عمرو دوارة.. عام على رحيل حارس ذاكرة المسرح المصري

الجمعة، 09 أكتوبر 2026 08:15 م
عمرو دوارة.. عام على رحيل حارس ذاكرة المسرح المصري المؤرخ المسرحي الكبير الراحل عمرو دوارة

محمد عبد الرحمن

تمر الذكرى السنوية الأولى لرحيل الدكتور عمرو دوارة، أحد أبرز الباحثين والمخرجين المسرحيين الذين كرسوا جانبًا كبيرًا من حياتهم لحفظ ذاكرة المسرح المصري وتوثيق تاريخه، بعدما جمع بين الممارسة الفنية والبحث والتأليف والنقد، وترك وراءه مشروعًا توثيقيًا واسعًا يضم كتبًا وموسوعات ودراسات ترصد مسيرة الخشبة المصرية وأجيال المبدعين الذين صنعوا تاريخها.

عمرو دوارة لم يكن مجرد ناقد كتب عن التجارب الفنية المختلفة، أو مخرجًا قدم عشرات العروض المسرحية، أو بل كان صاحب مشروع ثقافي انطلق من إيمان واضح بأن المسرح لا ينتهي بانتهاء العرض، وأن ما يحدث فوق الخشبة يحتاج إلى من يحفظه من النسيان، ويعيد تقديمه للأجيال الجديدة في صورة وثائق ومراجع يمكن الرجوع إليها. ومن هنا، اتسعت تجربته لتشمل الإخراج والبحث والتوثيق، في محاولة للجمع بين تاريخ المسرح كما عاشه الفنانون، وتاريخه كما تسجله الكتب والصور والوثائق.

وبعد مرور عام على رحيله، تبرز قيمة هذا المشروع الذي لم يقتصر على تسجيل أسماء العروض أو تواريخ تقديمها، بل امتد إلى رصد المبدعين الذين أسهموا في تشكيل الحركة المسرحية، وفي مقدمتهم النساء اللاتي شاركن في صناعة المسرح المصري منذ بداياته الحديثة، وصولًا إلى أجيال متعاقبة من المخرجين والممثلين والمؤلفين والنقاد.

 

من عشق المسرح إلى مشروع لحفظ ذاكرته

جمع عمرو دوارة في تجربته بين الإبداع والإدارة، وبين العمل المسرحي المباشر والبحث التاريخي، وهو ما منحه قدرة على النظر إلى المسرح من زوايا متعددة. فقد عرف طبيعة العمل من الداخل، وشارك في إنتاج العروض وإخراجها، ثم اتجه إلى الكتابة النقدية والتوثيق، ليصبح أحد الأسماء التي ارتبطت بمحاولات تسجيل تاريخ المسرح المصري وحفظ تفاصيله.

وتكشف أرقام تجربته عن اتساع هذه المسيرة؛ إذ أخرج نحو 65 عرضًا مسرحيًا، قدم قرابة نصفها مع فرق مسارح الدولة، فيما أنجز النصف الآخر مع تجمعات مختلفة من فرق الهواة. كما عمل مخرجًا منفذًا مع أستاذه المخرج كرم مطاوع في فرقة المسرح القومي، وهي تجربة تضعه في صلة مباشرة بأحد الأسماء المؤثرة في تاريخ الإخراج المسرحي المصري.

ولم تكن هذه المسارات منفصلة عن بعضها؛ فالمخرج الذي يتعامل مع النص والممثل والفضاء المسرحي يدرك طبيعة التفاصيل التي قد تضيع بعد انتهاء العرض، والناقد الذي يكتب عن التجربة يحاول تحليل عناصرها، أما الباحث فيعمل على وضعها داخل سياق تاريخي أوسع. وقد التقت هذه الأدوار في تجربة دوارة، الذي لم يكتفِ بممارسة المسرح، بل سعى إلى حفظ ما أنتجته الحركة المسرحية من أعمال وتجارب وشخصيات.

وتبدو أهمية هذا الجمع في أن تاريخ المسرح لا يتكون من أسماء النجوم والعروض الشهيرة وحدها، وإنما من شبكة كاملة تضم الفرق والمؤسسات والمخرجين والمؤلفين والممثلين والمصممين والفنيين، فضلًا عن التجارب التي قد لا تحظى بانتشار واسع وقت تقديمها، لكنها تظل جزءًا من تطور الفن وتحولاته.

 

65 عرضًا.. من مسارح الدولة إلى فرق الهواة

امتدت تجربة عمرو دوارة الإخراجية عبر مساحات مختلفة من الحركة المسرحية، فلم تقتصر على مسارح الدولة، وإنما شملت أيضًا فرق الهواة وتجمعاتهم. ويكشف هذا التنوع عن اهتمامه بالمسرح بوصفه ممارسة فنية ممتدة، لا تنحصر في المؤسسات الرسمية أو العروض التي تحظى بحضور إعلامي واسع.

فالمسرح الذي تقدمه الفرق المستقلة والهواة يمثل جانبًا مهمًا من تاريخ الحركة المسرحية، إذ يتيح فرصًا للتجريب واكتشاف المواهب وتكوين جماعات فنية جديدة. وكثيرًا ما تبدأ تجارب مسرحية مؤثرة من تجمعات صغيرة، قبل أن تنتقل إلى فضاءات أوسع أو تترك أثرًا في أجيال لاحقة.

ومن خلال إخراجه نحو 65 عرضًا، توزعت بين فرق مسارح الدولة ومجموعات الهواة، عايش دوارة اختلاف ظروف الإنتاج والإمكانات وطبيعة الجمهور، وهي خبرة تتكامل مع اهتمامه اللاحق بالتوثيق؛ لأن حفظ تاريخ المسرح يتطلب النظر إلى مختلف دوائره، وليس إلى العروض الأكثر شهرة فقط.

كما أن عمله مخرجًا منفذًا مع كرم مطاوع في فرقة المسرح القومي يضيف بعدًا آخر إلى مسيرته، إذ يربط تجربته العملية بمرحلة من تاريخ المسرح المصري ارتبطت بتطور الرؤية الإخراجية ومحاولات تجديد العلاقة بين النص والعرض والممثل والجمهور.

لكن دوارة لم يتوقف عند حدود ما قدمه على الخشبة، بل انتقل إلى مساحة أوسع، جعل فيها الكتابة والتوثيق وسيلتين لاستعادة التجارب المسرحية وتحليلها، وهو ما منح مشروعه امتدادًا يتجاوز عمر العرض المسرحي نفسه.

 

أكثر من ألف مقال ودراسة نقدية

إلى جانب عمله مخرجًا، كتب عمرو دوارة أكثر من ألف مقال ودراسة نقدية، في رصيد يعكس انشغاله المستمر بالحركة المسرحية ومتابعة تجاربها. ولم تكن الكتابة النقدية بالنسبة إليه مجرد تعليق على العروض عند تقديمها، بل جزءًا من عملية تسجيل الحياة المسرحية ومناقشة اتجاهاتها وتحولاتها.

فالكتابة النقدية تؤدي دورًا مهمًا في حفظ أثر العرض الذي قد لا تتوافر له تسجيلات كاملة، أو لا يعاد تقديمه مرة أخرى. ومن خلال المقالات والدراسات، يمكن التعرف إلى طبيعة التجارب التي شهدتها مرحلة معينة، والاتجاهات التي انشغلت بها الفرق، والأسئلة الفنية التي طرحتها العروض في سياقاتها المختلفة.

وتزداد أهمية هذا الدور في المسرح تحديدًا، لأن العرض فن عابر بطبيعته؛ فهو يقوم على لقاء حي بين الممثل والجمهور، ويتغير من ليلة إلى أخرى، ثم ينتهي بانتهاء زمن تقديمه. وإذا لم تُسجل تفاصيله، فقد لا يبقى منه سوى ذكريات متفرقة أو شهادات يصعب جمعها بعد سنوات.

من هنا، يكتسب رصيد دوارة النقدي قيمة تتجاوز عدد المقالات والدراسات التي كتبها، لارتباطه بمحاولة تسجيل جانب من تاريخ الحركة المسرحية المصرية، ومتابعة ما قدمته من أعمال وتجارب وأسماء.

 

أكثر من 35 كتابًا.. التوثيق بوصفه مسؤولية ثقافية

صدر لعمرو دوارة أكثر من 35 كتابًا، وهو رصيد يكشف عن اتساع اهتمامه بالبحث والتوثيق إلى جانب الممارسة المسرحية. وقد مثّل الكتاب بالنسبة إليه وسيلة لحفظ المعلومات وترتيبها وإتاحتها للباحثين والمهتمين، بدلًا من بقائها متفرقة في الصحف والمجلات والوثائق الشخصية وسجلات الفرق والمؤسسات.

وتكمن أهمية التوثيق المسرحي في أنه لا يكتفي بتسجيل ما حدث، بل يساعد على إعادة بناء السياق الذي نشأت فيه التجارب الفنية. فمعرفة تاريخ عرض مسرحي، على سبيل المثال، لا تكتمل من دون معرفة فريق العمل والفرقة التي قدمته وظروف إنتاجه، وما أثاره من نقاشات، وموقعه من التطورات التي شهدها المسرح في مرحلته.

كما أن جمع هذه المعلومات في كتب ومراجع يتيح للأجيال الجديدة فرصة الاطلاع على تجارب سابقة، ومقارنة اتجاهات الإخراج والتمثيل والكتابة، وفهم تطور المؤسسات والفرق المسرحية. ومن دون هذا العمل، يصبح التاريخ معرضًا للاعتماد على الذاكرة الشخصية وحدها، بما تحمله من احتمالات النسيان أو اختلاف الروايات.

ولذلك ارتبط اسم دوارة بمشروع يتجاوز التأريخ التقليدي إلى بناء مادة مرجعية يمكن أن يستفيد منها الباحثون والنقاد والطلاب والفنانون، فضلًا عن المهتمين بتاريخ الثقافة المصرية.

«المسرح المصري المصورة».. استعادة تاريخ الخشبة بالصورة والوثيقة

تأتي موسوعة «المسرح المصري المصورة» في مقدمة الأعمال التي ارتبطت بمشروع عمرو دوارة التوثيقي. فالصورة المسرحية ليست مجرد عنصر مكمل للنص المكتوب، وإنما وثيقة تحمل تفاصيل عن العرض وتشكيلاته البصرية وأزياء الممثلين وحركة الأجساد والفضاء الذي جرت فيه الأحداث.

وتتيح الصورة، إلى جانب المعلومات المكتوبة، الاقتراب من عروض قديمة لم يعد من الممكن مشاهدتها على الخشبة، كما تساعد على استعادة ملامح فنية قد لا تستطيع الكتابة وحدها نقلها بصورة كاملة. ومن هنا تأتي أهمية الجمع بين التوثيق النصي والمادة المصورة، خاصة في فن يعتمد على الصورة والحركة والأداء الحي.

وتكتسب الموسوعات المصورة أهميتها أيضًا من قدرتها على تنظيم المادة التاريخية وإتاحتها بصورة أكثر وضوحًا للباحثين والقراء. فبدلًا من أن تظل الصور والبيانات متفرقة في أرشيفات مختلفة، يصبح من الممكن جمعها وربطها بالأعمال والأسماء والفترات الزمنية، بما يتيح قراءة أوسع لتاريخ المسرح.

ويعكس هذا النوع من العمل إدراكًا لطبيعة الذاكرة المسرحية؛ فالعرض الذي لا يُعاد تقديمه قد يختفي من المشاهدة المباشرة، لكن توثيقه بالصور والبيانات والشهادات يمنحه فرصة للاستمرار بوصفه جزءًا من تاريخ الفن المصري.

«سيدات المسرح المصري».. توثيق 1500 اسم من تاريخ الخشبة

من بين المشروعات التي ارتبطت باسم عمرو دوارة موسوعة «سيدات المسرح المصري»، التي أعدها ووثق مادتها، وتضم أسماء نحو 1500 سيدة شاركن في تاريخ المسرح المصري منذ بداياته الحديثة في سبعينيات القرن التاسع عشر.

ويحمل هذا المشروع أهمية خاصة، لأنه يتعامل مع جانب من تاريخ المسرح يحتاج إلى الجمع والتدقيق وإعادة ترتيب المعلومات، وهو حضور النساء في مختلف مراحل الحركة المسرحية. فالتاريخ الفني لا يُصنع بواسطة الأسماء الأكثر شهرة وحدها، وإنما تسهم فيه أعداد كبيرة من الفنانات والمبدعات اللاتي تتفاوت مساحة حضورهن في المصادر المتاحة.

ويبدأ نطاق الموسوعة من مرحلة البدايات الحديثة للمسرح المصري، التي ارتبطت باسم يعقوب صنوع، ثم يمتد عبر أجيال متعاقبة من الفنانات. وتسمح هذه المساحة الزمنية الواسعة بقراءة تطور مشاركة النساء في الحياة المسرحية، ومتابعة اختلاف الأدوار التي أدينها عبر مراحل تاريخية متعددة.

ولا تتوقف قيمة الموسوعة عند عدد الأسماء التي تضمها، بل ترتبط بمحاولة تحويل هذه الأسماء إلى مادة قابلة للبحث والرجوع إليها. فالتوثيق يتيح استعادة مسارات فنية قد لا تكون حاضرة بالقدر الكافي في الذاكرة العامة، ويساعد الباحثين على تتبع حضور الفنانات وأدوارهن في تطور المسرح المصري.

كما يفتح هذا العمل المجال أمام دراسات جديدة تتناول تاريخ الفنانات، وعلاقتهن بالمؤسسات والفرق المسرحية، وطبيعة الأدوار التي أتيحت لهن في فترات مختلفة، وما شهدته الحركة المسرحية من تحولات في مشاركة المرأة على الخشبة وخلف الكواليس.

ومن هذه الزاوية، تمثل موسوعة «سيدات المسرح المصري» أكثر من قائمة أسماء؛ فهي محاولة لتوسيع دائرة الذاكرة المسرحية، بحيث لا يقتصر التاريخ على عدد محدود من الشخصيات المعروفة، بل يشمل طيفًا أوسع من المبدعات اللاتي شاركن في صنعه.

يعقوب صنوع وذكرى 150 عامًا على المسرح المصري الحديث

ارتبط اسم عمرو دوارة أيضًا بمبادرة الدعوة إلى الاحتفال بمرور 150 عامًا على تأسيس المسرح المصري الحديث، انطلاقًا من الدور الريادي الذي ينسب إلى يعقوب صنوع في سبعينيات القرن التاسع عشر. وتبنت وزارة الثقافة هذه الدعوة لاحقًا، بما منحها مساحة داخل الاهتمام الرسمي بتاريخ المسرح المصري.

وتعكس المبادرة جانبًا من رؤية دوارة للتوثيق؛ فالتاريخ، في نظر هذا المشروع، لا ينبغي أن يظل محصورًا في الكتب المتخصصة، بل يمكن أن يتحول إلى مناسبة ثقافية تتيح للجمهور التعرف إلى بدايات الفن المسرحي ومسارات تطوره وأبرز الأسماء التي شاركت في تشكيله.

كما أن الاحتفاء بالذكرى التاريخية يطرح أسئلة تتجاوز الاحتفال ذاته: كيف نشأ المسرح المصري الحديث؟ وما التحولات التي مر بها؟ وكيف انتقل من البدايات الأولى إلى تأسيس الفرق والمؤسسات وظهور أجيال من المخرجين والممثلين والمؤلفين؟ وما الذي بقي من تجارب الماضي في الممارسة المسرحية المعاصرة؟

ومن خلال الدعوة إلى الاحتفاء بهذه المناسبة، وضع دوارة قضية الذاكرة المسرحية في مساحة أوسع من العمل البحثي الفردي، وربطها بإمكانات المؤسسات الثقافية في تقديم التاريخ إلى الجمهور وإعادة فتح النقاش حوله.

وتتصل هذه المبادرة بطبيعة مشروعه العام، الذي لم يكن يستهدف جمع المعلومات لذاتها، بل إتاحة الفرصة أمام الأجيال الجديدة للتعرف إلى جذور المسرح المصري، وإدراك أن الحركة المسرحية الحالية هي امتداد لمسار طويل صنعته أجيال متعاقبة.

حارس ذاكرة المسرح.. ما الذي يبقى بعد الرحيل؟

بعد عام على رحيله، تبدو تجربة عمرو دوارة مثالًا على الدور الذي يمكن أن يؤديه الباحث والممارس معًا في حفظ تاريخ الفن. فقد تنوعت أدواته بين العرض المسرحي والمقال النقدي والكتاب والموسوعة والمبادرة الثقافية، لكن هذه المسارات التقت عند اهتمام أساسي هو ألا تضيع تفاصيل الحركة المسرحية مع مرور الزمن.

وتكشف أعماله عن أن حفظ ذاكرة المسرح لا يقل أهمية عن إنتاج عروض جديدة؛ فالمسرح يحتاج إلى التجديد المستمر، لكنه يحتاج أيضًا إلى معرفة ما أنجزته الأجيال السابقة، وما قدمته من محاولات وتجارب، وما تركته من أسئلة فنية وفكرية. ومن دون التوثيق، يصبح كل جيل معرضًا للبدء من نقطة بعيدة عن تجارب من سبقوه، بينما تمنح المراجع التاريخية الفنان والباحث فرصة لبناء معرفة تراكمية.

ولا يعني ذلك أن الموسوعات والكتب وحدها تكفي لحفظ الذاكرة المسرحية، فهذه المهمة تحتاج إلى استمرار جمع الوثائق والصور والتسجيلات، وتحديث قواعد البيانات، والتحقق من المعلومات، وإتاحة المواد للباحثين. لكن ما أنجزه دوارة يقدم نموذجًا واضحًا لما يمكن أن يحققه العمل الفردي طويل النفس في هذا المجال.

لقد عاش عمرو دوارة المسرح مخرجًا وناقدًا وباحثًا، وترك وراءه عشرات العروض وأكثر من ألف مقال ودراسة نقدية وما يزيد على 35 كتابًا، إلى جانب موسوعات ومشروعات توثيقية تسعى إلى حفظ أسماء وتجارب قد يطويها النسيان. وهي حصيلة تجعل استعادة سيرته، في ذكرى رحيله الأولى، فرصة للتوقف أمام قيمة التوثيق بوصفه جزءًا أصيلًا من العمل الثقافي.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة