تنعقد الدورة الخامسة عشرة للمهرجان الدولي للفيلم المغاربي بوجدة، من 16 إلى 21 أكتوبر 2026، في سياق تتزايد فيه الحاجة إلى إعادة التفكير في دور المهرجانات السينمائية، ليس بوصفها مناسبات للاحتفاء بالأفلام وصناعها فحسب، بل باعتبارها فضاءات لاختبار واقع الصناعة وأسئلة تطورها. يكشف البرنامج الذي تنظمه جمعية سيني مغرب عن توجه يجمع بين الانفتاح الثقافي والنقاش النقدي والتكوين، بما يضع المهرجان أمام تحدي تجاوز تنوع الفعاليات إلى بناء تصور متكامل للعلاقة بين السينما وإنتاج المعرفة وتوسيع فرص الإبداع والتلقي. ومن ثم، فإن قراءة هذه الدورة تقتضي مساءلة مدى انسجام محاورها، وقدرتها على التعامل مع الاختلالات التي تواجه السينما، بعيدًا عن الاكتفاء برصد الأسماء المشاركة أو استعراض فقرات البرنامج.
في هذا الإطار، تأتي استضافة السينما الإماراتية ضيف شرف لتوسيع أفق الحوار السينمائي العربي، لكنها تطرح سؤالًا حول المسافة بين الدبلوماسية الثقافية والممارسة الفنية. فالاحتفاء بتجربة سينمائية وطنية لا يكتسب قيمته من رمزية العلاقات بين البلدان وحدها، بل من إتاحة الفرصة لاكتشاف أفلامها وتحليل تحولات لغتها البصرية وموضوعاتها، والتعرف إلى الأسئلة التي تشغل أجيالها الجديدة من المبدعين. وحين تتحول الاستضافة إلى مساحة للنقاش النقدي، تصبح السينما وسيلة للمعرفة المتبادلة، لا مجرد واجهة للعلاقات الرسمية. يكتمل هذا الانفتاح بتعدد التجارب التي تشملها قائمة المكرّمين، من الفنانة المصرية صابرين، والممثلة المغربية نفيسة بنشهيدة، والفنان التونسي معز التومي، إلى الممثلة والمنتجة البوركينابية جورجيت باري، والموزع المغربي محمد خونا. يتيح هذا التنوع النظر إلى السينما باعتبارها منظومة تتداخل فيها أدوار التمثيل والإنتاج والتوزيع، بدل اختزالها في الوجوه التي تظهر على الشاشة. يكتسب تكريم الموزع أهمية خاصة، بالنظر إلى دوره في ضمان وصول الأفلام إلى الجمهور، وهي مسألة تقود إلى جوهر التحديات التي تواجه الصناعة.
إذا كانت التكريمات تستعيد مسارات الأفراد الذين أسهموا في تشكيل المشهد السينمائي، فإن ندوة "السينما والذاكرة"، المنعقدة تحت شعار "حين يعتم العالم، تضيء السينما"، توسع هذا المنظور نحو مساءلة ما تنتجه السينما من معانٍ وصور عن المجتمعات والتاريخ. فالسينما لا تسجل الذاكرة بصورة محايدة، إنما تعيد تشكيلها عبر اختيارات تحدد ما يظهر وما يُستبعد، ومن يمتلك حق رواية التاريخ ومن تبقى تجربته خارج الصورة. لذلك، فإن تناولها باعتبارها فضاءً للذاكرة والمقاومة والأمل يتطلب تجاوز التصورات العامة عن قدرتها على التنوير إلى تحليل أدواتها في تمثيل الواقع ومساءلة الروايات السائدة. وتتيح مشاركة أكاديميين وفنانين ونقاد، مقاربة الموضوع من زوايا متعددة، شريطة أن يستند الحوار إلى نماذج سينمائية محددة، وأن يربط الأسئلة النظرية بشروط إنتاج الأفلام وتداولها. فالسؤال عن قدرة السينما على حفظ الذاكرة والتأثير في الوعي يقود بالضرورة إلى سؤال آخر: ما الشروط التي تسمح للأفلام بأن تُنجز وتصل إلى جمهورها، وأن تتجاوز دائرة العرض المحدودة إلى الحياة الثقافية العامة؟
من هذه النقطة تحديدًا، تكتسب المائدة المستديرة "السينما المغربية: بين جدلية الكم والكيف" أهميتها، إذ تنقل النقاش من وظيفة السينما الفكرية إلى البنية التي تتيح لهذه الوظيفة أن تتحقق. فارتفاع حجم الإنتاج لا يعني بالضرورة تطور الصناعة، كما أن جودة الأفلام لا تكفي إذا ظلت فرص مشاهدتها محدودة أو انحصرت في المهرجانات. ولا يتعلق الأمر بالمفاضلة بين العدد والقيمة الفنية، بقدر ما يتعلق ببحث العلاقة بين الكتابة والإخراج والتمويل والتوزيع والعرض، ومدى قدرة هذه العناصر على بناء صناعة متوازنة.
على هذا الأساس، تكتسب الورش واللقاءات الموجهة إلى الشباب معناها بوصفها محاولة لربط تشخيص أزمة السينما بإعداد من يستطيعون الإسهام في تجاوزها. يشمل البرنامج لقاءات حوارية يقدمها المفكر نور الدين أفاية والمخرج نور الدين الخماري، ورشة للفيلم الوثائقي من الواقع إلى الصورة تنشطها الجزيرة الوثائقية، وأخرى حول الذكاء الاصطناعي والإبداع السمعي البصري يقدمها فواز يقيني، فضلًا عن لقاء جامعي مع المخرج عادل الفاضلي وبرنامج "أصوات الشرق" لمواكبة المواهب الشابة تحت إشراف السيناريست عبد القادر المنصور. تكمن أهمية هذه الأنشطة في إمكان نقل الشباب من تلقي المعرفة إلى الممارسة، فالورش الفاعلة هي التي تتيح تدريبًا تطبيقيًا، وتساعد المشاركين على تطوير مشروعاتهم، وتفتح أمامهم مسارات للمتابعة والاحتراف. كما أن إدراج الذكاء الاصطناعي يقتضي نقاشًا يتجاوز التعريف بالتقنيات إلى أسئلة الإبداع وحقوق الملكية وحدود الاعتماد على الأدوات الرقمية. أما "أصوات الشرق"، فيحمل أهمية خاصة في سياق توسيع فرص المشاركة السينمائية خارج المراكز التقليدية، لكن نجاحه يتطلب مواكبة مستمرة وربط المواهب بشبكات الإنتاج والتوزيع، حتى لا يظل اكتشافها هدفًا منفصلًا عن فرص تحقيق أعمالها وعرضها.
غير أن إعداد المواهب، مهما بلغت أهميته، لا يكفي وحده لضمان استمرارها في المجال السينمائي ما لم تسنده مؤسسات توفر فرص التكوين والعمل والتعاون. وهنا تبرز الاتفاقية المرتقبة بين جمعية سيني مغرب وجامعة محمد الأول بوجدة والمعهد العالي لمهن السمعي البصري والسينما، إلى جانب الشراكة مع المهرجان الدولي للفيلم بالداخلة، باعتبارهما إمكانًا لبناء صلة مؤسسية بين المهرجان والتعليم والممارسة المهنية. نجاح هذه الخطوة بالطبع، لن يُقاس بتوقيع الاتفاقيات، بل بما ينتج عنها من برامج مشتركة ومشروعات فنية وفرص تدريب وتبادل للخبرات.
تكشف هذه المحاور، في ترابطها، عن اختبار واحد يواجه الدورة الخامسة عشرة: مدى قدرتها على الانتقال من جمع المبادرات إلى بناء مسار ثقافي تتكامل فيه الاستضافة والتكريم والنقاش والتكوين والشراكات. فكل محور يفقد جزءًا من قيمته إذا عُزل عن المحاور الأخرى؛ إذ لا يكتمل الانفتاح الدولي من دون حوار فني حقيقي، ولا يتحول النقاش النقدي إلى أثر ما لم يرتبط بشروط الصناعة، ولا يثمر التكوين إذا لم تترتب عليه فرص للممارسة والإنتاج والعرض. من هنا، فإن نجاح المهرجان يتوقف على قدرته على تحويل طموحاته إلى نتائج ملموسة، وتعزيز الصلة بين حضوره في المشهد السينمائي المغاربي وامتداده داخل محيطه المحلي. ويظل المعيار الحاسم هو ما يتيحه من فرص فعلية للمبدعين، وما يضيفه إلى النقاش السينمائي، وما يتركه من أثر في الحياة الثقافية بوجدة والجهة الشرقية. بذلك يمكن أن تتجاوز التظاهرة حدود موعدها السنوي، لتسهم في ترسيخ بيئة سينمائية لا تكتفي بعرض الأفلام والاحتفاء بها، بل تهيئ الشروط اللازمة لإنتاجها وتداولها وتوسيع جمهورها.