لماذا تحاكمني على شيء لا دخل لي فيه؟ إنه القلب الذي لا يعرف للإرادة التي تخالفه معنى؛ لا يعترف بك ولا يعترف بي، ولا يرضخ لسلطان، مهما بلغ من القوة أو الطغيان. تلك القطعة من اللحم والدم، القابعة في الجانب الأيسر من الصدر، لها مملكتها الخاصة وسلطانها الذي لا سلطان أشد منه.
قلت له مرارًا إن ما يخوض غماره ليس إلا معركة خاسرة، لا أمل في الانتصار فيها، وإن نهايتها الخراب والضياع. قلت له: أمامك الكثير هنا وهناك، في بقاع الأرض المترامية؛ فلماذا تصر على ما تصر عليه، وأنت مقبل على شتات داخلي ربما يقودك إلى الجنون والمرض؟
لكنه لم يستوعب، ولم يُعرني سمعًا. كان يستمع إليّ، فأظن أنني أوشكت على إقناعه، فإذا بي أكتشف أن كلامي لم يترك أثرًا، وأنه يعود إلى ما كان عليه، كأنني لم أقل شيئًا. أرهقني أيامًا وأشهرًا في محاولة إقناعه، فلم يقتنع. عندها أدركت أنني لا أخوض معركة معه وحده، بل أخوضها مع نفسي أيضًا.
كل ما لديه أنه مجبر، وأنه لا يملك إرادة تغيير مسار دورته الدموية، ولا إعادة خلقها من جديد؛ فهو ليس ربًّا، والقلوب بيد الله. فكيف أطلب منه أن يخلق قلبًا آخر، وهو عبد ضعيف لا يملك من أمر قلبه شيئًا؟
كنت أرفض حجته، وأعود إلى اتهامه، كأن تكرار اللوم سيمنحني سلطة لم أملكها من قبل. لم أسأل نفسي يومًا إن كان القلب مذنبًا لأنه أحب، أم أنني أحاكمه لأنني عجزت عن احتمال ما جرّه عليّ حبه.
عشت ليالي كاملة في النيران، أحترق من الداخل. كان الليل بالنسبة إليّ محاكمات لا تنتهي، وأسئلة تتكاثر، وردودًا أتخيلها، واحتمالات تتنازعني. كيف لي أن أخرج من ذلك كله؟ ومتى؟ وأين أجد المنقذ مما أفعله بنفسي؟
أتسخر مني أم تسخر بي؟ إن الهموم الكثيرة التي يمتلئ بها دمي، لو اجتمعت في غيري لانفجر من هول ما رأى، أما أنا فتؤذيني فيما أريده من إنقاذ نفسي وكياني. يا ويل نفسي مما يعترض حياتي البائسة!
أغمغم وأنفاسي تتهدج، كأنني أقف بين موتين، لا يفصلني عن أحدهما إلا أن أسقط في الآخر. لم تترك لي الحياة ولو جزءًا ضئيلًا من الأمل؛ إنها تنتقم مني بلا ذنب ولا جريرة ارتكبتها. كل ما فعلته أنني حاولت الخروج من هذا العذاب، أو البحث عن تبرير لما يحدث لي.
لماذا أنا؟ وأنا الذي لم أُصب أحدًا بسوء، إذا بالرماح تنالني من كل جانب. لم يعد لديّ ما أعيش به، ولا ما يساعدني على البقاء سليمًا، بعيدًا عن كل عين ترقبني وتترصدني.
أنظر إلى ما تبقى مني، فأجده يلفظ أنفاسه الأخيرة، لا يتجاوب مع الحياة، ولا الحياة نفسها تلين له. تقف الحياة سيفًا حادًّا فوق الرقاب، كأنها جاءت لتطيح بأجساد أنهكها الانهيار.
تعلّقنا بها في سنوات سابقة، ولو بأمل ضئيل، فإذا بها تلقي في وجوهنا أحجارًا صلدة تحجب عنا الرؤية. وأنت تأتي الآن لتقول لي إن عليّ أن أرفض، وأن أقاوم، وأن أغيّر مسار قلبي، وأنا الذي أحاول ليل نهار أن أوقفه عند حدّه، فلا أستطيع!
أريدك أن تبصر إن كنت لا ترى، وأن تلقي نظرة فاحصة على ما يدور حولك. لا تتغابَ، ولا تطلب المستحيل، ولا تهددنا بتلك المشانق وأسلحة القتل والفتك. نحن مقتولون بالفعل؛ رميم وجثث لم تتعفن بعد، كأنها حُفظت في ثلاجات شديدة البرودة، لكنها ماتت من الداخل. لعلنا لم نعد نصلح للحياة، ولعل الحياة نفسها لم تعد تصلح لنا.
تلك أقدارنا المعهودة، تلقي بنا في صمتها المريب. نحن صناعة باهتة، نفوسنا شاحبة، وصدورنا غائمة، لا تمنحنا الحياة من نكهتها إلا المرارة. ما مرّ يوم إلا وانتهك فينا شيئًا، وإن ظل خافيًا لا يظهر للعيان. يتربص بنا الشقاء، ويصيب القلب تارة، والروح تارة أخرى، حتى يتفرق الألم في أنحاء كياننا.
أين تعترض؟ وبماذا تعترض، إذا كنت أنت نفسك لم تعد شيئًا، وإذا كان ما تبقى منك أقل بكثير مما ذهب؟
أطلب الحب، والحب غائب، لا سبيل إليه ولا طريق يُفضي إليه. كل تشوّه فيك ينمو يومًا بعد يوم، وكل نور ينطفئ، وكل شعلة تتحول إلى حريق دامٍ.
لا تحدثني عن ذلك اللاموجود في حياة الأشقياء منا، ولا تطلب مني أن أرى ما ليس موجودًا. بادر بالصفح، وإن بدا لك أنه لا يعني شيئًا. اصفح عن نفسك المغلولة بقيود المحبة، وفك أصفادها، واترك ذاتك الضائعة ترسو إلى شاطئ تنعم فيه بالراحة.
استنشق هواء البحر، لعل رئتيك الذابلتين من أثر الحرائق الماضية تستعيدان شيئًا من عافيتهما. حاول أن تعيد إليهما ما سلبته النيران.
توقفتُ أمام هذه الكلمات. من الذي يطلب مني أن أصفح؟ أهو صوت العقل الذي ظل يطارد القلب باللوم والاتهام، أم أنه صوت آخر نهض من أعماقي بعدما أنهكني الصراع؟
أتظن أنه من الممكن أن أرمم نفسي بعد أن اكتمل الخراب؟ وأي بذرة يمكن أن تنبت، وأي أساس يمكن أن يُقام، إذا كانت الأرض مالحة لا تصلح للزرع؟
ظللت صامتًا، ولم أجد جوابًا. للمرة الأولى لم أطلب من القلب أن يتراجع، ولم أهدده بالخسارة والضياع. كنت قد أرهقته بالاتهام حتى كدت أنسى أنه جزء مني، وأن ما يصيبه لا يقف عند حدوده، بل يمتد إليّ ويصيبني معه.
أعِنّي على نفسي المنكسرة؛ لعلنا نقيم أودها، ونحملها من جديد، ونرمم ما تهدّم.