ثروة عقارية معطّلة.. وحل اقتصادي يحقق للدولة مليارات ويمنح ملايين المواطنين الأمان
ليست كل الثروات التي تملكها الدول موجودة في باطن الأرض، أو في خزائن البنوك، أو في المصانع ومشروعات الإنتاج؛ فبعض أعظم الثروات قد تكون أمام أعيننا، بل تحت أقدامنا، لكنها تظل حبيسة نظم إدارية وعقارية لم تعد تحقق الغرض الاقتصادي منها.
▪︎▪︎ وأحيانًا لا تكون المشكلة في نقص الموارد، وإنما في عدم القدرة على تحرير الموارد الموجودة، وتحويلها من أصول جامدة إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
》ومن هذا المنطلق، أطرح فكرة أرى أنها تستحق دراسة جادة على أعلى المستويات، لما يمكن أن تحققه من عوائد اقتصادية ضخمة للدولة، فضلًا عن آثارها الاجتماعية والعمرانية الإيجابية.
□□ المفارقة التي تستحق أن نتوقف أمامها:
》خلال عملي السابق رئيسًا لهيئة الأوقاف المصرية، ومن واقع خبرتي الطويلة في إدارة واستثمار أصولها العقارية، لفت انتباهي نمط من التعامل مع الأراضي يستحق إعادة النظر.
حيث تقوم الهيئة ببناء عمارات سكنية على بعض أراضيها، ثم تبيع الوحدات السكنية، بدون حصة فى الأرض .. أى تظل ملكية الأرض محتفظًا بها للهيئة، دون انتقال حصة شائعة منها إلى ملاك الوحدات.
وهكذا تنشأ حالة عقارية غير مكتملة:
□ المواطن يمتلك شقة سكنية، لكنه لا يمتلك نصيبًا في الأرض المقامة عليها.
□ الجهة المالكة تحتفظ بأرض تحتلها عمارات مأهولة ومستقرة.
فلا تستطيع الجهة استغلال الأرض بصورة مستقلة، ولا استردادها إلا بعد إزالة المباني وإخلائها.
وتظل قيمة الأرض الاقتصادية مجمدة، وربما لعشرات أو مئات السنين.
》تأملوا هذه المفارقة: أرض تملكها الدولة، ومبنى يملكه المواطن، وأصل عقاري لا يستطيع أي منهما استثمار كامل قيمته!
فلماذا نستمر في هذا الوضع إذا كان هناك حل يحقق مصلحة الطرفين؟
إذا كان بيع بعض الأراضي جائزًا.. فلماذا لا ندرس بيع هذه الأراضي أيضًا؟!
》تقوم هيئة الأوقاف المصرية بالفعل ببيع بعض الأراضي "بنظام الاستبدال" ، خاصة الأراضي المتناثرة أو التي يصعب استثمارها أو يخشى عليها من الضياع، وذلك وفق الضوابط الشرعية والقانونية المنظمة.
إذن، فالتصرف في بعض الأراضي ليس أمرًا مستحيلًا أو محظورًا على إطلاقه، وإنما يخضع لطبيعة الأرض والجهة المالكة والضوابط المنظمة للتصرف فيها.
》وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم:
إذا كان من الممكن استبدال أرض غير مستغلة، فلماذا لا ندرس استبدال أو بيع الأراضي التي أقيمت عليها بالفعل عمارات سكنية، وأصبح من المتعذر استغلالها بصورة مستقلة، ويعيش فيها مواطنون يتمنون امتلاك حصة الأرض المقامة عليها مساكنهم؟
● أليس من المنطقي أن نبحث عن صيغة تحقق عائدًا للجهة المالكة، وتنهي في الوقت نفسه حالة عدم اكتمال الملكية لدى المواطنين؟
》الحل المقترح: بيع أراضي العمارات القائمة لاتحادات الشاغلين
أقترح إطلاق برنامج وطني لحصر الأراضي المملوكة للجهات العامة، والتي أقيمت عليها عمارات سكنية تم بيع وحداتها دون بيع حصص شائعة في الأرض، ثم دراسة إتاحة هذه الأراضي للشراء من خلال اتحادات الشاغلين أو الكيانات القانونية الممثلة لملاك الوحدات.
وتقوم الفكرة على الآتي:
أولًا: الحصر والتقييم
إجراء حصر شامل للأراضي التي تنطبق عليها هذه الحالة، مع تحديد مساحاتها ومواقعها وقيمتها السوقية، وطبيعة ملكيتها، والقيود القانونية والشرعية المتعلقة بها.
ثانيًا: الشراء للشاغلين فقط .. أو تكون لهم الأولوية الأولى :
▪︎▪︎ منح ملاك الوحدات أو اتحاداتهم أولوية شراء الأرض المقامة عليها عماراتهم، باعتبارهم أصحاب المصلحة المباشرة في استكمال ملكيتهم العقارية.
ثالثًا: تسعير عادل وشفاف
تحديد القيمة السوقية للأرض بواسطة لجان تقييم مستقلة، وفق أسس معلنة، مع مراعاة حقوق الجهة المالكة، وعدم تحميل المواطنين قيمة المباني التي يمتلكونها بالفعل.
رابعًا: تيسيرات السداد
إتاحة بدائل للسداد، سواء بالدفع الفوري أو بالتقسيط على مدد مناسبة، بما يسمح بمشاركة أكبر عدد من الملاك، ويحقق في الوقت نفسه تدفقات مالية للجهات المالكة.
خامسًا: استكمال إجراءات الملكية والتسجيل
بعد استيفاء الموافقات القانونية والشرعية اللازمة، يتم نقل الملكية وتسجيل الحصص وفق الصيغة القانونية المناسبة، بما ينهي حالة الفصل بين ملكية المبنى وملكية الأرض.
كم تبلغ قيمة هذه الثروة؟
هنا نصل إلى الجزء الأكثر أهمية.
من خلال الحصر والدراسة الأولية التي قمت بها بالنسبة إلى أراضي العمارات التابعة لهيئة الأوقاف المصرية، توصلت إلى أن القيمة التقديرية لهذه الأراضي وحدها تتجاوز 100 مليار جنيه.
وهذا رقم يستحق أن نتوقف أمامه؛ فنحن نتحدث عن قيمة أراضٍ موجودة بالفعل، ومقام عليها مبانٍ مأهولة، ولها ملاك مستعدون من حيث المبدأ لشراء الأرض واستكمال ملكيتهم.
●● والأمر لا يقتصر على هيئة الأوقاف فقط ؛
فهناك حالات مماثلة تستحق الحصر والدراسة لدى جهات متعددة، من بينها:
بعض مشروعات الإسكان التابعة لجهات الشرطة.
بعض المشروعات والأصول التابعة للقوات المسلحة، وفق ما تسمح به طبيعتها وضوابطها.
هيئة السكك الحديدية والجهات التابعة لها.
الشركات والهيئات العامة والاقتصادية.
جهات أخرى تمتلك أراضي أقيمت عليها عمارات سكنية دون انتقال ملكية الأرض إلى ملاك الوحدات.
وعند تعميم الدراسة على هذه الجهات، فإن التقديرات الأولية التي توصلت إليها تشير إلى إمكانية الوصول إلى حصيلة إجمالية قد تقترب من تريليون جنيه.
وهذا الرقم ليس حصيلة مؤكدة أو إيرادًا مضمونًا، وإنما تقدير أولي يستوجب التحقق منه من خلال حصر قومي وتقييم عقاري مستقل ودراسة قانونية ومالية متكاملة.
و حتى لو أسفرت الدراسة النهائية عن أقل من هذا الرقم ، فإننا سنكون أمام فرصة اقتصادية تستحق التحرك.
●● ماذا تكسب مصر من هذا المقترح؟
الأمر أكبر من مجرد بيع أراضٍ وتحصيل أموال.
1- مكسب اقتصادي مباشر
تحويل أصول عقارية مجمدة إلى سيولة مالية ضخمة يمكن إعادة توظيفها في استثمارات جديدة، أو تطوير الأصول العامة، أو تمويل مشروعات تحقق عوائد مستدامة.
2- مكسب اجتماعي وإنساني
منح المواطنين فرصة استكمال ملكيتهم، وإزالة حالة القلق المرتبطة ببقاء الأرض ملكًا لجهة أخرى، وتعزيز شعورهم بالأمان والاستقرار.
3- مكسب عمراني
عندما يمتلك المواطن حصته في الأرض، تكتمل حقوقه العقارية، ويصبح أكثر حرصًا على صيانة العقار وتطويره والمحافظة على قيمته.
4- مكسب إداري واستثماري
تتخلص الجهات المالكة من أصول يصعب استغلالها بصورة مستقلة، وتعيد توجيه مواردها إلى مجالات أكثر إنتاجية وعائدًا.
5- مكسب للدولة دون أعباء اقتراض جديدة
نحن هنا لا نتحدث عن قرض جديد، ولا عن ضريبة إضافية، ولا عن تحميل الموازنة العامة أعباء مالية، بل عن تحرير قيمة اقتصادية موجودة بالفعل، وفق ضوابط تحقق العدالة وتحافظ على حقوق الملكية العامة والوقفية.
ولكن.. كيف نضمن ألا يتحول الحل إلى تفريط في أصول الدولة؟
هذا سؤال مشروع، والإجابة تكمن في حسن تصميم البرنامج.
فليس المقصود بيع كل أرض، ولا التصرف في الأراضي التي تمثل احتياطيًا استراتيجيًا أو لها استخدامات مستقبلية، ولا المساس بأي شرط من شروط الواقفين.
بل يجب أن يقتصر البرنامج على الأراضي التي تثبت الدراسة أن بيعها يحقق مصلحة اقتصادية وقانونية وشرعية، وأن استمرار ملكيتها بالصورة الحالية لا يحقق عائدًا يتناسب مع قيمتها.
كما يجب أن تتم العملية من خلال تقييم مستقل، وإجراءات معلنة، ورقابة مالية وقانونية، مع ضمان عدم وجود تضارب مصالح أو محاباة.
وفي حالة الأوقاف تحديدًا، يجب أن يثبت أن الاستبدال يحقق مصلحة الوقف ويحافظ على حقوق المستحقين، وأن تستخدم الحصيلة وفق الأحكام المنظمة لأموال الوقف.
رسالتي إلى متخذ القرار
إنني لا أطرح مجرد فكرة لبيع بعض الأراضي، وإنما أدعو إلى إطلاق مشروع قومي لتحرير الثروة العقارية المعطلة.
وأقترح أن تبدأ الدولة بتشكيل لجنة عليا تضم ممثلين عن الجهات المعنية، تتولى خلال فترة زمنية محددة:
حصر جميع الأراضي التابعة للجهات العامة والمقام عليها عمارات سكنية دون انتقال ملكية الأرض إلى ملاك الوحدات.
تصنيف هذه الأراضي إلى ما يصلح للتصرف فيه وما يتعين الاحتفاظ به.
إعداد دراسة قانونية وشرعية واقتصادية لكل فئة.
تحديد القيمة السوقية للأراضي القابلة للتصرف.
وضع نموذج موحد للبيع والتقسيط ونقل الملكية.
البدء بمشروع تجريبي في هيئة الأوقاف المصرية، باعتبارها من الجهات التي يمكن الانطلاق من واقع خبرتها وطبيعة أصولها، ثم تعميم التجربة على الجهات الأخرى بعد تقييم نتائجها.
》وهنا أؤكد أن نجاح المشروع لا يقاس فقط بحجم الأموال المحصلة، وإنما أيضًا بقدرته على تحقيق العدالة بين الدولة والمواطن، وتحويل أصول راكدة إلى استثمارات منتجة.
كلمة أخيرة
قد لا تحتاج مصر دائمًا إلى البحث عن ثروات جديدة، بقدر ما تحتاج أحيانًا إلى إعادة اكتشاف ثرواتها القائمة.
إن تريليون جنيه، وفق التقديرات الأولية التي تستحق التحقق والدراسة، ليس رقمًا عابرًا في حسابات الاقتصاد، بل فرصة تستحق أن تفتح لها الدولة ملفًا جادًا.
فلماذا نترك أرضًا لا نستطيع استغلالها، ومواطنًا يتمنى شراءها، ومالًا يمكن أن يدخل خزائن الدولة، بينما يظل الجميع في انتظار حل؟
إنها دعوة إلى التفكير خارج الأطر التقليدية، وإلى تحويل مشكلة عقارية مزمنة إلى فرصة اقتصادية واجتماعية كبرى.
فالثروة الحقيقية ليست فيما نملكه فقط، بل في قدرتنا على تحويل ما نملكه إلى قيمة نافعة للدولة والمجتمع. بلدنا الحبيبة .. مصر ،،
..حفظ الله مصر، ووفق أبناءها إلى كل ما يحقق لها الخير والتقدم.