فقدت أهلها ثم زوجها في غزة.. شيماء أبو شقرة تكتب وداعها الأخير لبرهوم: لم يكن زوجي فقط بل كان عوضي وسندي.. خطفه القصف غرب خان يونس فوجدت نفسها تواجه الفقد للمرة الثانية.. وتتعهد بتنفيذ وصاياه حرفا حرفا

الجمعة، 09 أكتوبر 2026 11:00 م
فقدت أهلها ثم زوجها في غزة.. شيماء أبو شقرة تكتب وداعها الأخير لبرهوم: لم يكن زوجي فقط بل كان عوضي وسندي.. خطفه القصف غرب خان يونس فوجدت نفسها تواجه الفقد للمرة الثانية.. وتتعهد بتنفيذ وصاياه حرفا حرفا شيماء أبو شقرة

كتب أحمد عرفة

 

في الحروب، لا يكون الفقد مجرد غياب شخص عزيز، بل قد يكون سقوط آخر جدار كان يحمي الإنسان من الشعور بالوحدة، هكذا تبدو حكاية الدكتورة شيماء أبو شقرة، التي وجدت نفسها أمام خسارة جديدة، بعدما ارتقى زوجها وحبيبها برهوم إبراهيم علام، في قصف غرب خان يونس جنوب غزة.

قبل أن تفقد زوجها، كانت شيماء قد عرفت معنى أن يرحل الأهل، وأن يصبح البيت أقل دفئا، وتتحول الذكريات إلى الشيء الوحيد المتبقي من أشخاص كانوا يوما جزءا أساسيا من الحياة، لكن برهوم، كما تصفه شيماء، لم يكن مجرد زوج.

شيماء أبو شقرة  وزوجها
شيماء أبو شقرة وزوجها

 

كان بالنسبة لها الصديق والحبيب والروح والسند، وكان عوضي بعد رحيل أهلي، كما كتبت في كلمات نعيها له، لذلك، عندما كتبت شيماء عن رحيله، لم تكن تكتب نعيا تقليديا لزوج فقدته في الحرب، وإنما كانت تحاول أن تضع في كلمات قليلة حجم الفراغ الذي تركه خلفه.

وقالت خلال نعينها لزوجها: أزف إلى العلياء صديقي وحبيبي وزوجي وروحي ونبضي وأملي وسندي وأجمل أقداري، عوضي بعد رحيل أهلي، ولن يكون عوضا عنه سوى جنة عرضها السماوات والأرض.

كلمات تحمل أكثر من معنى للرحيل، ففي كل كلمة كتبتها شيماء، يبدو أثر علاقة لم تكن بالنسبة إليها مجرد علاقة زوجين، بل مساحة أمان وجدت فيها ما تبقى لها بعد فقدان أهلها.

كان برهوم هو الشخص الذي بقي إلى جوارها بعد أن أخذت الحرب منها أفراد عائلتها، ولذلك أصبح رحيله خسارة ثانية، أكثر قسوة لأنها تعني فقدان الشخص الذي كانت تعتبره عوضا عن الغياب الأول.

 

لأنفذن كل ما أوصيتني به

وبينما كان يمكن للحزن أن يختصر كل شيء في البكاء، اختارت شيماء أن تكتب لزوجها كما لو أنها لا تزال قادرة على الحديث معه، حيث تقول له: " لأنفذن كل ما أوصيتني به، حرفا حرفا، الحمد لله على كل حال"، في هذه الكلمات، لا تبدو شيماء وكأنها تودع زوجها فقط، وإنما وكأنها تتمسك بآخر ما تركه لها وصاياه.

فالراحل قد يغيب جسدا، لكن كلماته تبقى حاضرة في حياة من يحبونه، تتحول أحيانا إلى وصية، وأحيانا إلى عادة، وأحيانا إلى تفاصيل صغيرة تذكرهم بأنه كان هنا ذات يوم، ولهذا، فإن وعد شيماء بتنفيذ ما أوصاها به يحمل معنى يتجاوز الكلمات، فهو محاولة منها للحفاظ على جزء من برهوم حيا في حياتها.

 

حياة انقسمت إلى ما قبل وما بعد

رحيل برهوم لم يكن بالنسبة إلى شيماء نهاية يوم عادي، بل لحظة انقسمت عندها حياتها إلى زمنين، زمن كان فيه برهوم حاضرا، وزمن أصبحت فيه مضطرة إلى مواصلة الطريق من دونه، وما يجعل قصتها أكثر قسوة أنها لم تصل إلى هذه اللحظة من دون جراح سابقة.

لقد فقدت أهلها، ثم وجدت في زوجها السند والعوض، قبل أن تفقده هو الآخر، وهكذا، أصبحت الذكريات هي ما تبقى، صوت، صورة، موقف، كلمة، وصايا، وربما تفاصيل يومية صغيرة لم تكن تدرك قيمتها عندما كان برهوم موجودا، لكنها بعد رحيله أصبحت أثمن ما تملك.

في غزة، حيث تتكرر قصص الفقد، تحمل كل عائلة رواية مختلفة، لكن بعض الحكايات تختصر في تفاصيلها معنى أوسع للحرب، أن الإنسان لا يخسر الأشخاص فقط، بل يخسر معهم أجزاء من حياته وذكرياته وأمانه.

 

نعي الزوج

وشيماء اليوم لا تنعى زوجها فقط، إنها تودع الإنسان الذي وصفته بأنه صديقها وحبيبها وروحها ونبضها وأملها وسندها، تودع الرجل الذي جاء إلى حياتها بعد رحيل أهلها، ثم رحل هو أيضا، تاركا خلفه امرأة تحاول أن تتعلم كيف تمضي قدما وهي تحمل كل هذا الغياب.

وربما لهذا تبدو كلماتها الأخيرة لبرهوم أقرب إلى وعد منها إلى نعي "لأنفذن كل ما أوصيتني به، حرفا حرفا"، وعد امرأة فقدت سندها، لكنها تحاول أن تحفظ حضوره من خلال ما تركه لها من كلمات، أما جملتها الأخيرة "الحمد لله على كل حال"، فتأتي كخاتمة موجعة لحكاية لم تختر نهايتها، لكنها تحاول أن تجد في الإيمان والذكريات والوصايا ما يعينها على مواصلة الحياة.

رحل برهوم إبراهيم علام، وبقيت شيماء أمام حياة جديدة لم تطلبها، حياة تحمل فيها ذكريات أهلها، وذكرى زوجها، وكلمات قالتها في وداعه، لعلها تكون آخر ما تستطيع أن تقدمه لمن كان بالنسبة إليها، كما وصفته بنفسها، "عوضي بعد رحيل أهلي.


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة