حازم حسين

أرشيف القتيل يتحالف مع القاتل

الأحد، 01 نوفمبر 2026 02:00 م


ما أتعس السعداء بالمُفاضلة بين جلّاديهم، أو التوهّم بأنهم قادرون على تنحية سَوطٍ بترقية بديله المُطابِق!
لن يكون الذئب رحيمًا بالغنم مُطلقًا، والأغبياء وحدهم سيفترضون أنه قد يُشفق عليها؛ بأكثر مِمّا تُشفق على نفسها.
يتعزّى الضعفاء بكل وهنٍ يُستَشعَر فى غريمهم؛ وإن أورثهم عدوًّا أقوى، أو لا يقل عن سابقه!


ومن فرطِ الاهتمام بانتخابات إسرائيل، وكثافة مُتابعتها، وبهجة الملايين بنتائجها الأَوّلية؛ تخيّلت لوهلةٍ أن التصويت على فلسطين، أو فى صناديقها المُغيّبة لعَقدين.


كّلٌّ يغنّى على ليلاه، وينتظر الفرج بأصوات سواه. والمُتابعة طبيعية ومفهومة؛ غير أن التعويل عليها سذاجة كاملة، ويكاد أن يكون تآمرًا على العقل والذات والقضية!


أُجريت الانتخابات الفلسطينية مطلع 2006، وتلاها سباق الكنيست السابع عشر بنحو شهرين، ومن يومها توقّفت الأُولى، مقابل تسع محطّات تالية للثانية!
مُنِحَ نتنياهو كل ما يُمكن أن يُبقيه فى الواجهة، ويُعزّز سرديّته، ويختم على سيرة «الملك اليهودى» التى اصطنعها، ولم يجد عونًا له فيها أكثر من الحماسيين.
وكان الرجل يُبادلها محبّة بمثلها، ويُوظّفها لأهدافٍ لم تخفَ إلا عليها وحدها؛ أكان لجهلٍ، أم لإملاء خارجىٍّ ما امتلكت له دفعًا!


فوزها قبل عقدين أعاده للحُكم بعد غياب، وانقلابها على السلطة مكّن له؛ فردّ الجَميل برعايتها وتمكينها، وتمرير حقائب الدولارات شهريًّا.
وكلها مُقدّمات أفضت للطوفان، وهو أكبر الرابحين منه للآن، وربما فى الجَردة النهائية مهما تأخّرت!


وإذ يُحتَفَل بلا مُبرّر بهزيمته؛ فالواقع أن الصورة على خلاف ما يُسَوّق من البعض، والتبسّط فى تفكيك عناصرها؛ إنمّا ينمٌّ عن اختزالٍ أو سوء نيّة.
وكلاهما يخدم زعيم الليكود، ويضرّ فلسطين بأكثر مِمّا أصابها من مضارّ!


تراجعت حصّة حزبه 5 مقاعد؛ غير أن أصواته زادت 50 ألفًا بالقياس على 2022.
وإذ تآكلت أغلبية الائتلاف عن 68 مقعدًا ختم بها، أو 64 ابتدأت ولايته قبل أن يستعيد جدعون ساعر؛ فالمُعارضة الصهيونية بأطيافها لم تتحسّن كثيرًا، والحشد العربىّ أفادهم شكلاً، إنما لا يخلو من فائدة للمُتطرّفين فى المضمون.


إسرائيل ذات هُويّة قلقة، مهجوسة بالأمن والذوبان فى محيطها، وأن تطفر بئرُ الزيت بكلِّ عنفوانها من الداخل؛ لَهَذا أدعى للتحفّز راهنًا، وعلى المدى البعيد.
وصلت مشاركة العرب 80%، بأكثر من نظيرتها اليهودية. تضاعفت المقاعد تقريبًا (19 بدلاً من 10). وسيكون بمقدورها، فى سيناريوهين من أربعة مُتاحة؛ أن تصير صانعة الملوك!


افتراض أن ذلك يعجب الطرفين على السواء، الأغلبية والمُعارضة؛ حتى إن اضطرّ أحدهما إليه، لا يتماشى مع طبيعة المرحلة، ونبرة اليمين الزاعقة.
وسيكون اللجوء لتلك الورقة من أيّهما، مُقدّمة فى الغالب لإسقاط الحكومة سريعًا، والاحتكام للانتخابات، مع أعباء مُركّبة على المُحتمين بمظلّةٍ فلسطينية.
سرت مُؤخّرًا أنباء عن اتصال من دائرة نتنياهو بمنصور عباس. والأخير له ثمانية مقاعد، تكفى لتحقيق الأغلبية.


غير أنّه مرفوض من التوراتيِّين، كما يرفضه حلفاء آيزنكوت، أنصار «حكومة صهيونية لمَن يخدمون بالجيش». أى بلا عرب، ولا حريديين يرفضون التجنيد.
وإلى ذلك، فمعه شخصية يهودية رفيعة، عمل مفوّضا للشرطة، وحلّ تاليًا له بالقائمة؛ ربما على سبيل الاستعداد المُسبَق لتذويب الرفض، وتسهيل مهمّة دخوله الحكومة وفق أية فرصة سانحة.


وسواء صحّت معلومة الاتصال أم لا؛ فالمُشكلة ليست لدى العرب، إنما على الجانب الآخر.
يعرضون الائتلاف أو شبكة أمان بلا تمثيل حكومى، ويُقابَلون بالرفض حتى الآن؛ من دون إنكار أن الكواليس قد تُضمر خلاف ما يُعلَن.
الحديث عن قناة مع الليكود، ربما تستهدف تطبيع فكرة الاتصال، ورفع الحرج عن آيزنكوت وائتلافه.


وإذا تورّط نتنياهو فى جلسة موثّقة؛ فإما يُسلّم لعباس بما يُريد، أو يحتمل انتقاله للضفّة المُقابلة، مع غطاء من القائمة العربية المشتركة، ومعها أحد عشر مقعدًا.
تظلّ كلها حسابات رياضية، لا تعنى أن الحال ستتغير؛ فالجميع مُتّفقون على رفض الدولة الفلسطينية، وعلى عقيدة أمنية جديدة، صارت واقعًا لن ينزل عنه أى بديل لاحق.


وفى المقابل؛ فثمّة لعبة تُدَار من طرفٍ خفىّ، لصالح ما تبقّى من حماس فى غزّة، ودون وعى إلى أنها ربما تصبُّ فى صالح نتنياهو، من حيث تُريد ادّعاء الفضل فى انتكاسته السياسية.


أفرجت الحركة بكثافةٍ عن مقاطع مصوّرة لقادتها المقتولين بعد مُقامرة الطوفان، خاصّة السنوار والضيف، فى محاولة ركيكة لتعويمها عاطفيًّا، والتمسّح بجلال الموت؛ لغفران ذنوب الموتى والأحياء معًا.


أُرجِئت الانتخابات سنةً، وسيبدأ الاستعداد لها بكل الوسائل الرخيصة، ومنها ما سُرِّب لأحد صبيان الجماعة فى قناةٍ شهيرة؛ غير أنهم يُغذّون السردية المُضادّة قصدًا أو حماقة.


المعنى أنَّ الحماسيِّين يستعدّون، وأنهم مُصرّون على البقاء بصورتهم القائمة، ويُؤسِّسون حملتهم على أكتاف صُنّاع الكارثة.


كما لو أنّهم يتقصّدون تأكيد اتّصال الفكر والسلوك، ويوفّرون لنظرائهم من الصهاينة المُتطرّفين ذُخرًا وفيرًا من الذرائع!
وإذ يدّعون ضمنيًّا أنهم قادوه للتردّى، وقلّصوا مقاعده؛ فإنهم يتجاهلون حقيقة مَنحِهم إيّاه أثمن هدايا عُمره، وما لم يكن يحلم به أبدًا.


لقد أعطوه أطول حكوماته على الإطلاق، والوحيدة بولاية كاملةٍ طوال مسيرته السياسية.
أخرجوه من قلقٍ واحتجاجات، وسرّعوا إسناده بحكومة وحدة، ومكّنوه من اجتراح حربٍ على كل الجبهات، وامتلاك مفاتيح الهاجس الأمنى والوجودى، بحسب هواه، وكلّما عَنّ له التفعيل!


وإخراج أرشيفهم الآن لا يقتسم كعكةً لم تختمر أصلاً؛ بقدر ما يُثير الغبار فى العيون.
وذلك، فضلاً على أجواء ارتياب إقليمية، ربما تُيسّر له تجديد المواجهة مع إيران؛ فيفوز مُجدّدًا بإجماعٍ سهلٍ، يركبه لأمدٍ حتى يُرمّم صورته؛ فيتخلّى عنه ويحتكم للشارع!


باختصار؛ لن تتعدّل أوضاع فلسطين بأصوات الإسرائيليين، حتى العرب منهم. أقصى ما حقّقوه اليوم يدقّ ناقوسًا بأضواء حمراء، رغم أنه يقل عن وزنهم النسبىّ (خُمس السكان/ أى خمسة مقاعد أكثر مِمّا جَنوه).


منصور عباس يتشارك الإخوانية مع حماس؛ لكنّ انتهازية الجماعة لديه أعلى. وسبق أن تحالف مع لابيد وبينيت، وجمعته اتصالات مُبكّرة للغاية بنتنياهو، ولا غضاضة لديه فى أن يدعم السفاح القائم، أو «مُهندس عقيدة الضاحية» المُحتَمَل.


وحماسيّو غزّة يحتفلون على أكوام رَدمٍ وجُثث، ويُخرجون شرائط تُدين استخفافهم بالناس، أضعاف ما تُثبت أنهم غيّروا المُعادلة، حتى بالنسبة لأسوأ رؤساء حكومات إسرائيل وأطولهم بقاء.


والحقّ؛ أنه مَدين لهم بشُكرٍ وافر. دمّر القطاع وقضم ثلاثة أرباعه، وسرّع الاستيطان مع خنق السلطة أكثر، وأضاف أرضًا من لبنان وسوريا، ووصل لقلب طهران وأعلى عمائمها؛ ما كان حُلمًا مستحيلاً قبل هديّة السنوار.
أنجح ائتلافات نتنياهو مع حماس، لأكثر من عقدين منحته ما يُريد وأكثر، وعندما فقدت كلَّ شىء، وأفقدت فلسطين أيضًا، قرَّرت أن تتحالف معه بأرشيف مشاهد ساذجة، لمُختلّين يخدمون المُحتلّين!


تُمارس إسرائيل الديمقراطية، تقتل بها وتُحسّن صورة القتلة. والفصائل تُدمن الشعارات، والاستتباع، والبطولات الوهمية، وتُعوّل على صناديقٍ كانت وما تزال وقودًا للتلاعب بها.. إنه الغباء فى أشدّ حالاته جنونًا وانتحارية وتآمرًا على الذات!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة