عادل السنهورى

مصر وروسيا وأفريقيا

الأحد، 01 نوفمبر 2026 03:40 م


في العاصمة الروسية موسكو انعقدت القمة الروسية -الأفريقية  يومي 28 و29 أكتوبر الماضي تحت شعار " السلام والأمن والتنمية"، وهي القمة الثالثة منذ تدشين آلية الحوار الروسي الأفريقي بالقمة الأولى في مدينة سوتشي في أكتوبر 2019 ثم القمة الثانية بمدينة سان بطرسبرج في يوليو 2023

انعقدت القمة الثالثة في ظل أوضاع وظروف دولية واقليمية غير مستقرة سياسيا واقتصاديا وأمنيا، والمنطقة تتهيأ لتوتر أمني متصاعد و ضربات عسكرية محتملة من الولايات المتحدة الأميركية ضد ايران في اطار سعي واشنطن لاعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة. من هنا تأتي القمة الروسية الأفريقية لتتجاوز  أبعاد التعاون الثنائي بين الجانبين الى اطار أوسع للمخاض السياسي الدولي الذي تتنافس فيه واشنطن وبكين وموسكو على إعادة رسم خرائط النفوذ السياسي والاقتصادي وفي القلب منها قارات العالم الثالث في افريقيا وأسيا وأميركا اللاتينية
كلا الجانبين، الروسي والافريقي يدرك تماما ومنذ القمة الاولى التعامل بمنطق المصالح المشتركة والاستفادة المتبادلة.

 

فروسيا ومنذ أن تولى الرئيس فلاديمير بوتين وقد رفع شعار وأعلن أن " الجمعية التعاونية السوفيتية قد أغلقت أبوابها وأن لغة المصالح المشتركة هي شعار السياسة الخارجية الروسية الجديدة"، في اشارة على الدعم والمساعدات السوفيتية اللامحدودة في سنوات ما قبل انهيار الاتحاد السوفيتي رسميا في بداية التسعينات. وبالتالي فاقامة علاقات تعاون استراتيجية مع دول القارة السمراء يرتكز على أسس المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة في مجالات متعددة أهمها التكنولوجيا وتوطين الصناعات والزراعة والبنية التحتية والطاقة والتعدين ونقل الخبرات، فافريقيا تعتبر ملعبا سياسيا شاسعا للنفوذ والتواجد الروسي سياسيا واقتصاديا، فالقارة لديها  ثروات طبيعية مهولة ، وأسواقاً استهلاكية واسعة بعدد سكان يتجاوز المليار ونصف المليار نسمة، وموقعاً جغرافيا  يتحكم في ممرات بحرية وتجارية حيوية.


أما القارة السمراء ودولها من جانب آخر تدرك أنها لم تعد تلك المساحة الجغرافية المستغلة كموطن للمواد الخام وللعمالة الرخيصة وتدرك أيضا أنها ليست  مجرد ساحة للتنافس الدولي، وانما طرفاً سياسيا واقتصاديا مهما يسعى إلى توظيف موقعه وموارده لتعزيز استقلالية قراره السياسي والاقتصادي وهو ما ركز عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي في كلمته أمام القمة قال الرئيس عبدالفتاح السيسي، خلال كلمته بالقمة الروسية الإفريقية الثالثة في موسكو، إن تحقيق التنمية المستدامة بصورة أوسع يتطلب نظامًا دوليًا أكثر عدالة وتمثيلًا، بما يضمن أن تعكس المؤسسات الدولية التعددية الحقيقية للنظام العالمي، ويتيح للدول المختلفة المشاركة بصورة أكثر إنصافًا في صياغة القرارات الدولية ومواجهة التحديات المشتركة.


التقارب المتزايد مع القارة السمراء تنظر اليه روسيا على أنه تنويع في الشراكات السياسية والاقتصادية والانفلات من الحصار الأوروبي وتداعيات الحرب مع أوكرانيا والدخول الى مساحات جغرافية جديدة في أفريقيا التي ترى في العلاقات مع روسيا شريك جديد بعيدا التبعية السياسية والاقتصادية لطرف واحد لكنها في الوقت ذاته لا تسعى الى استبدال النفوذ والعلاقات مع روسيا بالعلاقات مع واشنطن أو أوروبا، فالهدف هو توظيف التنوع في العلاقات لخدمة المصالح الوطنية لدول القارة استنادا  على الاحترام المتبادل لسيادة الدول و حرية واستقلالية قراراها وبعيدا عن الوصاية السياسية


القمة الثالثة أسفرت عن مخرجات من خلال اعتماد إعلانها الختامي وخطة عمل منتدى الشراكة الروسية - الأفريقية للفترة 2027-2029، إلى جانب وثيقة خاصة بالتعاون في الاستخدام المدني لتكنولوجيات الذكاء الاصطناعي. وهي مؤشرات تهدف إلى رغبة الطرفين في الانتقال بالعلاقات إلى مجالات أكثر ارتباطاً بالاقتصاد والتقنيات الحديثة ومتطلبات التنمية.


وفي رأيي متخصصين ومهتمين، فان الطموح الروسي يواجه تحدياً يتعلق بقدرة موسكو على ترجمة حضورها السياسي إلى استثمارات ومشروعات اقتصادية مستدامة، في ظل منافسة قوى تمتلك أدوات اقتصادية وتمويلية أوسع.


تحديات تطور العلاقات الروسية الافريقية تتوقف على حجم التعاون في مجالات الاستثمار والمشروعات الصناعية والزراعية والتكنولوجية.
الحضور المصري برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي أضاف أهمية وبعدا مهما للقمة في حضور يحمل معاني ودلالات سياسية كبيرة، فمصر ليست  مجرد دولة أفريقية عادية تشارك في القمة، لكنها دولة محورية رئيسية في القارة تمثل حلقة وصل جغرافية وسياسية واقتصادية بين العالم العربي وأفريقيا، كما أنها شريكاً استراتيجياً لروسيا يمتلك علاقات ممتدة في مجالات الطاقة والتجارة والتسليح والتعاون السياسي.

 

وأكد ذلك  المباحثات بين الرئيسين السيسي و بوتين ، من خلال تناول ملفات الشرق الأوسط والقرن الأفريقي والأزمة الأوكرانية، إلى جانب التأكيد على أهمية التنسيق السياسي بين البلدين. والقاهرة بالنسبة لموسكو تعد بوابة استراتيجية تمنح موسكو علاقات متعددة ومتنوعة في دول الخليج والشرق الأوسط والبحر الأحمر والقرن الأفريقي


ومصر ترى إن الحفاظ على شراكة متوازنة مع موسكو، بالتوازي مع علاقاتها بالولايات المتحدة وأوروبا والقوى الإقليمية، يمنحها مساحة أوسع للتحرك في ملفات الأمن والتنمية، فمصر رقما مهما  في معادلات المنطقة والقارة السمراء وليس فقط على مستوى العلاقات الثنائية مع موسكو.


والتعاون بين مصر وروسيا، يعتبر نموذجاً ناجحاً للتعاون بين روسيا والقارة الإفريقية، فالشراكة الإستراتيجية الشاملة المصرية الروسية، ومشروعاتها الكبرى، وفي مقدمتها محطة الضبعة للطاقة النووية، ومشروع المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، يمثل أساسا يمكن البناء عليه، لتوسيع التعاون في مجالات الطاقة والصناعة والاستثمار في مصر والقارة الإفريقية.


من هذا المنطلق، ترتكز الرؤية المصرية للتنمية فى إفريقيا على 5 محاور أساسية، هي أولا: دعم إقامة الممرات الإستراتيجية والمناطق اللوجستية.
ثانياً: زيادة التجارة البينية الإفريقية.
ثالثاً: تعزيز التعاون فى مجال الطاقة والربط الكهربائى.
رابعاً: تحقيق الأمن المائى والغذائى، ودعم التنمية الزراعية.
خامساً: تعزيز التعاون فى مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعى.(كما جاء في كلمة الرئيس السيسي)
نجاح الشراكة الروسية الإفريقية- كما قال الرئيس السيسي- يقاس بقدرتنا على تحويل التفاهمات السياسية والاقتصادية، إلى نتائج عملية ومشروعات مستدامة ونرحب في هذا السياق بخطة عمل الشراكة للفترة 2027-2029، باعتبارها إطاراً لتعزيز الشراكة الإستراتيجية بين روسيا والدول الإفريقية، وتطوير مجالات التعاون المشترك.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة