمبر 1869، بالتزامن مع احتفالات افتتاح قناة السويس.
لم يكن افتتاح الأوبرا يعني أن المسرح العربي أصبح حاضرًا على خشبتها؛ فقد كانت العروض الأولى أوروبية، وارتبط نشاطها بالفرق الأجنبية والأعمال المقدمة بلغات غير العربية.
ومن الوقائع اللافتة في بدايات الأوبرا أن عرض «ريجوليتو» لفيردي قُدم في اليوم التالي للافتتاح، لكنه توقف بسبب حريق نشب نتيجة استخدام إضاءة الغاز. أما أوبرا «عايدة»، التي ارتبط اسمها تاريخيًا بافتتاح الأوبرا، فلم تُعرض في ليلة الافتتاح، وإنما قدمت للمرة الأولى على خشبتها في ديسمبر 1871.
وهكذا أسهمت الأوبرا والمسارح الأجنبية في تعريف الجمهور المصري بنموذج جديد من العروض المسرحية والموسيقية، ومهدت لظهور محاولات محلية لتقديم هذا الفن باللغة العربية.
يعقوب صنوع.. بداية المسرح المصري باللغة العامية
في سبعينيات القرن التاسع عشر، ظهر اسم يعقوب صنوع بوصفه أحد أبرز الأسماء المرتبطة ببدايات المسرح المصري الحديث. فقد اتجه إلى تقديم عروض مسرحية باللغة العربية، مستخدمًا العامية المصرية في عدد من أعماله، ومستفيدًا من الكوميديا والسخرية في تصوير الشخصيات والمواقف الاجتماعية.
وتنسب إليه دراسات مسرحية تأسيس تجربة مسرحية في القاهرة عام 1870، وتقديم عروض تناولت أحوال المجتمع وشخصياته، بما فيها أنماط من الموظفين والأعيان والطبقات الشعبية.
وتكمن أهمية تجربة صنوع في أنها لم تكتفِ بنقل النموذج المسرحي الأوروبي، وإنما سعت إلى تقديم موضوعات وشخصيات قريبة من حياة الجمهور المصري، مستخدمة لغة يفهمها ويتداولها في حياته اليومية.
لكن ريادة صنوع ليست مسألة محسومة بين الباحثين؛ إذ يدور نقاش حول طبيعة عروضه ومدى توافر الوثائق التي تثبت تفاصيل بداياتها. ويشير الباحث سيد علي إسماعيل إلى العثور على أخبار عن هذه التجربة في صحيفة «الجوائب» خلال الفترة من 1870 إلى 1872، وهي أخبار عُثر عليها في مكتبة أتاتورك بإسطنبول، كما تناولت الباحثة نجوى عنوس هذه المسألة في دراستها عن يعقوب صنوع ومسرحياته.
لذلك يمكن اعتبار صنوع أحد الأسماء الأساسية في نشأة المسرح المصري الحديث، مع ضرورة عدم تحويل مسألة الريادة إلى حقيقة نهائية دون الإشارة إلى اختلاف الدراسات حولها.
سليم النقاش والفرق الشامية.. المسرح العربي يصل إلى القاهرة
لم تكن تجربة المسرح باللغة العربية مقتصرة على يعقوب صنوع؛ ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لعب الفنانون والفرق القادمة من بلاد الشام دورًا مهمًا في انتشار المسرح العربي في مصر.
ومن أبرز هذه الأسماء سليم خليل النقاش، ابن شقيق مارون النقاش، الذي ارتبط اسمه ببدايات المسرح العربي في لبنان. وتذكر دراسة سيد علي إسماعيل أن فرقة سليم النقاش كانت أول فرقة عربية مسرحية تزور مصر في أواخر عام 1876، وأنها جاءت بعد محاولات للحصول على دعم الخديو إسماعيل والتصريح بتقديم عروض باللغة العربية.
وكانت هذه الفرق تقدم أعمالًا مترجمة أو مقتبسة من المسرح الأوروبي، إلى جانب نصوص أخرى، وساعد نشاطها على انتشار التمثيل باللغة العربية وتكوين جمهور لهذا الفن.
وتكشف هذه المرحلة أن نشأة المسرح العربي في مصر لم تكن نتيجة تجربة فردية واحدة، بل جاءت عبر تفاعل بين محاولات محلية، وفرق شامية، وتأثير العروض الأوروبية التي سبقتها.