حسين السيد يكتب: طه حسين ثائرا

الإثنين، 02 نوفمبر 2026 08:30 م
حسين السيد يكتب: طه حسين ثائرا حسين السيد

يمكننا أن نصف حياة طه حسين بالثوران والغليان والتمرد، فهو رجل ثائر بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ثائر على الجهل والفقر والمرض وعلى الآفات الاجتماعية عامة، فانظر إلى كتابه "الأيام" تجده ثائرا ساخطا ناقما منذ بدايته، وللعلم فإنه بدأ فى نشر "الأيام" فى سنة 1926، وهى السنة التى تعرض فيها لعواصف وبراكين وزلازل من جراء كتابه "فى الشعر الجاهلى" كادت تعصف بحياته، فنشر "الأيام" فى صورة مقالات بمجلة "الهلال" ابتداء من ديسمبر 1926 حتى يوليو 1927. وجمع هذه المقالات ونشرها سنة 1929 لتكون الجزء الأول من أيامه. وبعدها بعشر سنوات – 1939- نشر الجزء الثانى من الأيام.

طه حسين
طه حسين

 

وللدلالة على صحة قولنا، نراه مثلا فى الفصل الأول من الأيام، صـ 6 يقول: "تخرج فَتشُدُّه من ثوبه فيمتنع عليها، فتحمله بين ذراعيها كأنه الثُّمامة، وتعدو به إلى حيث تُنيمه على الأرض وتضع رأسه على فَخذ أمه، ثم تعمد هذه إلى عينيه المظلمتين فتفتحهما واحدة بعد الأخرى، وتقطر فيهما سائلا يُؤذيه ولا يجدى عليه خيرا، وهو يألمُ ولكنه لا يشكو ولا يبكى؛ لأنه كان يكره أن يكون كأخته الصغيرة بكَّاءً شكَّاءً"، وهو يتحدث هنا عن أن الجهل هو الذى جعله يفقد بصره تماما، عن طريق وضع سائل، فهو ساخط على هذه البيئة التى حرمته من نور عينيه، فمن الذى أشار على أمه بأن تضع فى عينيه سائلا بحجة العلاج؟! كما نلاحظ استخدام لفظ "الثُّمامة" وهو نبات شبيه بالخوص، عديم النفع، وكأنه يقول ليست لى قيمة عندهم، فالإنسان ليس مهما فى بيئة يعم فيها الجهل ويسود بين أفرادها.

حسين السيد
حسين السيد

 

يتحدث بعد ذلك عن عجزه وقصوره عن فعل ما يفعله إخوته، ثم يصور لنا علاقته بأمه وأبيه وإخوته فيقول:"كان يحس من أُمه رحمة ورأفة، وكان يجد من أبيه لينا ورفقا، وكان يشعر من إخوته بشىء من الاحتياط فى تحدثهم إليه ومعاملتهم له. ولكنه كان يجد إلى جانب هذه الرحمة والرأفة من جانب أمه شيئا من الإهمال أحيانا، ومن الغلظة أحيانا أخرى. وكان يجد إلى جانب هذا اللين والرفق من أبيه شيئا من الإهمال أيضا"، يستشعر القارئ هنا أن طه حسين كان حزينا لأنه كان لابد من معاملته معاملة كلها رفق وعطف وإشفاق على طفل فقَدَ بصره بسبب الجهل، فعلى الأم والأب أن يهتما بهذا الطفل اهتماما شديدا، وأن يشعراه بأنه ليس عالة على الأسرة، وأنه مثله مثل باقى إخوته.

ثم نأتى إلى مشهد تناوله الطعام؛ حيث أخذ لقمة بكلتا يديه بدل أن يأخذها بيد واحدة، فأغرق إخوته فى الضحك، وأمه تهيأت للبكاء، وأبوه أرشده إلى أخذ اللقمة بيد واحدة. واتخذ طه بعد ذلك قرارا بألا يأكل الحساء والأرز، وأن يأكل منفردا، وألا يلعب مثل أقرانه الصغار. وهنا نتساءل: كيف أرغم طه حسين نفسه على عدم أكل بعض ألوان الطعام وهو فى هذه السن الصغيرة؟ وأن يخلو بنفسه ليأكل بعيدا عن الأعين فى بيئة كبيئته تلك الريفية؟ وأن يحرم على نفسه ألوانا من اللعب والعبث حتى لا يُضحك عليه أحدا؟ قد تكون هذه مبالغة منه فى اتخاذ مثل هذه القرارات فى سنه الصغيرة.

وذكر طه حسين أن علاقته بعمِّه كانت متوترة، بل إنه كان يكرهه كرها شديدا، هكذا صرح فى صـ 23:" وكان له عم يَغيظه منه كلما رآه فيغضب ويَنهره ويُلح عليه فى تكبير اللقمة، فيضحك إخوته، وكان ذلك سببًا فى أن كره عمَّه كرها شديدا".

كما كانت علاقته بجَدِّه شبيهة بعلاقته بعمه، فكان طه حسين يراه ثقيل الظل بغيضا إليه.

ونلمح أثرا للتخلف الذى ساد مصر فى نهايات القرن التاسع عشر، وذلك عندما وصف المياه التى يشربونها من الحنفية، ولم تكن مياهها نقية بل تحمل أمراضا وهو ما أثر فى صحته، فقال: "كان يستحى أن يشرب على المائدة مخافة أن يضطرب القَدح من يده، أو ألا يحسن تناوله حين يقدَّم إليه، فكان طعامه جافا ما جلس على المائدة، حتى إذا نهض عنها ليغسل يديه من حنفيَّة كانت هناك، شرب من مائها ما شاء الله أن يشرب، ولم يكن هذا الماء نقيا دائما، ولم يكن هذا النوع من ريى الظمأ ملائما للصحة، فانتهى به الأمر إلى أن أصبح ممعودًا، وما استطاع أحد أن يعرف لذلك سببا"، هذا هو طه حسين الثائر على التخلف والجهل اللذين كانت مصر عليهما، الثائر على أقرب الناس إليه الذين لم يحترموا ويقدروا مأساة كان هو منها بريئا.

بعد ذلك يتعرض لأحوال التعليم فى عصره، وأغلبه كان مقصورا على الكتاتيب فى المراحل الأولى، ويحكى عن قصة حفظه للقرآن الكريم، ويسخر هنا من الكتَّاب ومن سيدنا ومن العريف ومن المنظومة برمتها، أو قل يثور على هذه المنظومة التى هى أقرب إلى الشعوذة منها إلى العلم، "وأبدع من هذا كله أن سيدنا كان يرى صوته جميلا، وما يظن صاحبنا أن الله خلق صوتا أقبح من صوته" صـ 32.

يحزن طه حسين من أبيه لأنه وعده إن حفظ القرآن أن يلبسه الجُبة والقفطان، لكن الأب لم يفِ بالوعد فيشعر الابن بالظلم ويقول عن نفسه "وأحس أن الحياة مملوءة بالظلم والكذب، وأن الإنسان يظلمه حتى أبوه، وأن الأبوة والأمومة لا تعصم الأب والأم من الكذب والعبث والخداع" صـ 38، وكأنه ينتقد الذين لا يفون بعهودهم حتى لو كانوا آباء لهم، فعلى كل إنسان أن يلتزم بوعوده حتى لا يسقط من نظر الآخر، وهى آفة اجتماعية نعانيها فى وقتنا الحاضر، وتجعل الإنسان لا يحترم من لا يصدق فى وعده.

لا يترك طه حسين ما يدور بين الشيخ ووالده، فيسجله لينتقد هذا الوسط الذى يرزح تحت وطأة الجهل والتخلف، فهذه بيئة لا تشجع على التعلم إطلاقا، فالشيخ يغضب من الوالد لأنه لم يعطه أجر حفظ ابنه القرآن كاملا، والشيخ يكذب فى تعامله مع الوالد ويحلف بالطلاق وهو كاذب أنه يهتم بالابن فى مراجعة الحفظ، ونتيجة هذا أن نسى طه حفظ القرآن مرة ومرة ومرة، كما أن طه كان يكذب هو الآخر. وفى الأخير يحزن طه على هذا الوسط ويتحدث عن مساوئه، كما يعقد المقارنة بين أبيه وبين سيدنا الشيخ، "وأى فرق بين الشيخ يقسم ويحنث، وبين سيدنا يرسل الطلاق والأيمان إرسالا وهو يعلم أنه كاذب؟ وهؤلاء الصبيان يتحدثون إليه، فيشتمون له الفقيه والعريف، ويغرونه بشتمهما، حتى إذا ظفروا منه بذلك، تقربوا به إلى الرجلين، وابتغَوا به إليهما الوسيلة، وهذه أمُّه تضحك منه، وتُغرى به سيِّدنا حين أقبل يتحدث إليها بما نقل إليه الصبيان، وهؤلاء إخوته يشمتون به، ويعيدون عليه مقالة سيِّدنا من حين إلى حين، يغيظونه ويثيرون سخطه"، أرأيت كيف كان طه حسين يكره هذا الوسط كله؟ أرأيت كيف كان ينفر منه؟ أرأيت كم كان يود أن يثور وينتفض على هذه البيئة غير الصالحة؟ أرأيت أنه كان على حق فى الثورة على محيطه الاجتماعى؟ كان يريد أن يفعل شيئا لكن ما هدأه وجعله يتحمل ويصبر على ما هو فيه أن سيغادر هذه المنطقة وسيرحل إلى القاهرة حيث الأزهر الشريف وسيدنا الحسين والسيدة زينب، سيتركهم عما قليل وسيترك مستنقعهم الآسن، فيقول: "ولكنه كان يحتمل هذا كله فى صبر وجلد، وما له لا يصبر ولا يتجلَّد وليس بينه وبين فراق هذه البيئة كلها إلا شهر أو بعض شهر!"

هذا هو حال طه حسين، إنه كل ما يحيط به يجعله يتمرد وينتفض ويثور، ليحطم هذه البيئة التى كانت مليئة بالعطب والفساد، فقد أصيب بالعمى وهو طفل صغير، ومن شرب الماء غير النقى أصبح ممعودا أى بمعدته داء، كما يفشو النفاق والكذب وعدم الوفاء بالعهود، كما أنهم يسخرون منه، ويتعرض للسخرية حتى من أقرب الناس إليه، من إخوته وعمه وجده، ولا ننسى الجهل والتخلف والجمود.

وهذا ما أدى بطه حسين إلى الثورة على كل شىء، على بيئته وعلى الأزهر.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة