"الأطقم الطبية بغزة.. وجع فى القلب ورسالة لا تنكسر".. الممرض سعيد أبو العيش لـ"اليوم السابع": فتحت عيني في المستشفى بعد إصابتي وسألت عن زوجتي وبناتي فجاءني خبر استشهادهم.. أداوي جراح المرضى وقلبي ينزف على أسرتي

الإثنين، 02 نوفمبر 2026 01:00 م
"الأطقم الطبية بغزة.. وجع فى القلب ورسالة لا تنكسر".. الممرض سعيد أبو العيش لـ"اليوم السابع": فتحت عيني في المستشفى بعد إصابتي وسألت عن زوجتي وبناتي فجاءني خبر استشهادهم.. أداوي جراح المرضى وقلبي ينزف على أسرتي الممرض الفلسطيني سعيد أبو العفش

حوار / أحمد عرفة

 

- خرجت من الإصابة حيا لكنني لم أخرج من وجع فقد أسرتي

- الأطباء والممرضون لم يتركوا المستشفيات رغم القصف والخطر.. وظللنا نعمل لأن المرضى كانوا بحاجة إلينا

- إصابتي لم تمنعني من العودة إلى عملي.. وكنت أشعر أن وجودي بين المرضى واجب لا أستطيع التخلي عنه

- الأطقم الطبية كانت تعمل وهي مرهقة وجائعة وتحت القصف لكننا كنا نؤمن أن هناك حياة يجب إنقاذها

-  كنا نحاول إنقاذ المرضى بما هو متاح.. ونقص الأدوية والمستلزمات جعل كل حالة معركة من أجل الحياة

- أحيانا لم نجد حتى المقاس المناسب لبعض المستلزمات الطبية.. وكنا نبحث عن بدائل لإنقاذ المريض

- غرف العمليات كانت ممتلئة والإمكانات محدودة.. وكنا مضطرين لاختيار الحالات الأكثر احتياجا للعلاج

-  الضغط على الأطقم الطبية كان هائلا.. أعداد المصابين تفوق قدرة المستشفيات والإمكانات لا تكفي

- كنا نداوي المرضى ونحن جائعون.. ونبحث عن أي شيء يسد جوعنا ثم نعود لاستكمال العمل

- نزحنا مرة بعد أخرى.. وكلما ظننا أننا وجدنا مكانا آمنا اضطررنا إلى تركه من جديد

 

لم يكن سعيد أبو العيش يذهب إلى المستشفى خلال الحرب حاملا سماعته الطبية وأدوات مهنته فقط، بل كان يدخل إليها وهو يحمل خوفا على أسرته، وجوعا ينهك جسده، وذاكرة تمتلئ كل يوم بمشاهد الموت والفقد، كان ممرضا في مستشفى الشفاء بشمال غزة، يرى الجرحى يتوافدون بالعشرات، ويقف إلى جوار المرضى في أقسى لحظاتهم، بينما كانت الحرب تقترب شيئا فشيئا من بيته وحياته الخاصة.

كان قبل الحرب يعيش حياة بسيطة تشبه حياة كثيرين، حيث دوام في الصباح، عودة إلى المنزل بالمساء، ووقت مع أسرته حول مائدة الطعام، وأحلام بدراسة وتطور مهني ومستقبل أكثر استقرارا، لكنه لم يكن يعرف أن كل هذه التفاصيل العادية ستصبح يوما ذكريات يتشبث بها للبقاء، ثم جاء القصف الذي غير كل شيء.

أصيب سعيد، ونقله المواطنون إلى المستشفى، وهناك فتح عينيه ليجد والدته أمامه، كان أول ما فكر فيه زوجته وبناته، وكأن قلبه كان يعرف الإجابة قبل أن يسمعها، سأل والدته، فجاءه الخبر الذي لم يكن مستعدا له، زوجته وبناته استشهدن، ولم يتوقف الفقد عند أسرته الصغيرة، حيث علم لاحقا برحيل أفراد آخرين من عائلته وعائلة زوجته وأقاربه.

خرج سعيد من الإصابة، لكنه لم يخرج من وجعه، كان يمكن للفقد أن يضع حدا لكل شيء، لكنه اختار العودة إلى المستشفى، عاد إلى عمله في العناية المركزة بمستشفى كمال عدوان، مؤمنا بأن هناك مرضى يحتاجون إلى من يقف بجوارهم، ورسالته لم تنته برحيل أسرته.

وفي الوقت الذي كان فيه يحاول إنقاذ الأرواح، كان يعيش هو نفسه معركة أخرى، تتمثل في نزوح متكرر، بيت يتركه خلفه، مياه يحملها لمسافات طويلة، طوابير للحصول على الماء، وجوع دفعه للبحث عن أي طعام متاح، وحتى طوابير المياه لم تكن آمنة، بعدما شهد قصفا طال أحدها وسقط خلاله عدد من الضحايا.

بين الممرض الذي يمد يده لإنقاذ مريض، والأب الذي فقد زوجته وبناته، والابن الذي فقد أمه، والإنسان الذي أنهكه الجوع والنزوح، تتشكل حكاية سعيد أبو العيش، حكاية رجل لم تمنحه الحرب فرصة للحزن، لأنه كان مطالبا في كل صباح بأن يستمر، وحين عجز عن حمل كل تلك التفاصيل في داخله، لجأ إلى الكتابة، فحول ذاكرته إلى شهادة، ووجعه لكلمات، وقرر أن يحفظ أسماء من رحلوا وقصصهم، حتى لا يتحولوا إلى مجرد أرقام.

في حكايته، يصبح التمريض أكثر من مهنة، والكتابة أكثر من وسيلة للتوثيق، كلاهما محاولة للتمسك بالإنسان في مكان تحاول الحرب أن تنتزع منه كل شيء، وضمن سلسلة "الأطقم الطبية بغزة.. وجع في القلب ورسالة لا تنكسر"، يروي سعيد أبو العيش تفاصيل رحلة طويلة من العمل تحت القصف إلى الفقد والنزوح والجوع، وكيف واصل رعاية الآخرين بينما كان يحمل في قلبه عائلة كاملة غابت، لكنه ظل يردد أن ما بقي له هو رسالته وإنسانيته والأمل، وإلى نص الحوار..

الممرض سعيد أبو العيش
الممرض سعيد أبو العيش

كيف كانت حياتك وعملك كممرض في مستشفى الشفاء قبل اندلاع الحرب؟

كانت حياتي طبيعية، كل يوم أذهب إلى دوامي في الصباح وأعود مساءً، وبعد عودتي أجتمع مع أسرتي في البيت، لم نكن نعرف النزوح أو الألم أو أن نعيش كل يوم على وقع القصف، كانت حياتنا، بحمد الله، كأننا نعيش في جنة، وهذه الجنة حُرمنا منها، كنت أعمل كممرض في مستشفى الشفاء، وتحديدا في قسم قسطرة القلب، وكنت أعشق مهنتي وأحب عملي.

ماذا كان يعني لك مستشفى الشفاء؟

كان مستشفى الشفاء جزءا مهما من حياتي المهنية والإنسانية.

ماذا كان يعني لك عملك كممرض؟

كنت أعمل في مهنة أحبها وأشعر بأنها رسالة، وكنت أرى أن وجودي بين المرضى وخدمتهم مسؤولية لا يمكن التخلي عنها.

كيف تصف سعيد أبو العيش قبل الحرب وكيف تغير بعد كل ما حدث؟

قبل الحرب كنت إنسانا لديه طموحات وآمال وخطط للمستقبل، وكنت أخطط لإكمال دراستي وتطوير نفسي مهنيا، اليوم فقدت الكثير من هذه الآمال بسبب ما حدث، وتغيرت حياتي بشكل كامل بعد فقد أسرتي وبيتي، والإصابة والنزوح والجوع، لكن بقيت متمسكا برسالتي وإنسانيتي، وما زال لدي أمل بأن يعوضنا الله خيرا عما فقدناه.

كيف تتذكر الأيام الأولى للحرب وأنت على رأس عملك؟

في الأيام الأولى للحرب كنت أداوم في مستشفى الشفاء، وكان القصف عنيفا للغاية، كانت حربا لم نشهد قسوتها من قبل، أعداد الإصابات والشهداء كانت كبيرة، والحالات كانت تتكدس في قسم الطوارئ، وكانت المشاهد مرعبة بكل معنى الكلمة.

ما أصعب مواقف واجهتها داخل المستشفى خلال تلك الفترة؟

من أصعب المواقف كان التعامل مع الأعداد الكبيرة من الشهداء والإصابات، كنا مضطرين إلى التعامل مع الحالات حسب درجة خطورتها، فنبدأ بالحالات الأكثر خطورة ثم الأقل خطورة، ونطبق نظام الفرز الطبي "الترياج".

ماذا يعني نظام الفرز الطبي؟

كانت هناك حالات بحاجة ماسة إلى العلاج، لكن غرف العمليات كانت ممتلئة بالحالات، ولم يكن بالإمكان إدخال الجميع في الوقت نفسه، فكان علينا أن نتعامل مع كل حالة وفق الأولوية والإمكانيات المتاحة.

كيف كنتم تتعاملون مع نقص الأدوية والمستلزمات الطبية والكوادر؟

كنا نتعامل مع ما هو موجود، فإذا كانت هناك أدوية مخدرة أو أدوية للعمليات أو مستلزمات معينة، كنا نستخدم المتوفر منها ونرتب الأولويات بين الحالات، كان النقص كبيرا، ولذلك كنا نحاول تدبير الأمور بأقصى ما نستطيع من الإمكانيات الموجودة.

هل مرت عليك لحظة شعرت فيها أنك عاجز عن تقديم ما يحتاجه المريض بسبب نقص الإمكانيات؟

نعم، حدث ذلك، خاصة عندما كنت أعمل في قسم العناية المركزة في مستشفى كمال عدوان، كانت هناك أوقات لا نجد فيها بعض الأجهزة أو الأدوات أو المقاسات المطلوبة لبعض المستلزمات الطبية.

سعيد أبو العيش خلال ممارسته لعمله
سعيد أبو العيش خلال ممارسته لعمله

وكيف تعاملت معها؟

كنا أحيانا لا نجد المقاس المناسب من الأنبوب الصدري أو بعض المستلزمات المستخدمة في العناية المركزة، كانت هذه الأمور تعيق عملنا، لكننا كنا نحاول استخدام أقرب بديل متاح، بالتعاون بين الأطباء والتمريض، ونبحث عن أفضل حل ممكن لإنقاذ المريض.

ما المشهد الذي بقي عالقا في ذاكرتك من فترة عملك في المستشفى؟

أكثر المشاهد التي بقيت عالقة في ذاكرتي كانت تعاملي مع الأطفال في قسم العناية المركزة، هؤلاء الأطفال كانوا يذكرونني ببناتي، وكان بعض الأطفال يناديني: "يا عمو، يا عمو، أنا عطشان، اسقيني ماء"، وفي بعض الحالات كان الطفل يكون خارجا من عملية أو تحت المتابعة في العناية المركزة، ويكون ممنوعا من الطعام والشراب بسبب حالته الصحية، كنت أحزن عليهم كثيرا، وأحاول أن أفعل أي شيء من أجلهم وأقدم لهم أي خدمة ممكنة، لأنني كنت أراهم مثل أطفالي.

متى وكيف وصل إليك خبر استشهاد أفراد أسرتك؟

كنت في البيت عندما تعرض للقصف، وكنت في الغرفة التي كانت فيها أختي وزوجها وأولادها، بعد القصف وجدت نفسي في المستشفى مصابا، وعندما فتحت عيني وجدت أمي أمامي، سألتها: "يا أمي، زوجتي وبناتي استشهدوا؟"، كان لدي شعور وإحساس بأن زوجتي وبناتي استشهدوا، وقالت لي: "صحيح، استشهدت زوجتك وبناتك"، ثم أخبرتني بالتدريج أن أهل زوجتي أيضا استشهدوا، وكذلك أختي وزوجها وأولادها، وأبناء أخوالي وأصهاري.

أسرة سعيد أبو العيش
أسرة سعيد أبو العيش

ماذا تتذكر من اللحظة التي سمعت فيها الخبر لأول مرة؟

كنت مصابا على سرير المستشفى عندما سمعت الخبر، وكانت لحظة صعبة جدا، وبدأت أقول: "اللهم أجرنا في مصيبتنا وأخلف لنا خيرا منها، وإنا لله وإنا إليه راجعون"، وكنت أبكي وأطلب من الله أن يصبرنا، فالفراق صعب، وخاصة عندما تفقد أسرتك وأطفالك بهذه الطريقة.

كيف استطعت الاستمرار في عملك بعد تلقي هذا الخبر؟

بعد أن شُفيت من إصابتي عدت إلى العمل، لكنني لم أعد إلى مستشفى الشفاء بسبب بعد المسافة وإغلاق الطرق، وتوجهت للعمل في قسم العناية المركزة في مستشفى كمال عدوان شمال غزة، وقلت لنفسي: "يجب أن أكمل مهنتي، لأن هناك أشخاصا بحاجة إلي"، ولذلك استمريت في عملي على أكمل وجه.

هل كان وجودك بين المرضى والجرحى في المستشفى يساعدك على الاستمرار أم كان يجعل ألمك أكثر حضورا؟

وجودي بين المرضى والجرحى كان يساعدني على الاستمرار، وكنت أقول لنفسي كل يوم إن حالة المريض ربما تتحسن غدا، وإن وجودي بينهم ضروري حتى أساعدهم وأنتظر شفاءهم وخروجهم بسلام، وكنت أشعر بأن علي أن أبقى على رأس عملي، وبفضل الله استمريت.

هل هناك ذكرى معينة لعائلتك ترافقك حتى اليوم؟

ذكرياتهم اليومية ترافقني دائما، عندما أرى أطفالا يلعبون، أو أرى طفلة تشبه إحدى بناتي، أتذكرهم، أتذكر لمتنا حول سفرة الغداء، وضحكاتنا، وحياتنا اليومية، وكل هذه التفاصيل فقدتها، وأحيانا أذهب إلى مكان كنا نذهب إليه معا، فأجد ذكرياتهم حاضرة أمامي.

عائلة سعيد أبو العيش الشهداء
عائلة سعيد أبو العيش الشهداء

ماذا كنت تتمنى لو استطعت رؤية أسرتك في آخر لحظة؟

كنت أتمنى أن أظل محتضنا لهم، وأن أقول لهم: "بحبكم، وعهدا علي ألا أنساكم".

نزحت عدة مرات.. كيف أثر النزوح المتكرر عليك وعلى حياتك؟

نزحت مرات ومرات، وعشت حياة معدومة من الاستقرار، كلما ذهبنا إلى مكان جديد كنا نضطر إلى النزوح منه مرة أخرى مع تقدم قوات الاحتلال، كنا مستأجرين بيتا، ثم قصف الاحتلال، فنزحنا إلى منطقة الشاطئ، ثم انتقلنا مرة أخرى إلى مخيم جباليا، الذي تعرض للاقتحام أكثر من مرة، وهذا النزوح المتكرر أثر علي كثيرا، وكنا نعيش في حالة عدم استقرار نهائيا، كان الإنسان يتمنى الموت أحيانا من شدة الذل والجوع والمعاناة التي عاشها.

كيف عشت تجربة الجوع والمجاعة وأنت في الوقت نفسه مطالب بالاستمرار في رعاية المرضى؟

كنا على رأس عملنا رغم الإنهاك والجوع، وكان الإنسان يبحث عن أي شيء يسد به جوعه وعطشه، كنا نفتقد الطحين، فنبحث عن بدائل، ونستخدم الأرز أو أي شيء آخر متوفر، لم تكن اللحوم متوفرة، وكانت الخضروات شبه معدومة، فكنا نبحث عن أي خضروات متاحة، مثل الخبيزة وغيرها، حتى نستطيع تدبير أمورنا والاستمرار في العمل.

هل تتذكر موقفا خلال النزوح أو المجاعة شعرت فيه بأنك وصلت إلى أقصى حدود قدرتك على التحمل؟

خلال النزوح كنا نضطر إلى نقل المياه لمسافات بعيدة باستخدام الجرادل والدلاء، لأن المياه كانت مقطوعة ولا تصل إلى البيوت، وكنا نقف في طوابير للحصول على المياه المفلترة أو المعالجة، وفي أحد الأيام، بينما كنا نقف في طابور للمياه، تعرض الطابور للقصف واستشهد عدد كبير من الناس، في تلك اللحظة تشعر أن الموت يمكن أن يأتي في أي لحظة، وأن الإنسان نفسه يمكن أن يصبح أحد الضحايا.

ما أكثر شيء كنت تفتقده خلال تلك الأيام الأمان أم البيت أم العائلة أم الطعام أم شيئا آخر؟

كنت أفتقد العائلة أكثر من أي شيء، وجود العائلة حولك وبجانبك يمنحك الأمان والاستقرار، والعائلة تغني الإنسان عن أشياء كثيرة، وعندما تفقدها تشعر أن جزءا كبيرا من حياتك قد فقدته معها.

ما الذي دفعك إلى كتابة كتاب عن تجربتك خلال الحرب؟

وصلت إلى مرحلة شعرت فيها أن ما عشته يجب أن يُكتب، وأن يكون صوتا لمن لا صوت لهم، أردت أن أحفظ الوقائع والتجارب التي عشتها خلال الحرب، من النزوح والمجاعة وفقد أسرتي وإصابتي، وأوثق الشهادات التي رأيتها وعايشتها بنفسي، كما أردت أن أقول للعالم إننا لسنا مجرد أرقام، وإنما نحن أناس كانت لدينا أحلام وطموحات وآمال، ثم فقدنا الكثير منها بسبب الحرب.

لماذا شعرت أن هذه التجربة يجب أن تُكتب وتُحفظ؟

حتى تكون صوتا لمن لا صوت لهم، وحتى لا ننسى الشهداء الذين رحلوا، أردت أن تبقى أصواتهم وذكرياتهم وأحاديثهم وما حدث لهم محفوظا، ما حدث لم يكن متعلقا بالإنسان فقط، بل طال البشر والحجر والشجر، ولذلك شعرت أن التوثيق ضرورة حتى لا تضيع هذه التجربة من الذاكرة.

هل كانت الكتابة بالنسبة لك وسيلة لتوثيق ما حدث أم للتعبير عن الألم؟

كانت الكتابة للتوثيق والتعبير عن الألم معا، كنت أريد أن أوثق ما حدث، وفي الوقت نفسه أعبر عن الألم الذي عشته وفقدته.

ما أصعب جزء كتبته في الكتاب؟

أصعب جزء كان "أول ليلة بلا أمي"، أمي، رحمها الله، كانت قد أصيبت بسبب قصف البيت، وأنا حاولت إنعاش قلبها، لكنها توفيت أمامي، وفوق كل ذلك، كنت أكتب عن بناتي وعن حياتنا اليومية واللحظات التي كنا نعيشها قبل الحرب، وكلما راجعت هذه الكتابات أشعر أن الذاكرة تعيدني إلى الأيام الجميلة التي عشناها قبل الحرب.

هل تغيرت نظرتك إلى الكتاب بعد أن انتهيت منه؟

أشعر أن الكتاب سيبقى ذكرى وصوتا لمن لا صوت لهم، لم تتغير نظرتي إليه، بل مع مرور الوقت أشعر أكثر بقيمة أنني كتبته، وأنا سعيد لأنني وثقت فيه ما عشناه من أقسى وأصعب النكبات، ووضعت فيه شهادات وتجارب، ومنها شهادة أخي عبد الفتاح، الذي استشهد لاحقا، وأحيانا أمسك الكتاب وأقلب صفحاته، فأجد مواقف وتفاصيل من حياتنا قبل الحرب، كبيت وأسرة وشوارع المخيم والصحبة والحياة في غزة بشكل عام.

كيف أثرت الحرب في نظرتك إلى مهنة التمريض؟

مهنة التمريض مهنة إنسانية، ونحن نقدم رسالة إنسانية، وفي هذه الحرب رأيت أن الممرضين يستحقون كل التقدير، لأنهم وقفوا لخدمة أبناء شعبهم في أحلك الظروف وأصعب اللحظات ولم يتركوا عملهم، ونحن لم ننزح إلى الجنوب في بداية الحرب، وبقيت على رأس عملي في مستشفى كمال عدوان، وهو المستشفى الذي تعرض للاقتحام أكثر من مرة.

بعد كل ما مررت به.. ماذا أصبح معنى كلمة "إنقاذ" بالنسبة لك؟

إنقاذ الأرواح، يقول الله تعالى: "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا"، كنا نعمل على إنقاذ كل حالة تصل إلينا، وعندما يكون لدينا مريض في العناية المركزة على جهاز التنفس الصناعي، ثم يتحسن ويخرج على قدميه، كنت أشعر بإنجاز كبير، لأنني أشعر أننا ساهمنا في إنقاذ حياة، وكنا سندا لشعبنا في ظل حرب قاسية جدا.

ما الذي تعلمته عن الإنسان من المرضى والجرحى الذين تعاملت معهم خلال الحرب؟

تعلمت أن الإنسان يستطيع أن يعيش في أحلك الظروف وأشدها صعوبة، لكن الأمل يبقى موجودا، وعلينا ألا نفقد الأمل.

بعد أن فقدت أسرتك وبيتك وعشت النزوح والجوع.. ما الشيء الذي بقي متمسكا بك؟

بقيت متمسكا برسالتي وإنسانيتي، بقي الأمل موجودا، وما زلت أسأل الله أن يعوضنا خيرا عن كل ما فقدناه.

ما الذي تخاف أن ينساه الناس عن الذين عاشوا هذه الحرب؟

أخاف أن ينسى الناس الذين استشهدوا في هذه الحرب، ويتحولوا إلى مجرد أرقام، فيجب أن يعلم العالم أن الشهداء ليسوا أرقاما، ووراء كل اسم إنسانا له حياته وأحلامه وآماله، وأحيانا أشعر أن من رحلوا ارتاحوا من هذه الحياة، بينما نحن الذين بقينا نواصل معركة الحياة، وما زالت معاناة الحرب حاضرة في حياتنا.

ما الرسالة التي تريد وصولها إلى العالم من خلال تجربتك وكتابك؟

رسالتي أن يعرف العالم أننا لسنا أرقاما، نحن بشر كانت لدينا أحلام وآمال وحياة وعائلات، وفقدنا الكثير بسبب الحرب، وأريد أن تبقى قصصنا وشهاداتنا حاضرة، وألا ينسى العالم ما عاشه أهل غزة.

إذا عاد بك الزمن إلى اليوم الأول للحرب.. ماذا كنت ستقول لسعيد أبو العيش في تلك اللحظة؟

كنت سأقول لنفسي أشياء كثيرة، كنت سأحتضن عائلتي، ولن أتركهم لحظة، وسأتمسك بإنسانيتي ومبادئي، وسأعمل الكثير من أجلهم، لكن في النهاية أقول "الحمد لله على كل حال".

ماذا تتمنى للمستقبل.. لنفسك ولمن بقي من أهل غزة؟

أتمنى لهم مستقبلا أفضل، وأتمنى أن تنتهي هذه الحرب، ويعيش أهل غزة الراحة والأمان والاستقرار والسلام، لقد عاش أهل غزة ظروفا صعبة للغاية في الخيام، وعاشوا النزوح والجوع والخوف والقتل، ولذلك أتمنى أن تكون المرحلة المقبلة مختلفة، ويجد الناس حياة أكثر أمنا واستقرارا.

عندما يقرأ أحد أفراد الجيل القادم كتابك بعد سنوات.. ماذا تريد أن يعرف عنكم وعن هذه المرحلة؟

أريد أن يعرفوا أننا لسنا مجرد أرقام، وأن الذين رحلوا كانوا أناسا مثلهم، لهم أحلام وآمال وحياة، وأريد أن يعرف الجيل القادم أن وراء كل إنسان فقدناه قصة، وهؤلاء الأشخاص كانت لهم عائلات وذكريات وطموحات، وأن تبقى شهاداتنا حاضرة حتى يعرف من سيأتي بعدنا ماذا عشنا، وألا تُختزل حياة الناس الذين رحلوا في مجرد أرقام في سجلات الحرب.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة